الصحيح المسند من أسباب النزول  57

الصحيح المسند من أسباب النزول 57

الدرس في الصحيح المسند من أسباب النزول 57، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة

تفسير آية الروح وسبب نزولها

توضح الآيات أن الروح من أمر الله وعلمه الخاص، وأن علم البشر محدود جداً، مما يؤكد عظمة علم الله وصدق القرآن. يشير المفسرون إلى أن المراد بالروح هو الروح المدبر للبدن، وعجز العلم الحديث عن إدراك حقيقتها يعزز هذا الفهم.

الجمع بين روايتي سبب نزول آية الروح في مكة والمدينة

تختلف الروايات بين سؤال اليهود في المدينة وسؤال قريش في مكة بتحريض اليهود، ويناقش ابن كثير إشكال كون السورة مكية مع رواية مدنية، مجيباً بجواز نزول الآية مرتين أو تبليغ النبي بالآية المكية عند السؤال. يستخلص فوائد منها تعنت المشركين، تواضع النبي، وآداب العالم في التوقف عن الجواب حتى يوحى إليه.

سبب نزول آية الجهر والإخفات في الصلاة وحكمة التوسط

نزلت الآية لنهي النبي عن الجهر بالقراءة في مكة لأن المشركين كانوا يسبون القرآن، فأمر الله بالتوسط بين الجهر والإخفات لدفع مفسدة السب وتحقيق مصلحة سماع المسلمين. تذكر روايات أخرى أن النزول شمل الدعاء أو جلب المستمعين دون أذى، مما يبرز مراعاة الشارع للمصالح والمفاسد.

مشروعية الصلاة قبل الفرض وأسباب نزول النهي عن الجهر

تعدد الروايات في سبب نزول النهي عن الجهر بالصلاة (قراءة أو دعاء في التشهد) وتجمع بينها، وتستخلص فوائد: مراعاة المصالح، أذى المشركين في مكة، وأن الصلاة كانت مشروعة قبل فرض الصلوات الخمس في الإسراء والمعراج.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد، قال شيخنا الإمام الوادعي رحمه الله تعالى في كتابه "الصحيح المسند من أسباب النزول": سبب قوله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾. قال الإمام البخاري رحمه الله تعالى: حدثنا قيس بن حفص، قال: حدثنا عبد الواحد، قال: حدثنا الأعمش سليمان عن إبراهيم عن علقمة عن عبد الله - يعني ابن مسعود - قال: بينما أنا أمشي مع النبي صلى الله عليه وسلم في ضرب المدينة، وهو يتوكأ على عسيب معه، فمر بنفر من اليهود، فقال بعضهم لبعض: سلوه عن الروح. وقال بعضهم: لا تسألوه، لا يجيء فيه بشيء تكرهونه. فقال بعضهم: لنسألنه. فقام رجل منهم فقال: يا أبا القاسم، يا أبا القاسم، ما الروح؟ فسكت، فقلت: إنه يوحى إليه، فقمت. فلما انجلى عنه قال: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾. قال الأعمش: هي كذا في قراءتنا. ومعنى هذا الحديث واضح: النبي عليه الصلاة والسلام يمشي مع عبد الله بن مسعود في بعض شوارع المدينة، وهو يتكئ على عسيب، يعني عصا من سعف النخل يتكئ عليه. والمدينة في أول هجرة النبي عليه الصلاة والسلام كان يسكنها اليهود، وكانوا يخالطون المسلمين فيها. فمر النبي عليه الصلاة والسلام بنفر من اليهود كانوا جالسين، واليهود كان يدعوهم النبي عليه الصلاة والسلام إلى الإسلام ويحاجهم، وكان عندهم شيء من العلم لأنهم أهل كتاب، فكانوا يسألونه عن أشياء يعلمونها لأنها نزلت في كتابهم، فيجيبهم النبي عليه الصلاة والسلام بما علمه الله أوحى إليه، ومع هذا ما كانوا يؤمنون وما كانوا يستجيبون لأنهم أهل عناد وهوى. فسألوه عن الروح، قال بعضهم لبعض: سلوا أبا القاسم عن الروح. واختلف المفسرون فيمن مراد بهذه الروح المسؤول عنها، وما مراد اليهود بهذا السؤال. وأكثر المفسرين على أن المراد بالروح هي الروح، أو هو الروح المدبر للبدن الذي تكون به حياة هذا البدن، التي تكون به حياة هذا البدن. فهذا الذي عليه أكثر المفسرين، فيكون السؤال عنه من حيث حقيقتها ووصفها وكنهها. فبين الله عز وجل أنها من الأمور الخفية، وأن الله سبحانه وتعالى استأثر بعلم ذلك، فلم يبين حقيقة هذا الروح، ولهذا قال: ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾. أي: وما أطلعكم من علمه إلا على القليل، فإنه لا يحيط أحد بشيء من علمه إلا بما شاء تبارك وتعالى، كما قال عز وجل: ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ﴾. فقوله عز وجل: ﴿قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾، يعني: ليس كل شيء تعلمون، لأن علم الخلق قاصر، فيكون المعنى أن علمكم في علم الله قليل. وهذا الذي تسألون عنه وهو عن الروح من هذا العلم الذي استأثر به الله سبحانه وتعالى ولم يطلعكم عليه. وهذا فيه سعة علم الله عز وجل. وقد جاء في قصة موسى مع الخضر عليهما السلام أن عصفوراً نقر نقرة من البحر، أخذ شيئاً من الماء من البحر نقرة واحدة، فقال الخضر لموسى عليه السلام: ما علمي وعلمك وعلم الخلائق في علم الله إلا كما أخذ هذا العصفور من هذا البحر. ما نسبة ما أخذه العصفور بالنسبة لهذا البحر الكبير العظيم؟ لا شيء، لا شيء. وهكذا علم الله سبحانه وتعالى، ما علم البشر من العلم إلا الشيء القليل. فهذا معنى قوله: ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾. وصدق الله، فإن هذه الروح إلى الآن لا يعلم الخلق حقيقتها ولا وصفها أبداً. حاول علماء هذا الزمان من علماء الكفر أن يبحثوا عن حقيقة هذه الروح، ما استطاعوا أن يصلوا إلى شيء، ما استطاعوا أن يصلوا إلى شيء أبداً. ما استطاعوا أن يبقوا هذه الروح إذا جاءها الأجل، إذا جاء الإنسان الأجل تنزع روحه، ما يدرون كيف تنزع، وما يستطيعون إبقاء هذه الروح. ربما استطاعوا أن يبدلوا بعض أعضاء الجسد، أنهم يعرفون حقيقتها ووصفها، كالقلب يستطيعون إخراج قلب وتركيب قلب آخر، صح؟ يستطيعون أن يخرجوا الرئة ويستبدلوها بغيرها فيعيش الإنسان. لكن الروح هذه، هل يستطيعون إبدالها بروح أخرى؟ ما يعرفون ما هذه الروح، ما يعرفون حقيقتها، ما يعرفون وصفها حتى يعيدوها أو يستبدلوها، أبداً ما يعرفون ذلك. مع أنها خلق من خلق الله، الروح خلق من خلق الله، خلقها الله، ومع هذا لم يطلع عليها أحد من الخلق أبداً، فهو من العلم الذي استأثر به ربنا عز وجل. ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾. وهذه الآية تجعل الشخص أو العبد مهما بلغ من العلم فإنه لا يغتر بعلمه مهما بلغ، بل الصادق كلما ازداد علماً ازداد تواضعاً، لأنه يعلم أن علمه هذا لا يساوي شيئاً في علم الله عز وجل، لا يساوي شيئاً في علم الله سبحانه وتعالى. فهذا ما عليه أكثر المفسرين: أن المراد بالروح هو الروح المدبر للبدن الذي تكون به حياته، فإذا نزعت هذه الروح مات الإنسان، سواء كانت الميتة الصغرى وهو بالنوم، أو الميتة الكبرى وهو بالموت والانتقال من هذه الدنيا. فقد قال الله عز وجل: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾. فإذا هذا هو الصحيح من أقوال المفسرين. وجاء عن بعض المفسرين أن المراد بالروح هو جبريل، وأن المراد بالروح هو ملك خلقه الله لا يعلمه أحد، وذكروا نحو هذه الأقوال. ولكن الذي هو عليه أكثر المفسرين القول الأول، وهي هذه الروح التي بين جنبي كل إنسان، فهذا علمها عند الله. قال: الحديث ذكره البخاري في صحيحه في مواضع، من المجلد العاشر صفحة خمسة عشر، وفيه: لما نزل عليه الوحي قال: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾. وأخرجه مسلم والترمذي، وقال: هذا حديث حسن صحيح. وهو في المسند، يعني في مسند الإمام أحمد، وابن جريج، والطبراني في المعجم الصغير. ويكفيك أن هذا الحديث أخرجه الإمام البخاري. لكن الشيخ مقبل رحمه الله يخرج الحديث من باب الفائدة، فيذكر من أخرج الحديث من أهل الصحاح والمسانيد والمعاجم ونحو ذلك. ثم ذكر سبباً آخر أو طريقاً أخرى لهذا السبب، فقال: الترمذي رحمه الله: حدثنا قتيبة، قال: أنبأنا يحيى بن زكريا بن أبي زائدة عن داود بن أبي هند عن عكرمة عن ابن عباس قال: قالت قريش ليهود: أعطونا شيئاً نسأل عنه هذا الرجل. فقال أي اليهود: سلوه عن الروح. فأنزل الله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾. قالوا: أوتينا علماً كبيراً، أوتينا التوراة، ومن أوتي التوراة فقد أوتي خيراً كبيراً. فأنزلت: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ﴾ إلى آخر الآية. قال: هذا حديث حسن صحيح غريب من هذا الوجه. الحديث أخرجه الإمام أحمد، وابن جرير، والحافظ... الحمد لله، أهديكم الله... الصلاة والعب... أحمد قالوا: أوتينا علماً كثيراً... نعم، عندي: أوتينا علماً كثيراً، أوتينا التوراة، ومن أوتي التوراة فقد أوتي خيراً كثيراً. أنا عندي: كبيرة في الموضوع. طيب. وهذا الحديث يختلف عن الحديث الأول في شيء، من يذكره؟ هذا الحديث ليس مثل الحديث الأول، في اختلاف ما هو وجه الاختلاف؟ ما هو وجه الاختلاف؟ نعم، عندك يا رافت؟ شيء آخر؟ عندك يا أبا طا؟ أحسنت. الأول فيه دلالة على أن السائلين هم اليهود مباشرة، وكان ذلك في المدينة. صح، وكان ذلك في المدينة. أما الحديث الثاني ففيه أن السؤال كان ليس مباشرة من اليهود، بل كان السؤال من قريش، كان السؤال من قريش وليس من اليهود مباشرة، وأن هذا السؤال كان أين؟ في مكة مباشرة، وليس في المدينة. فهمتم الآن الفرق؟ في الحديث الأول: أن اليهود هم الذين سألوا، وأن هذا الأمر وقع في المدينة، لأن في الحديث: "أنا أمشي مع النبي صلى الله عليه وسلم في ضرب المدينة". صح. وأما الحديث الثاني: "قالت قريش ليهود"، معنى أن هذا كان في مكة، فسألت قريش النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم عن الروح، فلما نزلت الآية بلغوا اليهود، فقالت اليهود: أوتينا علماً كبيراً، أوتينا التوراة، ومن أوتي التوراة فقد أوتي خيراً كثيراً. هذا هو الفرق. وسيجيء الجمع من كلام الحافظ ابن كثير، سيجيء الجمع بين الحديثين من كلام الحافظ ابن كثير. وأيضاً رواية الترمذي هذه فيها، كما ذكر أخونا رافت، فيها زيادة أن اليهود قالوا: أوتينا علماً كثيراً، واغتروا بما عندهم من التوراة، وقالوا: ومن أوتي التوراة فقد أوتي خيراً كثيراً. وهذا من جهلهم، وهذا من جهلهم. نعم، أوتي خيراً، لكن ليس هذا الخير فيه كل علم الله، فما هو إلا شيء يسير من علم الله. وكل ما هو من عند الله ففيه خير، كما قال الله عز وجل: ﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾، والمراد بالحكمة هنا القرآن، ويتضمن ذلك السنة. ولكن ليس معناه أنه من أوتي القرآن والسنة فقد أوتي كل العلم، ليس المراد أن من أوتي الكتاب والسنة فقد أوتي كل الخير أو كل العلم من علم الله عز وجل، ليس المراد ذلك. وكما ذكرنا أن العالم كلما ازداد علماً ازداد تواضعاً، بل وعلم بجهله وحاجته للزيادة من العلم، الزيادة من العلم. فأنزلت هذه الآية لتدل على أن ما علمه الخلق ما هو إلا شيء يسير من علم الله عز وجل. فأنزلت هذه الآية: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ﴾، لعظيم كلمات الله وهي علمه سبحانه وتعالى. فهذه الآية تدل على سعة علم الله، على سعة علم الله سبحانه وتعالى. قال الحافظ: وقال الحافظ في الكلام على الحديث الأول، والذي فيه أن السؤال وقع في المدينة، وأن السائل هم اليهود، ماذا قال الحافظ؟ قال: وهذا الحديث يقتضي فيما يظهر بادي الرأي أن هذه الآية مدنية. صح. ما هو ضابط القرآن المكي والقرآن المدني؟ ما هو الضابط في هذا؟ من يقول؟ عندك يا آدم؟ كيف تفرق بين المكي والمدني؟ ما أنزل بعد الهجرة فهو مدني، وما أنزل قبل الهجرة فهو مكي. ولو نزل في مكة، طالما أنه نزل بعد الهجرة، اصطلح العلماء على أنه يسمى ماذا؟ يسمى مدني. يسمى مدني. طيب، الآن الحديث الأول يوحي بأن هذه الآية ماذا؟ مدنية. أن السؤال وقع في المدينة، وهذا يكون بعد ماذا؟ بعد الهجرة. بعد الهجرة. صح. فإذا يقول الحافظ: وهذا الحديث يقتضي فيما يظهر بادي الرأي أن هذه الآية مدنية، وأنها نزلت حين سأله اليهود عن ذلك بالمدينة. قال: مع أن السورة كلها مكية. هنا الإشكال: سورة الإسراء كل آياتها نزلت قبل الهجرة، فهي ماذا؟ فهي مكية. فهي مكية. وهذا السؤال ونزول الآية ظاهر أنه وقع في المدينة. فهذا إشكال، أليس كذلك؟ هذا إشكال. أرد عليه الحافظ قال: وقد يجاب عن هذا بأنها قد تكون نزلت عليه بالمدينة مرة ثانية. يعني الأصل أنها نزلت أول مرة أين؟ في مكة، كما هو حديث ابن عباس عند الترمذي. طيب. ثم سأل اليهود مرة أخرى عن الروح، فالنبي عليه الصلاة والسلام لم يجبهم بالآية السابقة، لماذا؟ لأن الله عز وجل قد يطلع عباده على هذا... قد يطلع عباده على هذا، فنزلت... فنزلت الآية مرة أخرى تؤكد سبب النزول الأول، وأن علم الروح من العلم الذي استأثر به الله عز وجل. هذا جواب. قال: وقد يجاب عن هذا بأن قد تكون نزلت عليه بالمدينة مرة ثانية كما نزلت عليه بمكة قبل ذلك. أو أنه... هذا أيضاً جواب آخر: أو أنه نزل عليه الوحي بأن يجيبهم عما سألوه بالآية المتقدم إنزالها عليه، وهي هذه الآية. يعني سألوه في المدينة، وهو يعلم الآية أنها قد نزلت، فأوحى الله إليه أن أجبهم بما أجبت به قريش. طيب، فأجابهم النبي عليه الصلاة والسلام بنفس الآية، بنفس الآية. واضح. فهذان جوابان لفك هذا الإشكال، لفك هذا الإشكال، والله تعالى أعلم. وفي هذا الحديث من الفوائد: فيه تعنت قريش واليهود، فلماذا يسألون؟ هل يسألون من أجل الاستفادة أو من أجل الإيمان إذا كانت الإجابة صائبة وصحيحة؟ لا، وإنما يسألون تعنتاً، ويسألون رجاء أن يظهروا بشيء من الخطأ، فآذاهم ذلك. وهكذا من فوائد هذا الحديث: تواضع النبي عليه الصلاة والسلام، فهو رسول الله، وهو نبي هذه الأمة، وهو أفضل الخلق، ومع هذا يمشي مع أصحابه ويتكئ على عسيب معه، ما عنده حراسات، وما عنده موكب كحال ملوك هذه الأزمان أبداً، مثله مثل غيره من المسلمين. وقالوا: ما لهذا الرسول يأكل الطعام ويمشي في الأسواق، يمشي في السوق، يمشي في الشارع، يركب الحمار، يردف معه. هذا كله يدل على ماذا؟ على تواضع النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وهكذا من فوائد هذا الحديث: أن المسؤول إذا سئل لا يجيب إلا بما علم. فالنبي عليه الصلاة والسلام لما سألوا سكت، ما أجاب مباشرة، سكت حتى علم. والشيء الذي لا يعلمه ولا يوحى إليه فيه بشيء يقول: الله أعلم. كما في حديث جبريل، لما سأله، سأل جبريل النبي صلى الله عليه وسلم عن الساعة: متى الساعة؟ ماذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ ما المسؤول عنها بأعلم من السائل. فآكد ينبغي لمن لا يعلم أن يرد علم ما لم يعلم إلى عالمه، إلى الله عز وجل، أو يقول: الله أعلم، وسأبحث، وسأنظر. أما أن يتكلف ويجيب بجهل، فهذا مما نهى الله عز وجل عنه، وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون. وهكذا من فوائد هذا الحديث: فيه سعة علم الله عز وجل، وأن علم الخلق ما هو إلا شيء يسير من علم الله سبحانه وتعالى. طيب. ثم قال شيخنا رحمه الله تعالى: سبب نزول قوله تعالى: ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا﴾. قال: قال الإمام البخاري رحمه الله تعالى: حدثنا يعقوب بن إبراهيم، قال: حدثنا هشيم، قال: حدثنا أبو بشر عن سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما، قوله تعالى: ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا﴾، قال: نزلت ورسول الله صلى الله عليه وسلم مختف بمكة، يعني في المرحلة المكية في أول الدعوة. وقد تقدم أن سورة الإسراء كلها مكية. قال: نزلت ورسول الله صلى الله عليه وسلم مختف بمكة، كان إذا صلى بأصحابه رفع صوته بالقرآن، فإذا سمع المشركون سبوا القرآن، ومن أنزله، ومن جاء به. فقال الله تعالى لنبيه: ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ﴾، أي بقراءتك، فيسمع المشركون فيسبوا القرآن، ﴿وَلَا تُخَافِتْ بِهَا﴾ عن أصحابك فلا تسمعهم، ﴿وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا﴾. وهذا الحديث فيه تفسير ظاهر وبين لمعنى الآية، وهذا من فوائد تعلم سبب النزول، في الحقيقة هو تفسير للقرآن. فقوله: ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ﴾ يعني لا ترفع صوتك بالقرآن، المراد بالصلاة هنا القراءة فيها، المراد بالصلاة القراءة في الصلاة. إذا صلى بأصحابه رفع صوته بالقرآن، فيسمعه المشركون، يسمعون هذه القراءة، فيسبون القرآن، ويسبون الله، ومن أنزله، ويسبون النبي عليه الصلاة والسلام وهو الذي جاء به، ويحتمل أيضاً جبريل، لأنه هو الذي يأتي به إلى النبي عليه الصلاة والسلام. فأوحى الله عز وجل إلى نبيه: ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ﴾ يعني لا ترفع صوتك في الصلاة بالقرآن. وهذا فيه مراعاة المصالح ودفع المفاسد. وهذه الآية نظير قوله تعالى: ﴿وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾. سب المشركين جائز، تسبيب آلهتهم ورفع القراءة بالقرآن جائز كذلك، لكن لما يؤدي ذاك السب وهذا الرفع إلى مفسدة عظمى من سب الله وسب القرآن وسب رسوله، نهى ربنا عز وجل عن ذلك. وهذا من الحكمة في الدعوة: إذا كان هناك أمر إذا نشرته ودعيت إليه حدثت مفسدة عظمى من سب الدين وسب الإله وسب الرب وسب القرآن، فيترك هذا الشيء، ويترك، ويدعى إليه بالحكمة وأسلوب آخر. فالنبي عليه الصلاة والسلام لما كان يرفع صوته ويسمع المشركون ذلك ويسبون، نهاه الله عز وجل عن ذلك: ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ﴾ يعني بقراءتك القرآن في الصلاة. ﴿وَلَا تُخَافِتْ بِهَا﴾ معنى تخافت بها يعني تسر بها، تسر بالقراءة بحيث تسمع نفسك. لا، ما هو مفسدة هذا الإسرار؟ أن من يصلي معك لا يسمع، من يصلي معك لا يسمع، فيفوته ماذا؟ فيفوته الانتفاع بالقراءة، يفوته الانتفاع بماذا؟ بالقراءة. فقال: ﴿وَلَا تُخَافِتْ بِهَا﴾ يعني عن أصحابك فلا تسمعهم. ﴿وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا﴾ يعني اقرأ قراءة وسط، من دون جهر، يعني بحيث لا تسمع المشركين، ومن دون إخفات وإسرار بحيث لا تسمع المسلمين، يكون وسطاً بين الجهر وبين الإسرار، فتحقق الأمرين: وهو دفع المفسدة التي تحصل بالجهر، وتحقيق المصلحة التي تحصل بماذا؟ بإسماع المسلمين، بإسماع المسلمين. واضح هذا؟ فهذا هو معنى هذا الحديث. وفيه معنى آخر سيذكره أيضاً الشيخ في هذا الموضع إن شاء الله. قال: الحديث أخرجه مسلم، يعني هو في الصحيحين، والترمذي من طريقين إلى هشيم، وقال في كل طريق: هذا حديث حسن صحيح. قال: وأخرج النسائي والإمام أحمد وابن جرير. وأخرج البخاري ومسلم في مواضع أخرى، وابن جرير عن عائشة قالت: أنزل ذلك في الدعاء، ولا تعارض، يعني أنزل هذا في رفع الصوت بالدعاء، فسمع المشركون فسبوا ونحو ذلك. فسواء كان في القراءة بالقرآن أو في الدعاء فلا تعارض، فلا تعارض. قال: وكما سيأتي من كلام الشيخ أيضاً في آخر هذا المباحث. قال: وأخرج أحمد بن منيع كما في المطالب العالية، والبزار، وقال الهيثمي: رجاله رجال الصحيح، عن ابن عباس نحو حديث عائشة. قال: وأخرج ابن إسحاق في السيرة، سيرة ابن هشام، وابن جرير عن ابن عباس قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا جهر بالقراءة وهو يصلي تفرقوا وأبوا أن يستمعوا منه، يعني المشركون. وكان الرجل إذا أراد أن يستمع من رسول الله صلى الله عليه وسلم بعض ما يتلو وهو يصلي استرق السمع دونهم، فرقاً منهم، يعني خوفاً من المشركين. فإن رأى أنهم قد عرفوا أنه يستمع ذهب خشية أذاهم، فلم يستمع. يحاول أنه يستمع للقراءة ويختفي حتى لا يراه المشركون لأنهم يؤذونه، فإذا علم أنهم رأوه ذهب خشية أن يؤذوه. فإن خفض رسول الله صلى الله عليه وسلم صوته لم يستمع الذين يستمعون من قراءته شيئاً. فأنزل الله عليه: ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ﴾ فيتفرق عنه أي المشركون، ﴿وَلَا تُخَافِتْ بِهَا﴾ فلا تسمع من أراد أن يسمعها ممن يسترق ذلك دونهم، لعله يروى إلى بعض ما يسمع فينتفع به. عندك هكذا يرعوي؟ نعم، أنا عندي: يروى. فهذا الصواب: يرعوي. قال: فلا تسمع من أراد أن يسمع ممن يسترق ذلك دونهم، لعله يرعوي إلى بعض ما يسمع فينتفع به. ﴿وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا﴾ يعني المعنى أن النبي عليه الصلاة والسلام كان يرفع صوته، طيب، فيعرض عنه المشركون، وبعضهم يحب أن يسمع القرآن لأنه مؤثر، القرآن بعض هؤلاء يحب أن يسمع القرآن، فما يستطيع أن يجهر بذلك، سينكر عليه أصحاب المشركون. فماذا يفعل؟ يختفي، لأنهم لو رأوه سيؤذونه. طيب، فإذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ قراءة جهرية، سمع المشركون، رأوا هذا الذي يسمع، واضح. لكن إذا النبي عليه الصلاة والسلام قرأ سراً إخفاتاً، فهذا الذي يحب أن يسمع ما يستطيع أن يسمع، لأن النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ سراً. والمطلوب أن من أحب السماع يسمع، لعله يرعوي، يعني لعله يتأثر بهذا القرآن، فيؤثر فيه هذا القرآن، فيكون سبباً لإسلامه وإيمانه، كما وقع لبعضهم، كما وقع لبعضهم. فيكون المعنى هذا معنى آخر الآن، غير المعنى الأول. فيكون المعنى: إن جهرت بالقرآن تفرق عنك المشركون، ومن أراد السماع منهم لا يستطيع، لأن المشركين سيرونه وسيؤذونه. واضح. وإن أسررت، من أحب السماع من أحب السماع لا يستطيع أن يسمع، لأنك تسر بالقرآن. فما هو الحل؟ ﴿وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا﴾ لا تجهر ولا تسر، وسط، بحيث أن المشركين المعرضين لا يسمعوا، لا يسمعون، فبالتالي لا يؤذون من أراد السماع، والذي يريد السماع يستطيع أن يسمع دون أن يؤذيه أحد. فهمتم هذا الآن؟ هذا معنى آخر. قال: فلا تسمع من أراد أن يسمع ممن يسترق ذلك دونه، لعله يرعوي إلى بعض ما يسمع فينتفع به. ﴿وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا﴾. قال: وهذا لحظ ابن جرير. ولا تنافي بين هذه الأسباب، يقول الشيخ رحمه الله: ولا تنافي بين هذه الأسباب، إذ يحتمل أن المشركين يسبون القرآن ومن جاء به، يعني بالجهر، ويؤذون من رأوه يستمع للقرآن، في نفس الحال يسبون. ومن أراد أن يسمع القرآن ماذا يفعل به منهم؟ هم أنفسهم من المشركين يؤذون. كما أنه يحتمل أن المراد: ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ﴾ أي بدعائك في الصلاة، لأن جاءت في رواية أن المراد بالجهر الجهر بالدعاء، وفي رواية الجهر بالقراءة، بالقرآن. أي بدعائك في الصلاة، ورواية أن ذلك في التشهد، جاءت رواية أخرى أن هذا الجهر كان في التشهد، كما عند ابن جريج، مبينة لموضعه، يعني موضع هذا الدعاء، فإن الدعاء يكون في التشهد كما هو معلوم. واضح هذا الآن؟ فلا تعارض بين هذه الأسباب جميعاً، فيمكن أن يجمع بينها، فيمكن أن يجمع بينها، والله تعالى أعلم. هذا الحديث فيه فوائد: من فوائد، كما تقدم، مراعاة المصالح ودفع المفاسد. ومن فوائد هذا الحديث: ما كان يلاقيه أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام من أذى من قبل المشركين، من قبل المشركين في المرحلة المكية في أول الدعوة. وهكذا من فوائد هذا الحديث: أن الصلاة كانت مشروعة لكن ليست مفروضة، فرق بين الأمرين. فرضت الصلاة، فرضت الصلاة قبل الهجرة بفترة يسيرة، لكن في أول الدعوة كانت هناك صلاة. فمن أهل العلم من قال: كانت هناك ركعتان في أول النهار وركعتان في آخر النهار. ومشروعية الصلاة تدل عليها أحاديث كثيرة، منها وضع سلا الجزور على ظهره عليه الصلاة والسلام، متى فعل ذلك؟ وهو ماذا؟ وهو ساجد. هذا يدل على أن كان هناك صلاة. لكن هذه الصلاة ليست في الصلوات الخمس المفروضة، لأن الصلوات الخمس المفروضة فرضت في الإسراء والمعراج، وكان ذلك قبيل الهجرة بفترة يسيرة، بفترة يسيرة. فإذن هذا الحديث يدل على أن الصلاة كانت مشروعة، ومما يدل على ذلك هذه الآية: ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ﴾ يعني إذا صلى بأصحابه رفع صوته بالقرآن، رفع صوته بالقرآن، فدل ذلك على أن هناك صلاة. طيب، نكتفي بهذا، وإلى هنا والله تعالى أعلم. شكراً للمشاهدة.