الدرس في التعليق على أصول في التفسير للعثيمين 17، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يستعرض المقطع ترجمة الصحابي عبد الله بن مسعود رضي الله عنه مبينًا سبقته إلى الإسلام وهجرتيه ومشاركته في الغزوات. ويبرز أخذه نحو ثلثي القرآن مباشرة من النبي صلى الله عليه وسلم وثناء النبي عليه بحفظه وإتقانه.
يُبرز المقطع مكانة عبد الله بن مسعود في علم القرآن حيث شهد له الصحابة بأنه من أعلمهم بكتاب الله وأسباب النزول. كما يوضح خدمته القريبة للنبي صلى الله عليه وسلم بحمل سواكه وطهوره ووسادته حتى ظن أبو موسى الأشعري أنه من أهل بيته.
يبرز المقطع مكانة ابن مسعود وقربه من النبي صلى الله عليه وسلم حتى شبهه حذيفة بهديه وسمته. ثم يذكر إرساله من قبل عمر بن الخطاب إلى الكوفة ليعلم الناس دينهم مع التأكيد على أهمية بعث العلماء والدعاة إلى الأمصار.
توفي الصحابي الجليل عبد الله بن مسعود في المدينة المنورة سنة اثنتين وثلاثين هجرية ودفن في مقبرة البقيع بجوار المسجد النبوي. وكان عمره بضعاً وسبعين سنة حيث اختتم الشيخ ترجمته الموجزة لهذا الصحابي عند هذا الحد.
الحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا ومباركًا فيه. أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. وبعد، أخذنا في الدرس الماضي ترجمة لعلي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه، وهو ممن اشتهر بتفسير القرآن. وذكر الشيخ هنا ثلاث تراجم لمن اشتهر بتفسير القرآن، فذكر أولًا عليًّا، ثم ذكر عبد الله بن مسعود، ثم عبد الله بن عباس. قال ثانيًا: عبد الله بن مسعود. قال: هو عبد الله بن مسعود بن غافل الهذلي، وأمه أم عبد، كان ينسب إليها أحيانًا. وقيل سبب ذلك -أي أنه ينسب إليها أحيانًا- لأن أباه مات في الجاهلية، وأدركت أمه الإسلام فأسلمت، فكأنهم أحبوا أن ينسب إلى هذه الأم التي وفقت إلى الإسلام، فكان أحيانًا حتى النبي عليه الصلاة والسلام ينسبه إلى أمه، كما سيأتي معنا قريبًا إن شاء الله في هذه الترجمة. قال: وكان من السابقين الأولين في الإسلام، فهو ممن أسلم في مكة وفي أول الدعوة. قال: وهاجر الهجرتين، يعني هاجر إلى الحبشة وكذلك هاجر إلى المدينة. قال: وشهد بدرًا وما بعدها من المشاهد، يعني كل المشاهد: بدرًا، وأحدًا، والخندق، والحديبية، وتبوك، كل الغزوات التي غزاها النبي عليه الصلاة والسلام، وهذا يعد من مناقبه ومن جهاده ومن ملازمته للنبي عليه الصلاة والسلام. قال: تلقى من النبي صلى الله عليه وسلم بضعًا وسبعين سورة من القرآن، يعني مشافهة مباشرة، أخذها من في النبي عليه الصلاة والسلام، بمعنى أخذ غالب سور القرآن. كم كلها سور القرآن؟ مئة وأربعة عشر. إذن أنظر هنا: أخذ أكثر من سبعين، بمعنى قرابة الثلثين، ها؟ ثلثي القرآن أخذهم مباشرة من النبي عليه الصلاة والسلام. قال: وقال له النبي صلى الله عليه وسلم في أول الإسلام: «إنك لغلام معلم»، يعني سريع الفهم والتعليم. وقال: «من أحب أن يقرأ القرآن غضًا كما أنزل»، يعني غضًا بمعنى كأنه أنزل الآن لإتقانه وأخذه مباشرة من النبي عليه الصلاة والسلام. وجبريل أتى بالقرآن من الله سبحانه وتعالى وأنزله على محمد، فتلقى محمد صلى الله عليه وسلم القرآن من جبريل، وتلقى عبد الله بن مسعود القرآن من النبي عليه الصلاة والسلام، فسلسلة مباركة. فلذلك قال: «من أحب أن يقرأ القرآن غضًا كما أنزل فليقرأه على قراءة ابن أم عبد»، فنسبه إلى أمه، ويريد به عبد الله بن مسعود، والحديث في ابن ماجه وهو حديث صحيح. قال: وفي صحيح البخاري أن ابن مسعود رضي الله عنه قال: «لقد علم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أني من أعلمهم بكتاب الله»، ومن هنا تبعيضية، وهذا من تواضعه، ما قال: أنا أعلم، وإنما قال: من أعلم، ويوجد من هو أعلم غيري. قال: «لقد علم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أني من أعلمهم بكتاب الله». وقال: «والله الذي لا إله غيره ما أنزلت سورة من كتاب الله إلا وأنا أعلم أين نزلت، ولا أنزلت آية من كتاب الله إلا وأنا أعلم في من أنزلت، ولو أعلم أحدًا أعلم مني بكتاب الله تبلغه الإبل لركبت إليه». وهذا كلام عظيم، فانظر: ما من آية إلا وهو يعلم أين نزلت، أو سورة، ما من سورة إلا وهو يعلم أين نزلت، وكذلك ما من آية إلا وهو يعلم في من أنزلت، إن كان لها سبب نزول. ومن علو همته وطلبه للزيادة في العلم قال: «ولو أعلم أحدًا أعلم مني بكتاب الله تبلغه الإبل لركبت إليه»، يعني لو أعلم أحدًا أستطيع أن أصل إليه، تبلغه الإبل يعني تصل إليه الناس، وهو أعلم مني، لركبته حتى أصل إليه. هذا فيه حرصه عليه رضي الله تعالى عنه على العلم والتحصيل والزيادة منه. قال: وكان ممن خدم النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وهذا شرف، واستغل تلك الخدمة في أخذ العلم من النبي عليه الصلاة والسلام. قال: فكان صاحب سواكه وطهوره ووساده. ومعنى صاحب سواكه يعني يحمل سواك النبي عليه الصلاة والسلام، ويأتي بالطهور للنبي عليه الصلاة والسلام، ويأتي بالوسادة التي ينام عليها النبي عليه الصلاة والسلام، فكان يخدم النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. قال: قال أبو موسى الأشعري: قدمت أنا وأخي من اليمن، والأشعريون من أهل اليمن. قال: فمكثنا حينًا ما نرى إلا أن عبد الله بن مسعود رجل من أهل بيت النبي صلى الله عليه وسلم. لماذا؟ قال: لما نرى من دخوله ودخول أمه على النبي صلى الله عليه وسلم، يعني كان كثيرًا ما يدخل على النبي عليه وسلم، فكانوا يظنون أنه من الأسرة، من الغالب الذي يدخل إلى البيت هو صاحب البيت من الأسرة. وابن مسعود ليس كذلك، وإنما كان مقربًا من النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وتعد ذلك من مناقبه رضي الله تعالى عنه وأرضاه. قال: ومن أجل ملازمته النبي صلى الله عليه وسلم تأثر به وبهديه، حتى قال فيه حذيفة: «ما أعرف أحدًا أقرب هديا وسمتا ودلا بالنبي صلى الله عليه وسلم من ابن أم عبد»، يعني كان أشبه بالنبي عليه الصلاة والسلام في تواضعه، في مشيه، في هديه، في أخلاقه، لأنه كان ملازمًا للنبي عليه الصلاة والسلام، وكان يأخذ من أخلاقه صلى الله عليه وعلى آله وسلم لكثرة ملازمته للنبي عليه الصلاة والسلام. قال: بعثه عمر بن الخطاب إلى الكوفة ليعلمهم أمور دينهم، فهو عالم، وهذا فيه بعث الإمام للعلماء في الأقطار والأمصار والقرى لتعليم دين الله عز وجل. وإذا وجد في هذا الزمان من الأئمة من لا يلقي لهذا الأمر بالًا، فينبغي لأهل الخير وأهل الجود والغنى أن يقوموا بهذا الواجب، فيرسلوا العلماء والدعاة إلى الله عز وجل إلى القرى والمدن والبوادي، دعوة إلى الله عز وجل، سنة، سنتين، شهر، شهرين، ثلاثة، أربع، أيام، خمسة أيام، فيتحمل نفقة هؤلاء الطلاب، فله أجر عظيم. فإن الأمراء في هذا الزمان قل من يعتني بهذا الباب، وهو باب عظيم. فلو اعتنت الدول ببعث العلماء وطلاب العلم إلى البلاد التي تحتاج إليهم، لنشر الدين والعلم والتوحيد والفقه، ولكن إلى الله المشتكى. فهكذا عمر بن الخطاب بعث عبد الله بن مسعود إلى الكوفة ليعلم الناس أمور دينهم. قال: وبعث عمارًا أميرًا، يعني عمار جعله أميرًا على أهل الكوفة، وعبد الله بن مسعود جعله معلمًا لأهل الكوفة. وقال أي عمر: «إنهما من النجباء من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم فاقتدوا بهما». وكذلك عمار بن ياسر يعد من علماء الصحابة، فجعله أميرًا. فانظر اختيار الأمراء لمن ينوبهم في البلاد، يختارون الأصلح والأتقى والأعلم. ثم أمره عثمان على الكوفة، يعني أمر عبد الله بن مسعود في خلافة عثمان، ثم عزله وأمرهم الرجوع إلى المدينة، يعني أن يرجع إلى المدينة، بيت الخلافة. قال: فتوفي فيها، أي عبد الله بن مسعود توفي في المدينة سنة اثنتين وثلاثين، ودفن بالبقيع، أي مقبرة البقيع التي بجانب المسجد الحرام -المسجد النبوي-. قال: ودفن بالبقيع، وابن بضع وسبعين سنة. هذه ترجمة موجزة ذكرها الشيخ رحمه الله لهذا الصحابي الجليل، وبهذا نكتفي. وإلى هنا والله تعالى. ترجمة نانسي قنقر.