الدرس في مختصر فقه الأسماء الحسنى 42، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يشرح المقطع اسم الله "الرؤوف" الوارد في عشر آيات قرآنية، مبيناً أنه أعلى معاني الرحمة وقرنه الله باسم "الرحيم" في مواضع عدة. كما يوضح قاعدة فقهية مفادها أن ختم الآيات بأسماء الله الحسنى يدل على تعلق حكم الآية بمعنى ذلك الاسم.
يشرح المقطع حكمة ختم آيات التحذير من العقوبة، ودعاء التابعين للمهاجرين والأنصار، وآية بيع النفس ابتغاء مرضاة الله، باسم الله (الرؤوف). مبيناً أن ذلك يدل على شمول رأفة الله ورحمته بعباده بتخفيف العذاب، وتأليف القلوب على المحبة، وتيسير طرق الخيرات.
يبيّن المقطع أن ختم الآيات بأسماء الله مثل الرؤوف الرحيم والسميع البصير ليس عشوائياً، بل يتناسب مع مضمون الآية؛ فآيات الجهاد والمغفرة والنعم الدنيوية وإنزال القرآن ختمت بالرؤوف الرحيم لظهور رحمته ولطفه فيها. ويعرض المتحدث قاعدة نافعة تدعو إلى التأمل في سبب اختتام الآية باسم من أسماء الله لارتباط وثيق بين معنى الآية واسم الله المذكور في ختامها.
الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد: قال الشيخ عبد الرزاق بن عبد المحسن العباد حفظهما الله تعالى في كتابه "مقتصر فقه الأسماء الحسنى"، اسم الله الرؤوف: قال: وقد ورد هذا الاسم في عشر آيات من القرآن الكريم، وسيأتي ذكرها أثنى شرحه. فمن ذلك قول الله سبحانه وتعالى: ﴿ يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ ﴾. وهكذا قوله تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ ﴾. وهكذا قوله تعالى: ﴿ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ ﴾. وقوله تعالى: ﴿ وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ ﴾. وغيرها من الآيات التي ورد فيها هذا الاسم. قال: والرأفة كما قال ابن جرير رحمه الله: أعلى معاني الرحمة، فهي نوع من أنواع الرحمة لكنها أعلى معنى من معاني الرحمة. ولذلك تجد كثيراً من الآيات هذه العشر قرن فيها اسم الله الرحيم بالرؤوف، مثل: ﴿ إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ ﴾، ومثل: ﴿ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ ﴾. فالمعنى متقارب لكن الرؤوف أعلى معاني الرحمة، أعلى معاني الرحمة، فهو بمعنى الرحمة. قال: وهي عامة، يعني الرأفة بجميع الخلق في الدنيا، وللبعض في الآخرة وهم أولياؤه المؤمنون وعباده المتقون. فسيأتي معنا أن الرحمة والرأفة لها معنيان: معنى عام، ومعنى خاص. فالمعنى العام يكون للخلق في الدنيا جميعاً من الرزق والصحة وتسخير النعم، هذا للكل الخلق في كل الخلق. وهناك رحمة ورأفة لأهل الإيمان في الدنيا بهدايتهم للحق والهدى والإيمان، وفي الآخرة كما ذكر بدخولهم الجنة وبنجاتهم من النار، فهذه من رحمة الله عز وجل بهم. قال: هذا، وإن من القواعد المفيدة التي قررها أهل العلم في باب فقه أسماء الله الحسنى أن ختم الآيات القرآنية بأسماء الله يدل على أن الحكم المذكور فيها له تعلق بذلك الاسم الكريم الذي ختمت به الآية. اسم الله الرؤوف ورد في عشر آيات، وختمت به عشر آيات. المقرر عند أهل العلم في باب الأسماء أن اختيار اسم معين من أسماء الله الحسنى في ختام الآية له تعلق بالآية والحكم المذكور فيها، فلا بد أن يكون هناك رابط بين معنى الآية وبين هذا الاسم الذي ختمت به هذه الآية. هذه قاعدة ينبغي لقارئ القرآن أن يتمعن فيها وأن يتدبر فيها: لماذا هذه الآية ختمت باسم الله الرحيم؟ لماذا هذه الآية ختمت باسم الله الغفور؟ لماذا هذه الآية ختمت باسم الله السميع البصير؟ تجد هناك علاقة وارتباط بين معنى الآية وحكم الآية وبين هذا الاسم الذي ختمت به هذه الآية. وهنا مثل على هذا، وذكر مثالين، وإلا فهي عشر آيات، لكن هنا من باب الاختصار، وننظر الوقت، إذا بقي وقت أضيف بعض الأمثلة الأخرى. فقال: وتأمل ذلك، وتأمل ذلك من أعظم ما يعين العبد على فقه أسماء الله الحسنى. هذا علم جليل: عندما تربط بين حكم الآية ومعناها وبين الاسم المختتم به هذه الآية، فإن ذلك يعينك على فقه وفهم هذه الأسماء الحسنة. فمثلاً قال: من ذلك قول الله تعالى: ﴿ يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ ﴾. ما معنى هذه الآية؟ ﴿ يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ ﴾، "كل" هنا فاعل للفعل "تجد"، يعني يوم تجد كل نفس يوم القيامة ﴿ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا ﴾، أي خير تعمله فهو حاضر وهو موجود، يراه هذا العبد وهذا الإنسان. ﴿ وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ ﴾، ترى وتجد عملها الطيب، عمل الخير، وعملها السيء، عمل الشر، تجده هذه النفس. ثم هذا الإنسان الذي يرى عمله السيء الكثير يود، ﴿ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا ﴾، لو أن بينه وبين هذا العمل زمن ومسافة بعيدة، ولا يرى هذا العمل. ﴿ وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ ﴾، تحذير من الله عز وجل لعباده أن يعمل السوء والشر. ﴿ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ ﴾. طيب، ما مناسبة ذكر اسم الله الرؤوف في ختام هذه الآية التي علمنا معناها؟ قال الشارح: وهذا يفيد أن الله سبحانه مع شدة عقابه وعظم نكاله فإنه رؤوف بالعباد. مع أن الله عز وجل حذر هذا الإنسان وبينا عقوبة هذا العمل السيء، إلا أن الله رؤوف بالعباد. بل حتى ذكر أهل العلم أن بعض السيئات يغفرها الله دون سبب من العبد، رحمة ورأفة من الله سبحانه وتعالى بعباده. فمع هذه الذنوب وهذه السيئات إلا أن الله يرحم عباده، إما بتخفيف هذا العذاب عليهم، وإما بغفران هذه الذنوب لهم، وإما بغير ذلك من أمور أو أنواع الرحمة والرأفة. فختمت الآية بهذا. ولذلك قال: ومن رأفته بهم أن خوف العباد وزجرهم عن الغي والفساد في قوله: ﴿ وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ ﴾، ليسلموا من مغبتها ولينجوا من عواقبها. فهو جل وعلا رأفة منه ورحمة سهل لعباده الطرق التي ينالون بها الخيرات، من الترغيب والترهيب، من بيان خطر المعصية، من بيان فضل الطاعة، وغير ذلك. كل هذا من رحمة الله عز وجل ورأفته بعباده. قال: سهل لعباده الطرق التي ينالون بها الخيرات ويرفعون الدرجات، ورأفة منه ورحمة حذر عباده من الطرق التي تفضي بهم إلى المكرهات. فهذا من رحمة ورأفة ربنا سبحانه وتعالى بعباده. ومن ذلك يعني الآيات التي وردت في اسم الله الرؤوف، وينبغي للمسلم أن يتفقه فيها، وما وجه الارتباط بين حكم الآية التي ورد في هذا الاسم وبين هذا الاسم. قال: ومن ذلك قوله تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ ﴾. لماذا ختمت هذه الآية بهذا الاسم؟ ومعنى الآية ظاهر وواضح، فإنه في سورة الحشر قسم ربنا عز وجل المؤمنين إلى ثلاثة أقسام: مهاجرين، وأنصار، وأتباع المهاجرين والأنصار ممن جاء بعدهم. فالذين جاءوا بعد هؤلاء يدعون لإخوانهم المؤمنين الذين سبقوهم، يدعون لهم بالمغفرة، يقولون: ﴿ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ ﴾، ويسألون الله أن يسلم ألسنتهم وقلوبهم من الطعن في أهل الإيمان: ﴿ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا ﴾، هذا ما يقع من الكره والبغض لمن سبقنا من أهل الإيمان. وقولهم: ﴿ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا ﴾ فيه سلامة الألسن من الطعن في من سبقنا بالإيمان، وفي مقدمتهم الصحابة. طيب، ما مناسبة ذكر هذا الاسم: ﴿ إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ ﴾ عند ذكر هذا الحكم في هذه الآية من الدعاء لأهل الإيمان، ومن سلامة القلوب في الطعن فيهم وكراهيتهم؟ ما هي المناسبة؟ قال الشارح: وهذا من رحمة الله ورأفته بعباده المؤمنين أن أوثق بينهم عقد الإيمان ورابطة الدين ووشائج التقوى، وجعل اللاحق منهم محباً للسابق داعياً له بكل خير. فما أسناها من عطية، وما أجلها من منة، ففضل بها مولانا الرؤوف الرحيم. إذن من رحمة الله ورأفته بالمؤمنين أن جعلهم متحابين متوادين، يحب بعضهم بعضاً، ويدعو بعضهم لبعض. فهذا من رحمة الله ورأفته بعباده المؤمنين، وهذا دليل الاجتماع، ودليل كذلك القوة والعزة، أن يكون أهل الإيمان يدعو بعضهم لبعض، ويحب بعضهم بعضاً، ويدافع بعضهم عن بعض. فهذا من رحمة الله ورأفته سبحانه وتعالى بعباده المؤمنين. ولذلك ختمت الآية بهذا الاسم: ﴿ رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ ﴾، فارحمنا وارأف بنا، فألف بين قلوبنا، واجعلنا من أهل الإيمان الذين يدعو بعضهم لبعض ويحبوا بعضهم بعضاً. فالمعنى واضح. وأيضاً بقية الآيات: في قوله سبحانه وتعالى: ﴿ وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ ﴾. معنى الآية: من الناس من يشري، يعني يشتري نفسه لله، ابتغاء مرضات الله، فيقدم نفسه في سبيل الله، يجاهد بنفسه وماله من أجل أن ينصر دين الله، ومن أجل أن يرفع كلمة الله فتكون هي العليا. فما مناسبة ذكر هذا الاسم في ختام هذه الآية؟ المعنى: أن من رحمته سبحانه وتعالى ورأفته أن وفق هؤلاء للجهاد وعمل الصالحات، وأثابهم الأجر العظيم على هذه العبادة الجليلة. فالشهيد يغفر له عند أول قطرة تخرج من جسده، ويزوج بسبعين من الحور العين، ويغفر له كذا وكذا من أهله. كل هذا رحمة ورأفة بهذا المجاهد الذي وفقه الله عز وجل لهذه العبادة العظيمة الجليلة. وهكذا في قوله تعالى: ﴿ لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ ﴾. لماذا ختمت هذه الآية بهذا الاسم؟ وهذا فيه توبة الله عز وجل عمن تخلف، كما مر معنا قريباً يوم أمس وقبلها في قصة الثلاثة الذين تخلفوا، وأن الله سبحانه وتعالى تاب عليهم لصدقهم. لماذا ذكر: ﴿ إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ ﴾؟ قال العلماء: فإن من رأفته بهم أن من عليهم بالتوبة. هذا من رأفة ورحمة الله عز وجل بالعبد أن يوفقه للتوبة عند ارتكاب المعصية. هذا من رحمة الله سبحانه وتعالى بعبده ولطفه ورأفته به أن يمن عليه بالتوبة ويوفقه لذلك ويثبته عليها ويثبته عليها. وهكذا قوله تعالى: ﴿ وَخَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ * وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ * وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ * وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ الْأَنْفُسِ إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ ﴾. لماذا هذه الآيات ختمت بهذا الاسم أو بهذين الاسمين: الرؤوف الرحيم؟ الآيات هذه فيها ممتن الله عز وجل به على عباده من نعم هذه الدنيا: من الأنعام، من المساكن، من الملابس، من كذلك المراكب ونحو ذلك. وهذا فيه أن من رأفة الله ورحمته بعباده أن سخر لهم هذه النعم. أليست هذه رحمة ورأفة من الله سخر لهذا الإنسان ما يتدفأ به، وما يحمل عليه أثقاله، وما ينقله من بلد إلى أخرى؟ أليس كل ذلك من نعم الله على هذا العبد؟ بلى. فإذا هذه من رحمة ورأفة الله سبحانه وتعالى بعباده. فانظروا كيف ختمت هذه الآية بهذين الاسمين. وهكذا قوله تعالى: ﴿ هُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ عَلَى عَبْدِهِ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَإِنَّ اللَّهَ بِكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ ﴾. ذكر في هذه الآية نزول هذا القرآن على النبي عليه الصلاة والسلام ليخرج الناس من ظلمات الشرك، وظلمات الكفر، وظلمات الجهل، إلى نور التوحيد والإيمان والعلم. فلا شك أن هذا من أجل وأعظم النعم، وهذا من رحمة ورأفة الله سبحانه وتعالى بعباده، إذ أنزل إليهم كتاباً وأرسل إليهم رسولاً، وبين لهم طريق الحق من طريق الغي، ليسلكوا طريق الحق ويبتعدوا عن طريق الضلال والزيغ. هذه رحمة ورأفة من الله سبحانه وتعالى بعباده، بل هي من أعظم نعم الله عز وجل على العباد التي تحتاج منهم إلى شكر، إلى شكر وذكر وكثرة عبادة. فإذن هذه القاعدة تتجلى لنا في اختتام هذه الآيات بهذه الأسماء. وإنما هذا كمثال، وقس على هذا. مثلاً قول الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿ قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ ﴾. لماذا ختمت هذه الآية بهذين الاسمين: السميع والبصير؟ كما جاء في حديث عائشة: إن هذه المجادلة تكلم النبي عليه الصلاة والسلام في حجرة عائشة، وما بينه وبين النبي صلى الله عليه وسلم إلا ساتر، وإن عائشة لا تسمع ما تقول هذه المرأة للنبي عليه الصلاة والسلام وهي في الحجرة. فالله عز وجل سمع قولها، فلا شك أن هذين الاسمين لهم ارتباط وثيق بمعنى هذه الآية. فالله عز وجل سمع قول هذه المرأة، وعلم بخبرها وحالها ومجيئها وجلوسها مع النبي عليه الصلاة والسلام. وقس على هذا. لو جعلت هذه قاعدة لك لفتح الله عز وجل عليك من معاني هذه الأسماء، ومعاني ومن علوم هذا القرآن العظيم، من علوم هذا القرآن العظيم. فهذه قاعدة مهمة ونافعة: أن تتأمل سبب اختتام الآية بهذا الاسم أو بهذين الاسمين، ستجد هناك ارتباط، وستجد هناك علاقة بين معنى الآية وبين ذكر هذا الاسم في ختام هذه الآية. نكتفي بهذا، وإلى هنا، والله تعالى أعلم.