الدرس في التعليق على دليل السالك إلى ألفية ابن مالك 78، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يستعرض هذا المحور القسم الثاني من أفعال القلوب التي تدل على رجحان اليقين، موضحاً خمسة أفعال هي جعل، حجى، عد، هب، زعم. يُمثل لكل فعل بآيات قرآنية وأبيات شعرية مع بيان إعراب المفعولين الأول والثاني.
يشرح المحور كيفية تعدّي فعل زعم إلى مفعولين إما بواسطة أن المؤولة بمصدر أو مباشرة. ثم ينتقل إلى القسم الثالث ممثلا برأى وعلم اللذين يفيدان اليقين أو الرجحان دون الجزم، مستشهداً بآيات قرآنية.
يبين المحور الفرق بين أفعال اليقين وأفعال الرجحان، موضحاً أن علم تأتي لليقين بينما ظن وخال وحسب يغلب عليهما الرجحان مع جواز اليقين حسب السياق. يستشهد بآيات قرآنية وأبيات شعرية لتوضيح دلالات كل فعل وإعراب مفعوليه.
يعرض المحور أمثلة توضيحية لفعل حسب الناقص الذي يتعدى إلى مفعولين، مبيناً إعراب المفعول الأول والثاني في جملة مفيدة وفي آية من سورة إبراهيم. يختم الدرس بالدعاء وذكر اسم المترجمة.
طيب، الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. وبعد: قال الشيخ -حفظه الله-: القسم الثاني من أفعال القلوب: ما يفيد في الخبر رجحانًا، أي رجحان اليقين. يعني: الأول جزمًا، ليس رجحانًا. الرجحان: احتمال الأمرين مع رجحان أحدهما، هذا يسمى الرجحان. أما اليقين فهو بدون رجحان، وإنما يدل على اليقين جزمًا. قال: وفعاله خمسة: "جعل" بمعنى اعتقد، و"حجى"، و"عد"، و"هب"، و"زعم". هذه الخمسة تفيد رجحان اليقين. فمثال "جعل": "جعلت العلاج نافعًا"، يعني: هذا في الغالب، فهنا رجحان اليقين؛ لأن العلاج قد لا يكون نافعًا، ليس جزمًا أن يكون نافعًا، أي: اعتقدت. ومنه في بعض الآراء قوله تعالى: ﴿وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَانِ إِنَاثًا﴾، أي: اعتقدوا. هذا في اعتقادهم، فيكون "الملائكة" مفعولًا أول، و"إناثًا" المفعول الثاني. ومثال "حجى": "حجوتُ الجوَّ باردًا"، يعني: اعتقدت الجو باردًا. ومنه قول الشاعر: قد كنت أحجو أبا عمر أخاثقة *** حتى ألمت بنا يوما ملمات ومعنى البيت: قد كنت أعتقد أن أبا عمر أخاثقة، يعني: أخثقة، ويعتمد عليه ويلجأ إليه عند الشدائد. هذا كان اعتقاده، حتى ألمت بنا يوما ملمات، يعني: حتى نزلت بنا يوم ضائقات وأزمات، فخاب ظني؛ ما كان أبو عمر كما اعتقدت، لأنه لم يقف معه ولم يسانده. فإذا الأولى: "قد كنت أحجو" يعني: أعتقد أن أبا عمر أخاثقة. أين الأول؟ "أبا". أين الثاني؟ "أخا". المفعول الأول: "أبا"، والمفعول الثاني: "أخا". قالوا: مثال "عد": "عددت الصديق أخًا"، يعني: اعتقدت الصديق أخًا. ومنه قول الشاعر: فلا تعدد المولى شريكك في الغناء *** ولكنما المولى شريكك في العدمي وهذا البيت فيه حكمة، فالمراد بالمولى هنا: الصاحب والناصر. فليس الصاحب والناصر الذي يشاركك في الغناء، إذا كنت غنيًا فهو صديق لك، وهو قريب منك، وهو عون لك. وإنما صاحبك الحقيقي، وهو شريكك في العدمي، الذي يكون بجانبك عند الفقر؛ العدم يعني الفقر وقلة ذات اليد. فهذا الدليل على أنه لم يصاحبك من أجل دنيا، وإنما من أجل محبة فيك وصدقًا في هذه الصداقة والأخوة. هذا هو معنى هذا البيت. فالشاهد منه: "المولى" الأولى، هذه "فلا تعدد المولى" مفعول أول، و"شريكك" مفعول ثاني. فهنا نصبت ماذا؟ مفعولين. فتكون "تعدّ" يعني: تعتقد. لا تعتقد المولى شريكك في الغنى، وإنما المولى شريكك في العدمي. قال: ومثال "هب": فقلت: "أجرني أبا مالك، وإلا فهبني امرأ هالكًا". "أجرني" يعني: أنقذني. و"أبا مالك" هنا المفعول الثاني، هنا "أبا مالك" مفعول لـ "أجرني"، لكن الشاهد ما سيأتي بعده. وقوله: "وإلا فهبني امرأ هالكًا". ومعنى البيت: إذا لم تجرني يا أبا مالك، فاعتقِد أنني هالك، خلاص؛ أنت سندي وأنت عضدي. الشاهد: "وإلا فهبني"، "الياء" المفعول الأول، الضمير: "فهبني"، و"امرأ" المفعول الثاني، "امرأ" المفعول الثاني، و"هالكًا" صفة. قال: وأما "زعم" فالأكثر فيها أن تتعدى إلى معموليها بواسطة "أن" والفعل، مثل ما تقدم معنا في "تعلم"، أو "أن" المؤكدة مع معموليها. نحو: "من زعم أن يخدع الناس فهو المخدوع". فأين مفعولي "زعم"؟ المصدر المؤول من "أن" وما دخلت عليه. ومنه قوله تعالى: ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا﴾، فالمصدر من "أن" وما دخلت عليه في محل نصب مفعولي "زعم"، وأما "الذين" فهو فاعل. وقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِيَاءُ لِلَّهِ مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾، الشاهد: "أنكم أولياء لله"، "أن" وما دخلت عليه في محل تأويل مصدر، مفعولي "زعمتم". والمصدر المؤول سدّ سدّ مفعولي "زعم". وقد تتعدى إلى المفعولين بغير توسط "أن" بينهما، نحو: "أنت زعمت خالدا جريًا"، فـ "خالدا" مفعول أول، و"جريًا" مفعول ثان. ومنه قول الشاعر: زعمتني شيخا ولست بشيخ *** إنما الشيخ من يدب دبيب المراد بالشيخ هنا: كبير السن الذي ظهر عليه الضعف. والشيخ يقول: هذه المرأة اعتقدتني شيخًا، وأنا لست بشيخ. عادني شباب، ودليل شبابي: أن الشيخ يدب على الأرض دبيبًا، يدب على الأرض دبيبًا. ومعنى الدَّب: المشي رويدًا، والمشي قليلًا قليلًا. هذا الشيخ الذي يمشي بسرعة، وأنا أمشي بسرعة، كيف تقول لهذا: "أنا شيخ"؟ هذا هو المعنى. إذن: "زعمتني شيخًا"، هنا مفعول أول، و"شيخًا" مفعول ثانٍ. فـ "زعم" هنا نصب مفعولين بدون دخول "أن" أو "أنّ". قال: القسم الثالث من أفعال القلوب: ما يفيد في الخبر يقينًا أو رجحانًا، والغالب كونه لليقين. وفعلان: "رأى" و"علم". يعني: ليس يدل على اليقين، ولا يدل على الرجحان، فقد يدل على اليقين، وقد يدل على الرجحان. إذن أين الفرق بينه وبين الأول والثاني؟ الأول يدل على اليقين جزمًا، والثاني يدل على الرجحان جزمًا. وأما هذا فلا يدل على هذا على سبيل الجزم، ولا يدل على هذا على سبيل الجزم، فيحتمل الأمرين: قد يدل على اليقين، وقد يدل على الرجحان، الرجحان/اليقين. فهو وسط بين الأول والثاني. واضح هذا النوع؟ القسم وسط بين الأول والثاني. قال: فمثال "رأيت": "رأيت العلماء باقين ما بقي الدهر". فهذا قد يدل على اليقين، ويدل على ذلك قول الله عز وجل: ﴿لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي عَلَى الْحَقِّ ظَاهِرِينَ﴾. وإذا دل على الرجحان، فقد يكون في بلد دون بلد، وفي عصر دون عصر. واضح. ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا * وَنَرَاهُ قَرِيبًا﴾. فالأولى للظن، والثانية لليقين: أن يظنوا البعث ممتنعًا، ونعلمه واقعًا لا محالة. فالظن هنا في حق الله بمعنى اليقين. و"نراه" يعني: الرؤية هنا القلبية بمعنى اليقين. "نراه قريبًا" يعني: نعتقد أنه قريب. لكن الكفار يظنون أنه بعيد. وهنا يدل على الرجحان. ومثال "علم": "علمت الصلح خيرًا". فقد... وقد... ومنه قوله تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾، أي: تيقن واعتقد. تيقن واعتقد. "أن" واسمها وخبرها سدّ مسد مفعولي "اعلم". وهذا فيه أن العلم كذلك قد يأتي مفعولاه بتأويل مصدر سدّ مسد مفعولي "اعلم" أو "علم". وقال الشاعر: عَلَّمْتُكَ الْبَاذِلَ الْمَعْرُوفَ فَانْبَعَثْتَ *** إِلَيْكَ بِوَاجِفَاتِ الشَّوْقِ وَالْأَمَلِ ومعنى البيت: يقول، وهو يخاطب محبوبه: "علمتك الباذل" يعني: المعطي، مسخاء المعروف. "فانبعثت" أي: ثارت وتحركت إليك بواجفات. "الواجفات": جمع "واجفة"، وهو ضرب من السير السريع، يعني: نوع من أنواع السير السريع يسمى "واجفة". بمعنى: أن انبعثت إلي نفسك، انبعثت إليك، أو انبعثت إليك مسرعًا بشوق وأمل، يعني: دواعي الشوق وأسبابه التي بعثته على الذهاب إليه مسرعًا. الشاهد: "علمتك الباذل المعروف". من يخبرني أين المفعول الأول وأين المفعول الثاني عندك يا عائد؟ أين المفعول الأول؟ الكاف. و"الباذل المعروف" ما إعرابه؟ ليس وصفًا، وإنما مفعول به لـ "الباذل"، لأن "باذل" اسم فاعل. طيب، فـ "المعروف" مفعول به لـ "الباذل". قال: فعل "علم" لليقين، والدليل: أن المقام مقام مدح واستجداء، يعني: استنجاد. فالعلم هنا أتي به لليقين، يعني: تيقنت بذلك. القسم الثالث: ما يفيد في الخبر رجحانًا أو يقينًا، والغالب كونه للرجحان. يعني: مثل الأول، لكن الأول الغالب لليقين، وهذا يحتمل الأمرين، والغالب: الظن، ليس اليقين. قال: وهو ثلاث: "ظن"، و"خال"، و"حسب". فمثال "ظن": "ظننت الكتاب موجودًا"، يعني: بمعنى احتمال ضعيف أن الكتاب موجود. الظن هنا بمعنى الرجحان، ليس بمعنى اليقين. ومنه قوله تعالى: ﴿فَقَالَ لَهُ فِرْعَوْنُ إِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا مُوسَى مَسْحُورًا﴾، يعني: أظن بمعنى يغلب على ظنك أنك مسحور، أنك مسحور. وقد تستعمل لليقين، فقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ﴾، يعني: يعتقدون. فالظن قد يكون للرجحان، فالظن قد يكون للرجحان، وقد يكون لليقين، والسياق هو الذي يبين ذلك. لكن الأكثر تأتي للرجحان. "ظن" الأكثر تأتي للرجحان، ما تأتي لليقين. وهذا في القرآن أمثلة. قال الله عز وجل أيضًا لتدل على اليقين: ﴿إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيَةَ﴾، "ظننت" هنا بمعنى ماذا؟ تيقنت. "ظننت" هنا بمعنى تيقنت. ومثال "خال": "خلت الدراسة متعة". وقد وردت بمعنى اليقين في قول الشاعر: دَعَانِي الْغَوَانِي عَمَّهُنَّ وَخَلَّتْنِي لَسْمَ *** فَلَا أُدْعَى بِهِ وَهُوَ أَوَّل ومعنى "دعاني": أي سماني. و"الغواني": النساء الحسان. "فلا أدعى به" يعني: "دعاني الغواني عمهن وخلتني ليسم"، يعني: فلا أدعى به على تقدير همزة السَّلام من "كار"، أي: فلا أدعى به، يعني: وأعتقد أن لي اسمًا، فلماذا أدعى بغيره؟ هن الآن يدعونه بماذا؟ بالعم. ويقول: أنا لي اسم، لي اسم. و"خلتني" يعني: أعتقد أن لي اسمًا، "فلا أدعى به وهو أول"، يعني: هو أولى بأن أدعى به، وهو أول اسم سماني به أهلي. واضح. فالشاهد: "وخلتني لي اسم"، "وخلتني لي اسم"، "فلا أدعى". وذلك لأنه لا يظن أن لنفسه اسمًا، بل هو على يقين من ذلك، على يقين أن له اسمًا، فامتنع أن يكون الظن في هذا البيت بمعنى الظن، يعني: الرجحان، وإنما ظنهن بمعنى اليقين. ومثال "حسب": "حسب المهمل النجاح سهلا"، "النجاح" الأول، "سهلا" الثاني. ومنه قوله تعالى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ﴾، لفظ الجلالة الأول، و"غافلا" الثاني. طيب، نكتب إن شاء الله بهذا اليوم. وإلى هنا، والله تعالى. ترجمة نانسي قنقر