التعليق على التقسيم والتقعيد للقول المفيد 15

التعليق على التقسيم والتقعيد للقول المفيد 15

الدرس في التعليق على التقسيم والتقعيد للقول المفيد 15، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة

تكملة شرح حديثي عبادة وعتبان والرد على المرجئة والخوارج

يتناول المقطع تكملة شرح حديثي عبادة بن الصامت وعتبان بن مالك، مبيناً الرد على المرجئة والخوارج في مسألة الإيمان والعمل. كما يستعرض أقسام الإضافات الإلهية ويناقش ضعف حديث موسى في ثقل كلمة التوحيد مع تأكيد فضلها العظيم.

فضل التوحيد ومغفرة الذنوب في الحديث القدسي

يشرح المقطع حديثاً قدسياً رواه أنس يفيد مغفرة الله لمن لقيه بملء الأرض خطايا بلا شرك. ويبين أن التوحيد سبب للمغفرة ودخول الجنة، مشروطاً بتحقيق شروط كلمة التوحيد وإخلاص النية.

مسائل التوحيد المستفادة من الأحاديث والآيات

يستعرض المقطع ست مسائل في التوحيد تشمل سعة فضل الله، ثواب التوحيد، تفسير الظلم بالشرك، والخمس خصال الموجبة للجنة. ويوضح منهج أهل السنة في فهم «لا إله إلا الله» مقيداً بالإخلاص والرد على تأويلات أهل الأهواء.

تحقيق معنى الشهادة وتوحيد الله وختام الدرس

يشرح المقطع أن الشهادة بالتوحيد تتطلب النطق باللسان، الاعتقاد بالجنان، والعمل بأركانها ليكون العبد موحداً حقاً. ويشير المتحدث إلى تأجيل بقية المسائل للدرس القادم لانتهاء الوقت.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد. فقد أخذنا في الدرس الماضي تكملة حديث عبادة بن الصامت: «من شهد أن لا إله إلا الله»، ثم حديث عتبان: «فإن الله حرم على النار من قال لا إله إلا الله». قال: هذا الحديث فيه رد على طائفتين، ما هما هاتان الطائفتان من طوائف أهل البدع والأهواء؟ نعم، هما: المرجئة والخوارج. لأن المرجئة يقولون: يكتفى بقول لا إله إلا الله دون العمل والإخلاص، وجاء في حديث عبادة: «على ما كان عليه من العمل»، لم ينفِ العمل مطلقًا، وإنما ذكر العمل ولو شيئًا يسيرًا، وحديث عتبان ذكر فيه الإخلاص: «يبتغي بذلك وجه الله». وفيه رد على الخوارج؛ لأنهم يقولون بأن صاحب الكبيرة كافر مخلد في النار. وهنا في هذا الحديث: «من شهد أن لا إله إلا الله» إلى آخر الحديث، في آخره: «إلا أدخله الله الجنة»، أي: كما تقدم، هذا الدخول على قسمين، ما هما؟ دخول الموحد إلى الجنة على قسمين: دخول أول دون سابق عذاب، ودخول بعد العذاب. فالموحد لا يخلد في النار، لا يخلد في النار، فقد لا يدخل أصلًا إلى النار، وقد يدخل النار لكن في وقت محدد أو وقت معين، ثم يخرج من النار ويدخل الجنة. وذكر هنا أن ما أضاف الله تعالى إلى نفسه على أربعة أقسام، ما هي؟ عند من الإضافات ما أضافه الله تعالى إلى نفسه على أربعة أقسام: القسم الأول: إضافة أعيان، نعم، مثل ناقة الله، فالناقة عين مخلوقة، وهو من باب إضافة المخلوق إلى خالقه، هذا النوع الأول. النوع الثاني: إضافة أوصاف، وهو من باب إضافة الصفة إلى الموصوف، وهذه الصفة غير مخلوقة بل هي صفة لله عز وجل، مثل: «خلقت بيدي». والإضافة الثالثة: إضافة عامة، ﴿إن أرضي واسعة﴾. والإضافة الرابعة: إضافة تشريف، مثل: ﴿وروح منه﴾. الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد. قال: الدليل الرابع: عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: قال موسى صلى الله عليه وسلم: «يا رب، علمني شيئًا أذكرك وأدعوك به». قال: «قل يا موسى: لا إله إلا الله». قال: «كل عبادك يقولون هذا». قال: «يا موسى، لو أن السماوات السبع وعامرهن غيري، والأرضين السبع في كفة، ولا إله إلا الله في كفة، مالت بهن لا إله إلا الله». رواه ابن حبان والحاكم وصححه. والصحيح في هذا الحديث الضعف بهذا اللفظ، فهذا الحديث لم يثبت عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ولكن جاء حديث في معناه، ووصية نوح عليه السلام لولده، وهو حديث صحيح، حديث عبد الله بن عمر. وفي هذا الحديث أن نوحًا قال لولده: «عليك بلا إله إلا الله، فإنها لو وضعت في كفة، ووضعت السماوات السبع والأرضين السبع في كفة، لرجحت بهن لا إله إلا الله، أو لمالت بهن لا إله إلا الله». لكن بهذا السياق، وأن موسى طلب من ربه أو سأل ربه أن يعلمه شيئًا يذكره ويسأله ويدعوه به، ثم قال له الله: «قل لا إله إلا الله»، بهذا السياق لم يثبت. وليس معنى هذا أن هذا الحديث، أو أن لا إله إلا الله ليس لها فضل، بل لها فضل عظيم، ومن فضلها أنها ثقيلة في الميزان. وأيضًا مما يقرب من ذلك حديث الرجل صاحب السجلات، أتي بتسعة وتسعين سجلًا كلها من الذنوب والمعاصي، فوضعت في كفة، فظن هذا الرجل أنه هالك، فقيل له: هل لك حسنة؟ قال: أي حسنة؟ يعني ترجح هذه السجلات وهذه السيئات. فيقال له: بلى، إن لك عندنا حسنة، فتخرج بطاقة فيها لا إله إلا الله، فتوضع البطاقة في كفة، وهذه السجلات في كفة، فترجح هذه البطاقة وتطيش تلك السجلات. فهذا أيضًا فيه فضل كلمة التوحيد، وأنها كلمة عظيمة، وأنها لما احتوت عليه من تقرير التوحيد صارت بهذه الفضيلة وهذه المنزلة. قال: الدليل الخامس: وللترمذي وحسنه عن أنس رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: قال الله تعالى: «يا ابن آدم، إنك لو أتيتني بقراب الأرض خطايا، ثم لقيتني لا تشرك بي شيئًا، لأتيتك بقرابها مغفرة». فهذا حديث قدسي؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم نسبه إلى الله عز وجل، وقال: «يقول الله تعالى»، وهذا ما يسمى عند أهل العلم بالحديث القدسي. وقوله: «إنك لو أتيتني بقراب الأرض خطايا»، يعني: ملء الأرض خطايا، قراب الأرض يعني ملء الأرض خطايا، ذنوب. ثم لقيتني لا تشرك بي شيئًا، لكن انتبه إلى قوله: «شيئًا»، الشيء جاءت في سياق النفي: «لا تشرك بي شيئًا»، فهي تعم، فيشمل الشرك الأكبر والشرك الأصغر، ويشمل كذلك أي نوع من أنواع الشرك، سواء كان شركًا في الأقوال أو الأفعال، سواء كان في الأقوال أو في الأفعال، فلفظة «شيء» نكرة في سياق النفي تعم. وقوله: «لأتيتك بقرابها مغفرة»، أي: لأتيتك بملئها مغفرة، والله عز وجل واسع العطاء، كريم، شكور، سبحانه وتعالى، فلعظم فضل التوحيد كان هذا التوحيد سببًا في مغفرة الذنوب، وهذا هو وجه الشاهد من هذا الحديث في الباب، فمن فضل التوحيد أنه يكفر السيئات، وهو مطابق لترجمة المؤلف في الباب؛ لأنه قال: «باب فضل التوحيد وما يكفر من الذنوب»، وهو من باب عطف الخاص على العام، فتكفير الذنوب من فضل التوحيد، لكن خصه لعظم هذا الفضل؛ لأن عطف الخاص على العام يفيد الاهتمام، هذه القاعدة عند أهل العلم، فأعظم ما ينال الموحد من فضل أن تكفر ذنوبه، فإذا كفرت الذنوب حاز السعادة الأبدية في الآخرة، وحاز السعادة في الدنيا أيضًا، فعاقبة تكفير الذنوب دخول الجنة، والتنعم بما فيها من النعيم. قال: «لا إله إلا الله» هذه الجملة ذكر متضمن للدعاء، لماذا قلنا متضمن للدعاء؟ لأن على ما جاء في حديث أبي سعيد قال موسى: «يا رب، علمني شيئًا أذكرك وأدعوك به»، أذكرك وأدعوك، فلا إله إلا الله اجتمعت على الذكر وعلى الدعاء، اجتمعت على الذكر وعلى الدعاء، على الذكر هذا واضح لا إشكال فيه، يذكر بهذه الكلمة وهي من أعظم الذكر: لا إله إلا الله. لكن الإشكال هنا: كيف تكون لا إله إلا الله دعاء؟ كيف تكون لا إله إلا الله دعاء؟ قال: هنا لأن الذكر، لأن الذاكر، لأن الذاكر يريد رضا الله عنه، يريد رضا الله عنه، فأنت لما تقول لا إله إلا الله كأنك تدعو الله: أنني يا رب أنا أذكرك فارض عني واغفر لي وارحمني، وإلى غير ذلك، فقد يكون الذكر متضمنًا للدعاء؛ لأن الذاكر ما يذكر الله إلا وهو يرجو رحمة الله ويرجو رضا الله، فهذا وإن كان من دعاء يعني التعظيم لله عز وجل والذكر لله سبحانه وتعالى، فهو متضمن لدعاء المسألة، هذا معنى كلامه رحمه الله. ثم قال: لكن من أتى بمفتاح إلا أسنان، لا لا يفتح له، شروط وهي الأسنان، بمعنى أنه ما يكفي أن يقول الذاكر لا إله إلا الله، بل لا بد أن يعمل بما تقتضيه هذه الكلمة، ومن ذلك العمل بشروطها، وقد تقدم ذكر بعض شروط لا إله إلا الله في هذه الأحاديث، كالإخلاص لله سبحانه وتعالى في حديث عتبان، أو في حديث أنس، في حديث عتبان: «إن الله حرم على النار من قال لا إله إلا الله يبتغي بذلك وجه الله». قال: قوله: «بقرابها مغفرة»، حسنة التوحيد عظيمة، تكفر الخطايا الكبيرة إذا لقي الله وهو لا يشرك به شيئًا، والمغفرة: ستر الذنب والتجاوز عنه، فالمغفرة أعم من تكفير الذنب، تكفير الذنب قد يكفر الذنب ويتجاوز عنه لكن يفضح صاحبه في الدنيا، وأما المغفرة فهو يشمل الأمرين: يشمل الستر والتجاوز عن الذنب. قال: المسائل. وقلنا: المسائل هذا من وضع المؤلف، شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب النجدي رحمه الله، يذكرها كالشرح للباب والتوضيح لبعض فوائد هذا الباب. فقال: المسائل: الأولى: سعة فضل الله، لأن في حديث أبي سعيد: «إلا أدخله الله الجنة على ما كان من العمل»، على ما كان من العمل، وهذا يدل على سعة فضل الله عز وجل، وأيضًا: «لو أتيتني بقراب الأرض خطايا لأتيتك بقرابها مغفرة»، هذا أيضًا من سعة فضل الله عز وجل. الثانية: كثرة ثواب التوحيد عند الله، فخلصنا مما تقدم من الأحاديث في فضائل التوحيد أن التوحيد سبب لدخول الجنة: «إلا أدخله الله الجنة»، وأن التوحيد كما في حديث عتبان كذلك سبب للنجاة من النار: «لحرم الله عليه النار»، هذا أيضًا منزلة عظيمة وثواب عظيم من فضل التوحيد، وأيضًا في حديث أبي سعيد أن التوحيد سبب لرجحان الأعمال، وأن التوحيد عمل عظيم يرجح السماوات السبع والأرضين السبع، ومن فضل التوحيد أيضًا وثواب التوحيد كما جاء في حديث أنس أنه سبب لتكفير الذنوب والتجاوز عنها، فلا شك أن هذه فضائل عظيمة، فهذا كله يدعو إلى الاهتمام بأمر التوحيد. قد يقول قائل منكم: الحمد لله نحن أهل سنة وأهل توحيد، هذا الكلام يقال مثلًا لمن صار في توحيده شيء من الشرك ومن الخدش ونحو ذلك، لا يا أخي، التوحيد لا تفهم أنه عبارة عن دعاء غير الله فقط أو الاستغاثة بغير الله فقط، لا، التوحيد أبواب كثيرة، فمن التوحيد إخلاص العبادة لله، فتكون العبادة خالصة من الرياء ومن السمعة ومن العجب، وهذا سيأتي معنا أيضًا في باب سيأتي وهو الخوف من الشرك، أن من الشرك الخفي الرياء، الرياء وإرادة الدنيا بالعمل، وإرادة بالعمل الدنيا، وأيضًا من التوحيد التوكل على الله، التوكل على الله عز وجل، فهل نحن متوكلون على الله واثقون به، كذلك ووكلنا أمورنا كلها له سبحانه وتعالى؟ فالتوحيد لا غنى لأي واحد منا عنه بالتذكير به، وكذلك بذكر مسائله، وخصوصًا طلاب العلم، يحتاج طالب العلم إلى أن يعتني بأمر التوحيد؛ لأن أعداء التوحيد عندهم شبهات وعندهم مكائد، فإذا لم يتسلح طالب العلم بالعلم لربما يعجز عن رد بعض شبه القوم، فمما يستفيده الطالب في دراسة علم التوحيد رد شبه الضلال والمنحرفين في هذا الباب، باب توحيد الله سبحانه وتعالى. الثالثة: تكفيره مع ذلك للذنوب، هذا أيضًا من فضل التوحيد. الرابعة: تفسير الآية التي في سورة الأنعام، قال ابن عثيمين: ﴿الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم﴾، فعرفنا ما معنى يلبسوا: أي يخلطوا، وعرفنا ما معنى الظلم: أي الشرك، ففيه تفسير لهذه الآية. الخامسة: تأمل الخمس الخصال التي في حديث عبادة، يعني أنها سبب لدخول الجنة، ما هي هذه الخمس؟ الأولى: من شهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، والثانية: وأن عيسى عبد الله ورسوله وكلمته ألقاه إلى مريم وروح منه، والثالثة: الجنة حق، والرابعة: النار حق، وكذلك يدخل في ذلك ما تقدم من أن عيسى عبد الله ورسوله وكلمته ألقاه إلى مريم وروح منه، فهؤلاء خمس من آمن بها ومن حققها دخل الجنة، فهو يريد أن ينبه على هذه الخمس. السادسة: أنك إذا جمعته بينه وبين حديث عتبان وما بعده تبين لك معنى قول لا إله إلا الله، وتبين لك خطأ المغرورين، وهذه طريقة أهل السنة، يردون المتشابه إلى المحكم، ويجمعون بين الأدلة، وينظرون في الأدلة بعينين مبصرتين، لا كأهل الأهواء فإنهم ينظرون إلى الأدلة بعين عوراء. فقوله: إذا جمعته بينه وبين حديث عتبان، لأن حديث عتبان فيه تقييد لا إله إلا الله بماذا؟ بالإخلاص: «من قال لا إله إلا الله يبتغي بذلك وجه الله»، فقيدت أو قيد القول بهذه الكلمة بالإخلاص، وفي حديث أبي سعيد لم تقيد بشيء: «من شهد أن لا إله إلا الله»، طيب، وفي آخر الحديث: «إلا أدخله الله الجنة على ما كان عليه من العمل»، هل معنى أدخله الله الجنة وإن قال هذه الكلمة ولم يعمل بمقتضاها ولم يلتزم بشروطها؟ لا، وإنما المراد أنه شهد أن لا إله إلا الله، قالها بلسانه كما تقدم معنى في معنى الشهادة، قالها بلسانه واعتقدها بجنانه وعمل بأركانها، فمن حقق هذه الأشياء في قوله لا إله إلا الله فهو الموحد، هو الموحد حقًا وصدقًا. طيب، لعلنا نكتفي بهذا، وبقية المسائل معلقة عليها في درس قادم، انتهاء الوقت، إلى هنا والله تعالى أعلم. ترجمة نانسي قنقر