مختصر فقه الأسماء الحسنى  26

مختصر فقه الأسماء الحسنى 26

الدرس في مختصر فقه الأسماء الحسنى 26، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة

معنى اسمي الله الحفيظ والحافظ

يشرح المقطع دلالة اسمي الله الحفيظ والحافظ الواردين في القرآن، موضحاً أن الحفظ يشمل علم الله الشامل لكل المعلومات وحفظه للمخلوقات كالسماوات والأرض والقرآن من التحريف. ويختتم بأن حفظ الله لعباده ينقسم إلى نوعين: عام يعم جميع المخلوقات وخاص بأوليائه.

أنواع حفظ الله: العام والخاص

يبين المقطع نوعي حفظ الله: العام الذي يعم البر والفاجر والحيوانات بتيسير الأرزاق ودفع المضار، والخاص الذي يختص بأولياء الله بحماية إيمانهم من الشبهات والفتن ونصرهم على الأعداء. ويؤكد أن كلما حفظ العبد حدود الله كان حفظ الله له أعظم.

حفظ الله لأوليائه وارتباطه بحفظ العبد لحدود الله

يوضح المقطع أن الله يحفظ أولياءه من الشبهات والفتن والأعداء والجن وفي الحوادث، بقدر حفظهم لحدود الله واستقامتهم، مستدلاً بالحديث «احفظ الله يحفظك» وقصة الغلامين في سورة الكهف. ويشير إلى أن التزام المؤمن بطاعة الله وحفظ حدوده يجلب له الحفظ في دينه ونفسه وماله وولده.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد، قال الشيخ عبد الرزاق بن عبد المحسن العباد حفظه الله تعالى في كتابه "مختصر فقه الأسماء الحسنى": أسماء الله الحفيظ والحافظ. قال الله تعالى: ﴿ إِنَّ رَبِّي عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ ﴾، هذا دليل اسم الله الحفيظ. وفي آية أخرى: ﴿ وَرَبُّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ ﴾. وفي آية أخرى: ﴿ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ اللَّهُ حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ ﴾. وقال تعالى في اسم الله الحافظ: ﴿ إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ ﴾. وقال في آية أخرى: ﴿ فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظًا وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ ﴾. وفي آية أخرى: ﴿ وَكُنَّا لَهُمْ حَافِظِينَ ﴾. فإذن هذان الاسمان ثابتان بالكتاب. قال: وهذان الاسمان العظيمان دالان على أن الله سبحانه موصوف بالحفظ، والحفظ يتناول أمرين اثنين، وبهذا تعلم معنى هذين الاسمين. فالأمر الأول الذي تتناوله أسماء الله الحفيظ والحافظ: أن الحفظ يراد به الحفظ بعلمه جميع المعلومات، فلا يغيب عنه شيء، فهو يحفظ كل شيء سبحانه وتعالى. وما يقابل ذلك النسيان، فالله سبحانه وتعالى نزه نفسه عن ذلك، أي عن النسيان، كما قال الله سبحانه وتعالى: ﴿ وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا ﴾. وكما قال الله عز وجل: ﴿ أَحْصَاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ ﴾. ما معنى أحصاه؟ يعني حفظه. وكما قال الله عز وجل: ﴿ وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُسْتَطَرٌ ﴾، يعني مكتوب محفوظ. فالله سبحانه وتعالى من حفظه أنه لا يغيب عنه شيء من أعمال العباد، ومن كل ما يجري في كونه وخلقه سبحانه وتعالى. فهذا معنى من معاني الحفظ، واضح. والمعنى الثاني الذي تتناوله أسماء الله الحفيظ والحافظ: أن الحافظ معناه الحافظ للمخلوقات، فهو يحفظها من سماء وأرض وما فيهما، كما قال الله عز وجل: ﴿ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا ﴾، يعني لا يثقله حفظ السماوات والأرض. وكما قال الله عز وجل: ﴿ وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ ﴾، فهو الذي يحفظ عباده من أن تقع عليهم السماوات والأرض، فهو يحفظ هذه السماء من أن تقع على الخلق. فهذا معنى من معاني الحفظ. وكما قال الله عز وجل: ﴿ وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفًا مَحْفُوظًا ﴾، وجعلنا السماء سقفاً ماذا؟ محفوظاً. فحفظها الله عز وجل بحفظه. ومن ذلك حفظ عباده، ومن ذلك حفظ عباده، وسيأتي معنا أن حفظ العباد على نوعين اثنين. ومن هذا المعنى كذلك حفظ كتابه من أن يحرف أو يغير أو يبدل، كما قال الله عز وجل: ﴿ إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ ﴾، ﴿ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ ﴾. فكم حاول أعداء الإسلام أن يزيدوا أو ينقصوا في القرآن فلم يستطيعوا. هذا القرآن الذي نقرأه هو القرآن الذي أنزل على النبي عليه الصلاة والسلام، ما استطاع الأعداء أن يغيروا أو يحرفوا أو يبدلوا في القرآن شيئاً، وهذا يعد معجزة من المعجزات، وهو قوله تعالى: ﴿ إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ ﴾، ﴿ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ ﴾. فهذا المعنى الثاني إذن باختصار: الحفظ يتناول أمرين: الحفظ بعلمه جميع المعلومات فلا يغيب عنه شيء، والثاني: الحافظ للمخلوقات فهو يحفظها بحفظه، ومن ذلك حفظه لعباده. قال المؤلف: وحفظه تعالى لعباده نوعان: عام وخاص. فالعام: حفظه لهم بتيسيره لهم الطعام والشراب والهواء، وهدايتهم إلى مصالحهم، وإلى ما قدر لهم وقضى لهم من ضرورات وحاجات، وهي الهداية العامة التي قال عنها سبحانه: ﴿ الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى ﴾. وحفظهم بدفع أصناف المكاره والمضار والشرور عنهم. وهذا الحفظ يشترك فيه البر والفاجر، بل الحيوانات وغيرها، ولذلك سمي حفظاً عاماً لأنه يعم جميع الخلق، يعم جميع الخلق. فالله عز وجل يحفظ حتى الكافر، هل يقطع الله عز وجل عن الكافر رزقه؟ هل يقطع عنه الهواء الذي يحيى به؟ هل يقطع عنه الماء الذي يحيى به؟ لا، فهو يحفظ هذا الإنسان بتيسير هذه الأمور التي بها حياته. فهذا حفظ عام بتيسير المصالح التي تقوم بها حياة الناس، وهذا معنى قوله: ﴿ الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى ﴾، لما فيه معاشهم وحياتهم. وهكذا من حفظه أن يدفع عنهم أصناف المكاره، أصناف المكاره، فلا ينزل عليهم عذابه وعقابه إلا فيمن استحق ذلك منهم، وليس كلهم. فهم الكفار مع كفرهم ومع محاربتهم لدين الله، إلا أن الله عز وجل استدرجهم، استدرجهم، فلم ينزل بهم عذابه وعقابه، فهذا أيضاً من حفظ الله. بل حتى الحيوانات التي لا عقل لها ولا تميز، فإن الله يحفظها، الله عز وجل يحفظها، بل وترى منها عجائب قدرته التي فيها معنى حفظ الله عز وجل لها. انظر على سبيل المثال إلى الأغنام، لما تلد الشاة كيف يقذف فيها حب هذا المولود فترضعه وتدافع عنه. أخذت طفل هذه الشاة، هل ستنام؟ تصيح طيلة الليل، صح. سبحان الله، بمجرد أن تأتي بجنينها فإذا بها تسكت. وإذا أردت الشاة أن تقودها إلى مكان، لا تمسك بقرنها ولا تربطها بحبل ولا شيء، ماذا تفعل؟ تأخذ هذا الجنين الصغير وهي تأتي خلفك المكان الذي تريد. سبحان الله، هذا من حفظ الله عز وجل لهذا الجنين أن وجد من يدافع عنه ومن يحن إليه. وهكذا في الجمال، وفي النحل، هذه مملكة عجيبة، مملكة النحل، كل جماعة لهم ملكة، فهم يتبعونها ويخدمونها، سبحان الله، حفظ من الله سبحانه وتعالى. وهكذا تبني لها البيوت المحكمة المرتبة المنسقة، من الذي هداها لهذا؟ إنه الله سبحانه وتعالى. هذا من حفظ الله لهذه الحيوانات ولهذه الحشرات، حفظ من الله سبحانه وتعالى. وكل هذا من معنى الحفظ العام، الحفظ العام للبر والفاجر، بل وللحيوانات وغيرها. قال: وقد وكل ببني آدم ملائكة يحفظونهم بأمر الله، كما قال سبحانه: ﴿ لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ ﴾، أي يدفعون عنه بأمر الله كل ما يضره مما هو بصدد أن يضره لولا حفظ الله. فالله عز وجل يسخر لهم من يحفظهم، من يحفظهم، وهم الملائكة. هذه هي الهداية العامة، أو هذا هو الحفظ العام. قال: والخاص: حفظه لأوليائه إضافة إلى ما تقدم، بحفظ إيمانهم من الشبه المضلة والفتن الجارفة والشهوات المهلكة، فيعافيهم منها، ويحفظهم من أعدائهم من الجن والإنس، فينصرهم عليهم، ويدفع عنهم كيد الأعداء ومكرهم. وهذا هو الحفظ الخاص بأولياء الله. فكلما كان العبد حافظاً لحدود الله كان حفظ الله له أعظم. وهذا يدل عليه حديث ابن عباس عند الترمذي وابن ماجه وغيرهما من أهل السنة، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له: «احفظ الله يحفظك». كيف احفظ الله؟ يعني احفظ الله بحفظ حدوده. فكلما حفظ العبد حدود الله وعمل بشرع الله وبدين الله كان حفظ الله له بقدر حفظه لحدوده، بقدر حفظه لحدوده. فالله عز وجل يحفظ أولياءه من الشبه المضلة، يثبتهم على الحق، فتأتيهم الشبه من هنا أو هناك وهم ثابتون ثبات الجبال الراسيات التي لا تتزعزع ولا تتحرك بهبوب الرياح أو بنزول الأمطار أو نحو ذلك، فهم ثابتون بحفظ الله سبحانه وتعالى. وكذلك الفتن تأتيهم من هنا وهناك، فتن الدنيا، فتن الرئاسة، فتن الحزبية، فتن المال، فتن النساء، فلا تؤثر فيهم، يحفظهم الله سبحانه وتعالى. وهكذا يحفظهم من أعدائهم، من يحفظ حدود الله لا تستطيع الأعداء، لا أعداء الإنس ولا أعداء الجن. الآن تجد كثيراً من الناس يشكو من تسلط الجن عليه، ولو نظرت إلى حال هذا المشتكي لرأيت أنه تارك للصلوات، هاجر للقرآن، بعيد عن الذكر، يعيش في غفلة، كيف لا يتسلط عليه الشيطان وأعوانه؟ كيف لا يتسلط عليه الشيطان وأعوانه؟ لا شيء يمنع تسلطه عليه لأنه لم يحفظ حدود الله ولم يتحصن بالأذكار الشرعية، فيتسلط عليه الشيطان. فمن حفظ الله حفظه الله حتى من أعدائه من الجن والإنس، فينصر الله عز وجل من حفظه، ويدفع عنه كيد الأعداء، كما قال الله عز وجل: ﴿ إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا ﴾. قالوا: على حسب ما عند العبد من الإيمان تكون مدافعة الله عنه، فبقدر إيمانه وبقدر استقامته وحفظه لحدود الله عز وجل تكون مدافعة الله عنه، ويكون حفظ الله له، ويكون حفظ الله له. بل ذكر بعض أهل العلم أن الله عز وجل يحفظ عباده المؤمنين وأولياءه المتقين حتى في الحوادث، وكذلك العقوبات التي تنزل على العباد، تجد مصائب وحوادث أهل الإيمان فيها من اللطف، وفيها من الحفظ والرحمة، ربما تنقلب عليه به السيارة فيخرج منها سالماً، هذا من حفظ الله. وربما يمرض مرضاً لو مرضه غيره لتألم ليلاً ونهاراً، وهو في طمأنينة وفي كذلك هدوء وسكون حتى يتعجب الأطباء من ذلك، هذا من حفظ الله عز وجل. فإذا هذه المعاني كلها داخلة في الإيمان بهذين الاسمين: الحفيظ والحافظ. قال: ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم كما في وصيته لابن عباس رضي الله عنهما: «احفظ الله يحفظك»، رواه أحمد والترمذي. أي احفظ أوامره بالامتثال، ونواهيه بالاجتناب، وحدوده بعدم تعديها، يحفظك في نفسك ودينك ومالك وولدك، وفي جميع ما آتاك الله سبحانه. نعم، يحفظك حتى في ولدك، حتى بعد موتك، كما قال الله عز وجل: ﴿ وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا ﴾. انظر بصلاح الأب وبحفظه لحدود الله حفظ الله عز وجل مال هذين الغلامين، هذين الغلامين. يحفظك الله عز وجل في مالك وفي ولدك وفي أهلك، وهذا كله بحفظك لحدود الله سبحانه وتعالى. وقد مدح الله عز وجل عباده الحافظين لحدوده، كما قال الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ ﴾، ﴿ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ ﴾. وقال الله عز وجل: ﴿ هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ ﴾، أي حفظ أوامر الله سبحانه وتعالى. فإن أردت أن يحفظك الله في دينك وفي نفسك وفي أهلك وفي عرضك وفي مالك وفي كل ما يحفظ، فالزم حدود الله سبحانه وتعالى. وهذا الاسم أو هذان الاسمان لا شك لهما أثر بالغ في إيمان العبد. على المعنى المتقدم: الحفظ بمعنى بعلمه جميع المعلومات فلا يغيب عنه شيء، يحرص المؤمن على أن لا يتساهل في أمر المعاصي والمخالفات، وليعلم أنها مصطرة ومحفوظة عليه، فإذا علم ذلك فإنه يرتدع وينزجر ويبتعد عن ارتكاب المعاصي والمنكرات. وعلى المعنى الثاني: أن الله هو الحافظ للمخلوقات من سماء وأرض، بل ومن كذلك العباد، فإنه يبحث المؤمن عن أسباب هذا الحفظ الذي كل واحد منا يرجوه ويتمناه. لو سألت أي واحد منا: هل تريد أن الله يحفظك؟ ماذا سيقول؟ الجواب: نعم. إذن كيف تنال هذا الحفظ؟ كيف تنال هذا الحفظ؟ تنال هذا الحفظ بحفظ حدود الله: «احفظ الله يحفظك». فإذن تسعى إلى الاستقامة على دين الله وحفظ حدود الله. طيب، نكتفي بهذا، وإلى هنا، والله تعالى أعلم.