الدرس في مختصر فقه الأسماء الحسنى 40، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يشرح هذا المحور معنى اسم الله "الودود" الوارد في القرآن الكريم، مبيناً أنه يدل على محبة الله لأنبيائه وأوليائه ومحبتهم له. كما يوضح تودد الله إلى خلقه بأسمائه الحسنى وآلائه الواسعة ونعمه الظاهرة والباطنة ولطفه الخفي في تدبير أمورهم.
يبين المحور كيف يتودد الله إلى عباده بنعمه الظاهرة والخفية، وستره على العاصين وإمهالهم، وتيسير أسباب التوبة لهم وفرحه بتوبتهم. ويؤكد أن هذا التودد الإلهي يجذب قلوب المؤمنين لمحبة الكمال الإلهي والتعظيم له سبحانه.
يربط المحور بين اسم الله الودود وأسمائه الرحيم والغفور، مبيناً أن محبته تتجلى في تودده للتائبين وغفرانه للذنوب. ويؤكد أن دليل محبة العبد لربه هو طاعته واتباع رسوله صلى الله عليه وسلم، محذراً من البدع كاحتفال المولد النبوي مستدلاً بالآية والحديث النبوي.
يتناول المحور الحديث الطويل الوارد عن معاذ بن جبل في محبة الله، مبيناً أنه رواه الإمام أحمد والترمذي وصححه جماعة من أهل العلم. ويختم بالتأكيد على صحة الحديث ونسبة تصحيحه إلى الإمام البخاري وغيره من علماء الحديث.
الحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، قال الشيخ عبد الرزاق بن عبد المحسن العباد حفظهم الله تعالى في كتابه "مختصر فقه الأسماء الحسنى": اسم الله الودود. قال: وقد ورد في القرآن مرتين. الأولى في قوله تعالى: ﴿وَاسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ﴾. والثاني في قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ﴾. قال: ومعنى الودود: الذي يحب أنبياءه ورسله وأتباعهم ويحبونه، فهو أحب إليهم من كل شيء، قد امتلأت قلوبهم محبة له. وفسر الودود بالمحبة؛ لأن الله عز وجل تودد إلى عباده فأحبوه، فما فعل ذلك إلا لمحبته إياهم، كما سيأتي تفصيل ذلك وبيانه في كلامي عن المؤلف رحمه الله. قال الشيخ عبد الرحمن بن سعدي رحمه الله في تقرير عظيم له في بيان معنى هذا الاسم ودلالته: الودود، أي المتودد إلى خلقه، يعني المتحبب إليهم بنعوته الجميلة. فالرحمن الرحيم، والغفور، والسميع، العليم، الخبير، هذه نعوت جميلة، متى ما سمعها المؤمن أحبها وأحب موصوفها، وهو الله سبحانه وتعالى. فهو متودد إلى خلقه بنعوته الجميلة وآلائه الواسعة، يعني نعمه الواسعة. فالذي يعطيك ويرعاك ويرزقك ويشفيك، وكذلك يسوق عليك نعمه الظاهرة والباطنة، أليس هذا حقًا أن يُحب؟ لما تودد به إلى عباده من هذه الآلاء والنعم. فهذا أيضًا ما ذكره الشيخ: المتودد إلى خلقه بنعوته الجميلة وآلائه الواسعة، يعني نعمه الواسعة، وهو الذي أوجدهم وأحياهم وأصلحهم وأتم لهم أمور دينهم ودنياهم، فهداهم إلى الإسلام وإلى الحق، وبين لهم الصراط المستقيم، وسهل لهم سبب سلوكه، وشرع لهم الشرائع التي فيها منافعهم ومصالحهم، ورفع عنهم الحرج، وما كلفهم إلا ما يطيقون. كل ذلك من آلائه، فلذلك القلوب مجبولة على محبة المحسن إليها. وهو الذي أحب عباده وأحبوه، كما قال الله عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾، يحبهم ويحبونه. فإذن هذا معنى قول عبد الرحمن بن ناصر السعدي رحمه الله: وآلائه الواسعة الكثيرة العظيمة. قال: وألطافه الخفية، يعني ما يلطف به ربنا عز وجل على عباده، فتصيبهم المصيبة فيخففها الرب عنهم، وهذا أمر واقع. ذاك يمرض فيلطف الله عز وجل به فيعافيه، وذاك كذلك يحتاج إلى مال لما وقع فيه من فقر شديد، فيلطف الله عز وجل به فيرزقه ويغنيه. كل ذلك من ألطافه الخفية ونعمه الخفية والجلية. نعم، ربما ما يعلمها العبد ولا يستشعر بها. مثلاً: الإنسان كلما أراد أن يسافر صد عن هذا السفر، فيظن أن هذا حرمان له، وهو في الحقيقة نعمة خفية أنعم الله عز وجل بها على هذا العبد، إذ لو سافر لصار له كذا وكذا، بل ربما مات في سفره هذا. وكم يحكي الناس قصصًا من هذا: ذاك يتخلف فتنقلب السيارة التي كان من المقرر أن يسافر فيها، فيموت كل من فيها إلا هذا الذي تخلف لأمر ما. هذا نعمة خفية. وهكذا النعم الظاهرة الجلية من نعمة الصحة والعافية والمال ونحو ذلك. قال: فهو الودود بمعنى الواد، يعني اسم فاعل الذي صدر منه هذا الود. وبمعنى المودود، يعني الذي يُحب. الواد الذي يحب، والمودود الذي يُحب؛ لأن المودود اسم مفعول الذي وقع عليه الحب. يحب أولياءه وأصفياءه ويحبونه، فهو واد لأنه يحب أولياءه وأصفياءه، ومودود لأن الأولياء والأصفياء يحبونه. فهو الذي أحبهم وجعل في قلوبهم المحبة، فلما أحبوه أحبهم حبًا آخر جزاء لهم على حبهم. قال: فالفضل كله راجع إليه، فهو الذي وضع كل سبب يتوددهم به. فالمؤمن يحب الله لأنه هداه إلى الحق، لأنه رزقه، لأنه رباه، لأنه أنعم عليه بنعم كثيرة لا تعد ولا تحصى. فهو يحب الله الذي تودد الرب عز وجل إليه. قال: فالفضل كله راجع إليه إلى الله، فهو الذي وضع كل سبب يتوددهم به ويجلب ويجذب قلوبهم إلى وده. تودد إليهم بذكر ما له من النعوت الواسعة، يعني الصفات العظيمة الجميلة الجاذبة للقلوب السليمة والأفئدة المستقيمة. فالمؤمن لما يعلم أن هذا الرب رحيم، فهو أرحم بعبده من الأم بولدها، ومن الأب بولده، ومن الأخ بأخيه، فهو يحب هذا الرب الرحيم الذي تودد إلينا بهذه النعوت والصفات الكاملة العظيمة. فهذا معنى قوله: ويجلب ويجذب قلوبهم إلى وده. تودد إليهم بذكر ما له من النعوت الواسعة العظيمة الجميلة الجاذبة للقلوب السليمة والأفئدة المستقيمة. فإن القلوب والأرواح الصحيحة مجبولة على محبة الكمال. فالإنسان إذا سلم قلبه فلا يجد بدًا من ميل هذا القلب إلى محبة الله عز وجل، لأنه يعلم أن الله الذي أنعم عليه والذي تودد إليه بنعوته ونعمه وآلائه التي لا تعد ولا تحصى. وهكذا من تودده سبحانه وتعالى: أن العبد يعصي ويتجرأ على ارتكاب المعاصي والمحرمات، ويقصر في الواجبات، والله عز وجل يستره، والله عز وجل يحلم عنه. فالرب سبحانه وتعالى يمده بنعمه على عصيانه، على عصيانه هذا العبد، إلا أن الله عز وجل يمده بنعمه ولا يقطع عنه شيئًا من هذه النعمة التي يتمتع بها. ثم يقيض، يقيض لهذا العاصي أسباب التوبة من المواعظ والمذكرات والتنبيهات، فيرجع ويتوب هذا العبد. كل هذا مما يتودد به الرب عز وجل إلى عباده. ثم إذا تاب العبد فرح ربنا عز وجل بتوبة هذا العبد، كما جاء في الحديث: إن قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لله أفرح بتوبة عبده من أحدكم أضل ناقته في فلاة من الأرض ثم وجدها»، أو كما قال عليه الصلاة والسلام. فانظر كيف يصنع العبد: ينعم الله عليه، يوفقه لأسباب التوبة، يتوب، يفرح الله بتوبة عبده. لا إله إلا الله، ما أرحم هذا الإله سبحانه وتعالى، وكيف يتودد إلى عباده. وهكذا لو نظرت إلى ورود هذين الاسمين في القرآن، أو نعم ورود هذا الاسم في القرآن في الموضعين، لوجدت أن هذا الاسم اقترن باسم الله الرحيم والغفور. الرحيم والغفور، ما هو السر في هذا؟ هو هذا السر: أن الله عز وجل يتوب على العبد ويغفر له، وقبل ذلك يتودد إليه. فلذلك قال في الآية الأولى: ﴿وَاسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ﴾، يدعو الرب عز وجل العباد إلى أن يستغفروه، مهما فعلوا من ذنوب ومهما فعلوا من كبائر، يدعوهم الرب سبحانه وتعالى للتوبة والاستغفار: إن ربي رحيم ودود، يرحمكم متى ما تبتم، وهكذا يتودد إليكم. وفي الآية الأخرى: ﴿إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ﴾، يغفر الذنب، وهذا من تودده سبحانه وتعالى؛ لأنه هو الودود سبحانه وتعالى. قال المؤلف: وإذا عرف العبد بأن ربه سبحانه ودود، يحب أولياءه ويحب من أطاعه، يحب المؤمنين المتقين، ويحب الصابرين المتوكلين، ويحب التوابين المتطهرين، ويحب الصادقين المحسنين، ويحب جميع الطائعين، ولا يحب الظالمين الكافرين، ولا يحب الخائنين المسرفين، ولا يحب المختالين المستكبرين، وكل هذا عليها أدلة من القرآن، فإنه يجب عليه أن يطيع أمره ويفعل ما يحبه ويرضاه. فدليل محبة العبد لربه طاعة هذا الرب الودود سبحانه وتعالى. هذا هو الدليل على صدق المحبة. فأنت تعلم أن الله يحب المؤمنين المتقين، فكن من هؤلاء، كن من هؤلاء المؤمنين المتقين، فاتصف بهاتين الصفتين. تعلم أن الله يحب الصابرين، فأحرص على التخلق بصفة الصبر والتوكل والتوبة والطهارة والصدق والإحسان والطاعة. وهكذا تبتعد عن كل ما يبغض هذا المحبوب سبحانه وتعالى، فلا تكن من الظالمين الكافرين، وأيضًا لا تكن من الخائنين المسرفين، ونحو ذلك مما حرم الله سبحانه وتعالى. قال: فإنه يجب عليه أن يطيع أمره ويفعل ما يحبه ويرضاه من سديد الأقوال وصالح الأعمال، وأن يتقرب إليه سبحانه بامتثال أمره واجتناب نهيه، وحب ما يحبه من الأقوال والأعمال، وحب كلامه سبحانه، وحب رسوله وسنته؛ لأن هذا كله يحبه الله سبحانه وتعالى. قال: والاجتهاد في متابعته، فبذلك تنال محبة الله. فمتى ينال العبد محبة الله عز وجل؟ متى ما اجتهد في عمل كل خير يحبه الله، والابتعاد عن كل شر يبغضه الله. قال الله عز وجل: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾. هذا هو المعيار في صدق المحبة: أن تطيع الله ورسوله. فما يفعله اليوم أو ما يفعله في هذا الشهر عباد القبور من الصوفية من الاحتفال بالمولد النبوي، هذا ليس من المحبة في شيء. هل هذا الفعل يحبه الله؟ هل أمر به؟ هل فعله الصحابة؟ هل فعله التابعون؟ هل فعله أولياء الله وأصفياؤه؟ أبدًا ما فعله. وكل خير في اتباع من سلف، وكل شر في ابتداع من خلف. وقس على هذا، فالمحبة إنما تنال بالاتباع. قال: وفي الدعاء المأثور عن النبي صلى الله عليه وسلم: «أسألك حبك، وحب من يحبك، وحب عمل يقربني إلى حبك». رواه الإمام أحمد والترمذي، وهذا حديث صحيح. حديث طويل جاء عن معاذ بن جبل رضي الله تعالى عنه، وصححه جماعة من أهل العلم، نقل بعضهم عن الإمام البخاري وغيره من علماء الحديث. نكتفي بهذا، وإلى هنا والله تعالى أعلم.