الدرس في شرح مختصر سيرة الرسول 131، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
وقعت معركة القادسية في شعبان سنة 15 هـ بين جيش المسلمين بقيادة سعد بن أبي وقاص والجيش الفارسي بقيادة رستم، وانتهت بانتصار حاسم للمسلمين ومقتل رستم وحوالي خمسين ألفاً من الفرس مقابل استشهاد ثمانية آلاف وخمسمائة من المسلمين. בעקבות ذلك أمر عمر بن الخطاب بتأسيس مدينتي الكوفة والبصرة كدار هجرة للمسلمين وترسيخ الفتوحات في العراق.
في السنة نفسها دارت معركة اليرموك الفاصلة حيث انتصر المسلمون بقيادة خالد بن الوليد على الروم رغم قلة عددهم، مما أدى إلى فتح بلاد الشام بأكملها. وتوج ذلك بدخول عمر بن الخطاب القدس وعقد الصلح مع أهلها، مما رسّخ سيطرة المسلمين على المنطقة.
نظم عمر بن الخطاب شؤون الجند بوضع الديوان لصرف العطايا وفق السابقة، مما قوّى صفوف المجاهدين ورسّخ دولة الإسلام. وبدأ في العطاء بالعباس بن عبد المطلب عم النبي صلى الله عليه وسلم مراعاة لحرمة النبي ومكانة أهل البيت، مقدماً الأقرب فالأقرب.
الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد، قال شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب النجدي رحمه الله تعالى في كتابه "مقتصر سيرة الرسول" صلى الله عليه وسلم: قال: حوادث السنة الخامسة عشرة. ثم دخلت السنة الخامسة عشرة: فتح القادسية، والقادسية هي موضع في العراق وقعت فيه هذه المعركة فسميت باسمها، يعني باسم هذا الموضع. قال: فلما انحسر الشتاء سار سعد إلى القادسية، وكان هذا في شعبان من السنة الخامسة عشرة، وكتب إلى عمر يستمده، يعني يطلب منه المدد ويطلب منه المقاتلين، فبعث إليه، أي بعث عمر إلى سعد المغيرة بن شعبة في جيش من أهل المدينة. وقيل: إن عمر عسكر خارج المدينة وعبأ جيشاً عظيماً وأراد أن يخرج بنفسه، ولكن نصح من قبل كبار الصحابة أن يبقى من أجل شؤون الدولة والمسلمين في المدينة، فجلس وبعث هذا الجيش. قال: وكتب إلى أبي عبيدة أن يمده بألف، لأن أبا عبيدة كان معه جيش آخر في جهة أخرى من المسلمين، فكتب إلى أبي عبيدة أن ينضم إلى سعد. قال: وسمع بذلك رستم بن الفرخزاد، وكان أمير الفرس آنذاك، لأن هذه المعركة - معركة القادسية - كانت بين الفرس والمسلمين. فلما سمع، فلما سمع ملك الفرس رستم بحشد المسلمين وتوافد المسلمين وكذلك كثرة عدد المسلمين، خرج بنفسه، يعني لم يعين أميراً ليخرج لقتال المسلمين بل خرج بنفسه في مئة وعشرين ألف، أي من المقاتلين من الفرس، سوى التبع والرقيق. التبع يعني الأتباع، الأتباع الذين ليسوا من الفرس وإنما هم تبع لهم، والرقيق يعني الأرقاء المملوكين. فالمئة والعشرين ألف هذا من الفرس الخلص المقاتلين. قال: حتى نزل القادسية، يعني هذا الموطن، وبينه وبين المسلمين جسر القادسية. وقيل كانوا ثلاثمائة ألف، لكن ذكر بعضهم أن هذا العدد ليس بصحيح، بل هم كما ذكر: مئة وعشرين ألف، وقد يزيدون مع التبع والرقيق فقد يصلون إلى المئتين أو نحوها. قال: ومعهم ثلاثة وثلاثون فيلاً. كان الفيل عندهم في القتال في ذلك الزمان مثل، مثلاً الآن، الدبابة أو نحوها، كانوا يصعدون عليه ويقاتلون به ويحتمون به، لأن الفيل كان قوياً والمسلمون ما معهم إلا الخيول. قال: واجتمع المسلمون حتى صاروا ثلاثين ألفاً. انظر إلى الفارق الكبير بين عدد المسلمين وعدد الكافرين: الكافرون مئة وعشرين ألف، والمسلمون كما سمعت كم؟ ثلاثين ألف. أين الثلاثين من المئة والعشرين؟ فارق كبير، ولكن كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله. قال: فكانت وقعة القادسية المشهورة، وكانت كما ذكر أهل التاريخ: كان القتال فيها أربعة أيام، تقاتلون قتالاً عنيفاً شديداً، ثم اليوم الثاني، وهكذا اليوم الثالث واليوم الرابع، حتى انتصر المسلمون على الفرس في هذه المعركة. وقيل: إنه قتل من الفرس في هذه المعركة قرابة خمسين ألف، خمسين ألف مقاتل، يعني قرابة النصف من هذا الجيش قتل، وأكثرهم شرد وانتشر في الفيافي والصحاري، حتى قيل: إنه لم يعد إلى المدائن إلا القليل، فلعل البقية ماتوا في الصحاري والفيافي وفي الجبال ونحو ذلك، فكانت فيهم مقتلة عظيمة. ولذلك تعد معركة القادسية من أعظم معارك أهل الإسلام، وهي بوابة لفتح بلاد العراق، فبعدها تساقطت المدن مدينة مدينة حتى صارت بلاد إسلام، حتى صارت بلاد إسلام. فهزم الله عز وجل الفرس، وقتل كذلك رستم ملك الفرس، وفر جنوده وأتباعه، وقتل الكثير منهم كما سمعت. وكذلك المسلمون: استشهد منهم قرابة ثمانية آلاف وخمسمائة، وهو مقارنة مع قتل الكفار يعد عدداً قليلاً، يعد عدداً قليلاً. أين الثمانمائة من الخمسين ألف؟ أو خمسمائة؟ نعم، خمسين ألف، ثمانمائة ألف وخمسين ألف؟ أيهم الأكثر؟ ثمانية آلاف، ثمانية آلاف وخمسمائة مقاتل، هؤلاء الذين ماتوا، وفي المشركين ثمانية آلاف؟ ثمانية آلاف، وهذا خمسين ألف. أين الثمانية آلاف من الخمسين ألف؟ عدد قليل من المسلمين الذين استشهدوا في هذه المعركة: ثمانية آلاف، ليس ثمانمائة، ثمانية آلاف من المسلمين استشهدوا في القادسية، وأما الفرس فقد قتل منهم خمسين ألف مقاتل، غير الذين ماتوا في الصحاري والفيافي والقفار، فهي معركة فاصلة كانت بين إمبراطورية الفرس وبين المسلمين. قال: فلما هزم الله الفرس كتب عمر إلى سعد: أن أعد للمسلمين دار هجرة، يعني لا تدخل المدن ولا تسكنوا فيها، وإن من حاز في مكان من حاز بالمسلمين في مكان بعيد، وإنه لا يصلح العرب إلا حيث يصلح للبعير والشاة، يعني في أماكن الوديان ونحوها، ويريد بالعرب عن المسلمين الذين قاتلوا معه، وفي منابتها العشواء، فانظر فلاة إلى جانب بحر، يعني انظر مكان فاضي، مكان فلاة ليس فيه مباني، طيب، ويكون قريباً من البحر. قال: فبعث سعد، فبعث سعد عثمان بن حنيف، فارتاد لهم موضع الكوفة، فنزلها سعد بالناس، وكانت الكوفة أنذاك ليست مدينة كبيرة وعظيمة وفيها المباني، إنما كانت بهذا الوصف، كانت بهذا الوصف. قال: ثم كتب عمر إلى سعد أن يبعث إلى أرض الهند يريد البصرة، وهي من مدن العراق وهي مدينة كبيرة، قال: أن ابعث إلى أرض الهند يريد البصرة جنداً فلينزلوها، فبعث إليها عتبة بن غزوان في ثلاثمائة رجل حتى نزلها، وهو الذي بصر البصرة، بمعنى أنه تم فتحها، وكذلك استوطن المسلمون فيها. قال: وفي هذه السنة كانت وقعة اليرموك المشهورة بالشام، واليرموك هو نهر ينبع قرب الحدود بين سوريا وفلسطين ويصب هذا النهر في الأردن ثم في البحر الميت، وأثناء جريانه توجد هناك من المساحات الشاسعة الواسعة، فنزل الروم، لأن هذه المعركة - معركة اليرموك - كانت بين الروم وبين المسلمين، يعني أقوى دولتين في ذاك الزمان هي الفرس والروم. الفرس قد قُطفت جناحها في معركة القادسية وهزموا هزيمة نكراء وعظيمة، فبقيت إمبراطورية الروم التي هي في الشام. إمبراطورية الفرس كانت في العراق، وإمبراطورية الروم كانت في الشام، نواحي فلسطين وسوريا والأردن ونحوها، فكانت هذه المعركة - معركة اليرموك - بين المسلمين وبين الروم. وكان قائد المسلمين فيها خالد بن الوليد، سيف الله المسلول، نعم. وعدد المسلمين في هذه المعركة: 41 ألف مقاتل، 41 ألف مقاتل، يعني عدد كبير، أكثر حتى من عدد المقاتلين في القادسية. وعدد الروم: 300 ألف، أيضاً عددهم أكثر مما كان عليه الفرس في القادسية. نعم، وكان ملك الروم أنذاك هرقل، لكن وكل قائداً من قاداته لإدارة الحرب، وهذا القائد يسمى ماهان. وهذه المعركة دارت ستة أيام، وقع فيها قتال عظيم، وكان فيها خالد بن الوليد، وهذا من حنكته، سرية تسمى بالسرية السريعة، يعني تتنقل بسرعة من مكان إلى آخر، فأربكت الروم، أربكت الروم. والروم كذلك أتوا معهم بالفيلة، كانت معهم الفيلة، فكان من ذكاء المسلمين أنهم يضربون أعين الفيلة، يرمون أعين الفيلة، فإذا اعتمى الفيل ماذا سيفعل؟ ما لا يستطيع يمشي، وإن مشى يمشي ويسقط في أي مكان. حتى طلب الروم الهدنة ووقف الحرب، فأبى خالد بن الوليد، أبى هذا الشرط أو هذه الهدنة، فاستمر في القتال، استمر في القتال. ومن خصائص هذه المعركة أن خالد بن الوليد أتى بنساء المسلمين يكن في الخلف، لأن كثيراً من هؤلاء المقاتلين حديثو عهد بإسلام، فيخشى أنهم يهربون، فأمر النساء أن أي مسلم يريد أن يهرب يعني يضربنه أو يكلمنه، يرجع فيقول له: أتتركنا لهؤلاء العلوج؟ فإذا سمع المسلم هذا تقوى على الحرب والجهاد، فرجع وقاتل، فرجع وقاتل، فصمد المسلمون وثبتوا ثباتاً عظيماً، لأن عدد العدو كان كثيراً، كان كثيراً، حتى هرب قائدهم ماهان لما رأى من شدة البأس، فتبعه المسلمون، فدخل نهراً، دخل النهر، ونهر القادسية الذي أشرنا إليه؟ نهر اليرموك الذي أشرنا إليه، فتبعه المسلمون حتى أخرجوه من النهر فقتلوه. فلما رأى الروم ذلك دخلهم الرعب والخوف فهربوا، فقتل المسلمون منهم من قتلوا وهرب منهم من هرب، وفتح الله عز وجل على المسلمين بلاد الشام، بلاد الشام، ففتحت بلد بلد حتى فتحت فلسطين، وانتظر المسلمون أمير المؤمنين عمر حتى جاء ودخلها بنفسه، رضي الله تعالى عنه وأرضاه، وقال تلك المقولة لما أراد أن يدخل، فاعترضته، يعني اعترضه ما مع الطين، فخاضه عمر حتى علق في رجليه، فلما أراد أن دخل قال له أبو عبيدة: يا أمير المؤمنين، لو لبست أحسن اللباس، فنظر إليه عمر، قال له: لو قالها غيرك يا أبا عبيدة، ثم قال مقولته المشهورة: نحن قوم أعزنا الله بالإسلام، فإذا ابتغينا العزة في غيره أذلنا الله، أذلنا الله. انظر إلى عز الإسلام والمسلمين، وما ذاك إلا بتمسكهم بالدين وباجتماعهم على أميرهم وعلى ولي أمرهم، وبكذلك محبتهم لله ورسوله، فنصر الله عز وجل بهم الإسلام مع قلة عددهم وقلة عدتهم، ومع كثرة عدوهم وكثرة عدة عدوهم، ومع هذا نصرهم الله عز وجل. هذا باختصار ما ذكره أهل السير في وقعة اليرموك، كانت بين المسلمين والروم وهي بالشام. قال: وخرج عمر إلى الشام ونزل الجابية، يعني موضع، فصالح نصارى بيت المقدس، يعني أنهم في أمن وأمان وأن يدفعوا الجزية عن يد وهم صاغرون، وكانوا، وكانوا قد أبوا أن يجيبوا إلى الصلح مع أبي عبيدة، يعني طالبهم أبو عبيدة بالصلح ولكنهم أبوا، حتى يكون لماذا أبو عبيدة هنا؟ لأنه بعد معركة اليرموك والتي قادها خالد بن الوليد جاء كتاب عمر بنقل الولاية والإمارة إلى أبي عبيدة، وهذا الكتاب جاء أثناء المعركة ولكن وقع في يد أبي عبيدة، فأخفى أبو عبيدة هذا الأمر حتى لا يحصل، يعني اضطراب، وكذلك يحصل تخلخل في صفوف المسلمين، فمن حكمته أن أبا عبيدة أخفى هذا الكتاب حتى انتهت المعركة، ثم أخبر خالدا بهذا الكتاب، فما كان من خالد رضي الله تعالى عنه إلا أن سلم الراية لأبي عبيدة، ما عارض ولا كذلك أخذ له جزء من الجيش، لأنهم كانوا يعملون لله ومن أجل نصرة دين الله، سواء كانت هذه النصرة قامت بهم أو بغيرهم، وهكذا ينبغي أن يكون المسلم: إذا كنت في موقع أو في كذلك مسؤولية أو نحو ذلك ثم نحيت عنها، فلا يكون في نفسك ولا تحدث الفتن والقلاقل وتحشد الناس معك، لأنك أنت تعمل لله، انتصر الحق سواء كان بك أو بغيرك، فالقيام بأمر المسلمين في الحقيقة هو تكليف وليس بتشريف، وهكذا كان الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم. فالمهم: تولى أبو عبيدة إمرة المسلمين، فلما جاء عمر إلى الشام ونزل الجابية، وقبل ذلك طلب أبو عبيدة الصلح مع نصارى بيت المقدس فرفضوا وأبوا، لكن لما جاء عمر تم ذلك الصلح. قال: وكان قد أبوا أن يجيبوا إلى الصلح مع أبي عبيدة حتى يكون عمر يعقدون الصلح معه، يعني حتى يأتي عمر، فصالحهم واشترط عليهم إجلاء الروم إلى ثلاث، واجتمع إليه أمراء الأجناد، فلما رجع، يعني أمراء الأجناد من المسلمين، اجتمع على عمر، فلما رجع إلى المدينة وضع الديوان، الديوان بمعنى كتابة الجنود والمقاتلين، كان ما يكتبون، لكن لما رجع وضع دفتراً مثل الدفتر يكتب فيه المقاتلون، باتساع الدولة الإسلامية، فأعطى العطايا على مقدار السابقة، يعني لماذا هذا الكتاب؟ من أجل ضبط المقاتلين ومن أجل صرف لهم المال الذي يعينهم على الجهاد في سبيل الله. فبدأ، فبدأ بالعباس، حرمة لرسول الله صلى الله عليه وسلم، لأن العباس عم رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وهذا فيه البدء بأهل السابقة وكذلك أهل المكانة والقرب من النبي عليه الصلاة والسلام، وهم أهل البيت إن كانوا من أهل الاستقامة، ثم بالأقرب فالأقرب. طيب، نكتفي بهذا وإلى هنا، والله تعالى أعلم. ترجمة نانسي قنقر