كتاب البيوع من فتح المعين في تقريب منهج السالكين 48

كتاب البيوع من فتح المعين في تقريب منهج السالكين 48

الدرس في كتاب البيوع من فتح المعين في تقريب منهج السالكين 48، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة

أحكام العطية في المرض المخوف والفرق بينها وبين الوصية

يُعامل التبرع في المرض المخوف معاملة الوصية فيجوز من الثلث ولغير الوارث، ويُستثنى المحارب ومن قُدم للقتل. وتختلف العطية المنفذة حال الحياة عن الوصية المنفذة بعد الموت والتي تجوز في الصحة والمرض.

الفرق بين الوصية والهبة والعطية ومشروعية الوصية

تتميز الوصية بتقييدها بعد الموت، والهبة في الحياة والصحة، والعطية في المرض المخوف بحكم الوصية لا تتجاوز الثلث. وتثبت مشروعية الوصية بالكتاب والسنة والإجماع مع وجوب كتابتها حفظاً للحقوق.

أحكام الوصية التكليفية الخمسة وتفصيل حالاتها

تنقسم أحكام الوصية إلى واجبة عند وجود حقوق، ومستحبة لكثير المال، ومحرمة إذا زادت عن الثلث أو للوارث، ومكروهة للفقير ذو الورثة، ومباحة لمن لا وارث له. وتصح وصية الكافر وتدخل الكفارات والديون في معنى (له شيء).

أحكام الوصية: وجوبها واستحبابها وتكملة المسائل

تكون الوصية واجبة أو مستحبة وفق حال الموصي، ويشير المتحدث إلى تدوين هذا الموضوع اليوم على أن يستكمل بقية المسائل المتعلقة بها لاحقاً.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن ولاه. وبعد: انتهينا في الدرس الماضي من عقد من عقود التبرع، وهو الهبة. وعرفنا ما معنى الهبة: هو التبرع بالمال في حال الحياة والصحة بدون عوض. ثم ذكر أيضًا العطية، وعرف العطية هنا: التبرع به، أي بالمال، في مرض موته المخوف. فالمرض المخوف هو المرض الذي يخشى منه هلاك صاحبه، يعني موت صاحبه. لأن المرض ينقسم إلى قسمين: المرض غير المخوف، وهذا حكمه حكم الصحيح، فله أن يتبرع من كل ماله، وله أن يعطي أولاده أو غيرهم، حكمه حكم الصحيح، واضح. وأما القسم الثاني من أقسام المرض فهو المرض المخوف، الذي يخشى منه الهلاك. قال أهل العلم: ومن كان في حكمه، يعني من كان في حكم المرض المخوف، مثل من في حكم المرض المخوف. ذكروا مثلًا: الواقف بين الصفين، هو الآن في الجهاد، العدو أمامه وهو في مواجهة العدو. فقال لي اثنان من أصحابه: "أنا تبرعت بكل مالي لفلان". قالوا: هذا لا يجوز، حكمه حكم المرض المخوف؛ لأنه الآن في موضع يخشى عليه فيه الهلاك، يخشى عليه فيه الهلاك. فما تبرع إلا من أجل أن يحرم الورثة. وهذه هي الحكمة من تحريم العطية في المرض المخوف؛ لأن الغالب أنه يراد بها ماذا؟ إحرام، أو يراد بها؟ نعم، إحرام الورثة من الميراث. نريد أن يحرمهم من الميراث. واضح. فلذلك جعلوا الواقف بين الصفين في حكم المريض المرض المخوف. كذلك من قدم ليقتل قصاصًا: إنسان قتل نفسًا ثم أتي به ليقتص منه، فتبرع بماله، عطية لفلان من الناس. هذا أيضًا لا يجوز. طيب، هذا لا يجوز، أو لبعض أولاده، هذا لا يجوز. واضح. ونحو ذلك. حتى ذكروا كراكب البحر عند هيجانه، أن هذا فيه مخاطرة ومضنة الغرق والهلاك. فكل ما كان بهذا المعنى يدخلوا في ذلك. فجعلوا حكم صاحب المرض المخوف حكم الميت. فقالوا: ليس له من ماله، إذا أراد أن يتبرع، إلا الثلث. ولا يجوز له كذلك أن يزيد على الثلث، ولا أن يتبرع لوارث. لا يجوز أن يتبرع كذلك لوارث. فحكموا حكم الميت، حكموا حكم الميت، وحكموا حكم الوصية. كما أن الوصية لا تجوز بأكثر من الثلث، ولا تجوز لوارث، فكذلك التبرع عند المرض المخوف لا يجوز بأكثر من الثلث، ولا يجوز لوارث. لو قال: "هذا الثلث من المال يريده لزيد من الناس"، وهذا زيد من الناس ليس بوارث، زيد من الناس ليس بوارث، فلا بأس بذلك، لكن لا يزيد على الثلث. إذا، ما الفرق بين العطية وبين الوصية؟ الفرق بين العطية وبين الوصية: أن العطية تكون في حال الحياة، هو الآن مريض، ما قد مات بعد، ومات بعد. طيب، فقال: "خلاص، ثلث مالي لزيد من الناس". فيجب على من كان قريبًا منه أن يأخذ ثلث مال هذا الرجل ويعطيه لزيد، وهذا يعيش، لا يزال يعيش. واضح. لكن الوصية، كما عرفها هنا: التبرع به بعد الوفاة. يعني لو قال مثلًا: "إذا أنا مت فأوصي بثلث مالي لفلان، أو للفقراء، أو لزيد من الناس"، فهذه الوصية لا تنفذ كون حاله حيًا. واضح، لا تنفذ كون حاله حيًا، وإنما تنفذ متى؟ بعد الموت. إذا مات، حينئذ تنفذ هذه الوصية. هذا فرق. وفرّق آخر أيضًا: أن الوصية تكون في المرض المخوف، وتكون في الصحة. إنسان صحيح ما به شيء، قال لأهله: "إذا أنا مت، أوصي بثلث مالي لفلان". هل يجوز؟ يجوز، يجوز. وهو صحيح، تكون وصية، ولا تنفذ هذه إلا بعد أن يموت. واضح. إنسان مريض مرض مخوف، قال: "إذا أنا ميت فأعطوا ثلث مالي لفلان". هل هذا وصية أو عطية؟ ها؟ لا؟ وصية. العطية تكون في المرض المخيف أو المخوف، وقبل الموت. انتبهوا لهذه الفروق تمام؟ العطية تكون في المرض المخيف أو المخوف، وقبل الموت، تنفذ قبل الموت. واضح. وأما الوصية: فكل ما كان بعد الموت، سواء كان في مرض مخوف أو في غير مرض مخوف، كل ما قيد بما بعد الموت، فهذا يكون وصية، ولا يكون عطية. وأما الهبة فهذا أمرها أوسع، فلا تكون إلا حال الحياة والصحة، وتكون ولو بكل المال. الهبة ولو كل المال: تريد أن تهبه لغيرك، يجوز لك ذلك، وتكون في الحياة. لو قال واحد: "وهبت جميع مالي لفلان بعد أن أموت"، فنقول له: هذا اللفظ لفظ الوصية، ليس لفظ الهبة. طيب، فإذا مات، أيش نفعل؟ نخرج الثلث فقط، لا يعني نخرج جميع المال، لأن لفظ هذه الوصية، لفظ هذه... هذا العقد عقد وصية، ليس عقد هبة. عرفتم الآن الفروق بين الثلاثة؟ عندك يا عبد الرحمن: إنسان على وشك الموت، ما زال فيه أنفاس، ها، قال: "اذهبوا وخذوا ثلث مالي واعطوه لزيد من الناس". هل يجوز هذا؟ هذا عطية. طيب، لو كان في مرضه المخوف وقال: "أنا الآن على قيد الحياة، فإذا أنا ميت فاعطوا ثلث مالي لفلان". أيش يسمى هذا؟ وصية؛ لأنه قيدها بعد الموت. فهمتم ماذا الآن؟ لو قال وهو في مرضه المخوف: "خذوا نصف مالي اعطوه لزيد". هل هذا يجوز؟ لا، لماذا؟ لأنه أكثر من الثلث، فهذا لا يجوز. فيقال: لو سنعطيه الثلث فقط، سنعطيه الثلث فقط. وضع هذا الآن، فيكون حكم العطية: العطية حكم الوصية، لا تجوز بالزيادة على الثلث. وورد في ذلك دليل صريح، وهو حديث ابن عمر رضي الله عنهما: أن رجلًا أعتق ستة مملوكين عند موته، قبل أن يموت، وهو في مرض مخوف، أعتق ستة. طيب، قبل موته، وعند موته، ولم يكن له مال غيرهم، ما عنده لهؤلاء الستة المماليك. فقام بالتصدق بهم وعتقهم. فدعي به النبي صلى الله عليه وسلم بعد موته، بعد ما مات، دعي بهؤلاء المماليك الستة، فجزأهم أثلاثًا، يعني جعل اثنين، اثنين، اثنين، اثنين، زي اثنين، زي اثنين، يساوي ستة، صح؟ جزأهم أثلاثًا، فأعتق اثنين وأرق أربعة. رواه مسلم. يعني: نفذ العطية بالثلث، لأن ثلث الستة اثنين. ثلث الستة كم؟ اثنين. طيب، فلم يعني يجيز النبي صلى الله عليه وسلم هذه الطريقة في العطية؟ لأنها بأكثر من الثلث، بل بالمال كله، والعطية مثل الوصية لا تجوز إلا بالثلث فأقل. فأنتم هذا الآن، فإذن بهذا تستطيع أن تميز بين الهبة والعطية والوصية، وكلها من عقود التبرعات. ثم قال المؤلف رحمه الله: وعن ابن عمر رضي الله عنهما مرفوعًا، قال النبي صلى الله عليه وسلم، ورفعه النبي صلى الله عليه وسلم: "ما حق امرئ مسلم له شيء يريد أن يوصي فيه يبيت ليلتين إلا ووصيته مكتوبة عنده". متفق عليه. شرع الآن المؤلف رحمه الله في ذكر أحكام الوصية، أحكام الوصية، وهي نوع من أنواع عقود التبرعات. وعرف الوصية: التبرع بالمال بعد الوفاة، بعد الوفاة. فذكر هنا حديث ابن عمر من أجل أن يبين مشروعية الوصية، مشروعية الوصية. فالوصية مشروعة بالكتاب، وبالسنة، وبإجماع الأمة. أما بالكتاب: فقوله سبحانه وتعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾، وقول الله سبحانه وتعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ﴾، الوصية. طيب، فهذا فيه مشروعية الوصية. مع ذكر هذا الحديث، ومعنى هذا الحديث: "ما حق امرئ مسلم"، أي: ما الحزم والاحتياط للمسلم، إلا أن تكون وصيته مكتوبة عنده. هذا من الحزم، وهذا من كذلك الضبط، ضبط الإنسان لأموره، أن تكون وصيته مكتوبة عند رأسه. وكتابة الوصية هذا فيه فوائد ثلاثة: أولًا: الحث على المبادرة لكتابة الوصية، والمبادرة لكتابة الوصية من أجل ثلاثة أمور: الأمر الأول: بيانًا لها، حتى تبين هذه الوصية. والأمر الثاني: امتثالًا لأمر الشرع، فالنبي صلى الله عليه وسلم هو الذي حث على ذلك. والأمر الثالث: استعدادًا للموت، فإنك لا تدري متى يفجأك الموت. فعدم كتب الوصية قد يؤدي إلى تضييع الحقوق، قد يؤدي إلى تضييع ماذا؟ الحقوق. ولذلك اختلف العلماء في حكم الوصية: هل هي واجبة أو مستحبة؟ والجواب: أن فيه تفصيل. فقد تكون واجبة، وذلك على من عليه حقوق للناس، كدين، أو أو وثائق، أو وثائق، أو كذلك أموال حق الناس عنده. فهنا يجب عليه أن يكتب، حتى إذا مات عرف الورثة أن هذا ليس من الإرث، ليس من التركة، وإنما هو لأناس آخرين. فإذا كانت الكتابة فيها حفظ للحقوق، فهنا تكون واجبة. وقد تكون مستحبة، إذا لم يكن هناك حقوق، وأراد أن مثلًا يتصدق بثلث ماله بعد موته، لأنه ترك خيرًا كثيرًا، مالًا كثيرًا. فهنا تستحب الوصية، تستحب الوصية. ولذلك أهل العلم جعلوا الوصية تجري فيها الأحكام التكليفية الخمسة، الأحكام التكليفية الخمسة تجري في أمر الوصية. فقالوا: الوصية قد تكون واجبة، وذلك متى؟ إذا كان عليه حقوق، أو له حقوق، فهنا تجب هذه الوصية. وقد تستحب هذه الوصية، متى تستحب؟ قالوا: لمن ترك مالًا كثيرًا، عنده مال كثير، فهنا يستحب له أن يوصي بثلث ماله أو أقل، المهم أنه يوصي. فهنا تكون الوصية مستحبة؛ لأنه ليس بواجب عليه أن يوصي بالثلث، لكن هذا من باب الخير، ومن باب الاستحباب. ومتى تحرم الوصية؟ إذا كانت بأكثر من الثلث، أو لوارث، وهنا تكون الوصية محرمة. ومتى تكره؟ تكون الوصية مكروهة، قالوا: إذا كان فقيرًا وورثته محتاجون، فليس له حينئذ أن يوصي، مع جواز ذلك. فإذا أوصى، كره له ذلك؛ لأن ورثته أحق. لقول النبي صلى الله عليه وسلم لسعد: "إنك إن تذر ورثتك أغنياء، خير من أن تذرهم عالة يتكففون الناس". واضح. إذن الآن أخذنا الواجب، والمستحب، والمحرم، والمكروه. بقي المباح، وهو الجائز. فهذا قالوا: تجوز بكل ماله لمن لا وارث له. إنسان ليس له وارث، لا ابن، ولا بنت، ولا أب، ولا أم، ولا عم، ولا ابن عم، ولا لا عصبة، ولا من ذوي الفروض. وقالوا: هنا تجوز له أن يتصدق بكل ماله. وهذا مذهب الجمهور. لأن الحكمة من عدم الوصية بأكثر من الثلث، ما هي الحكمة؟ ما هي الحكمة من النهي عن أن يوصي بأكثر من الثلث؟ الإضرار بالورثة. صح، الإضرار بالورثة. هنا ما عنده ورثة، والحكم يدور مع علته وجودًا وعدمًا. فهنا لا يوجد إضرار، ولو أوصى بجميع ماله. فقالوا: هذا من باب الجواز. وأما من باب الاستحباب، فله أن يوصي بثلث ماله، على حسن ما جاء في الحديث. فجعل العلماء الوصية تجري مجرى، تجري مجرى الأحكام التكليفية الخمسة. قد تكون واجبة، قد تكون مستحبة، قد تكون محرمة، قد تكون مكروهة، قد تكون مباحة جائزة. وعرفنا أمثلة على ذلك. فقوله: "ما حق امرئ مسلم"، كما تقدم معنا: أي إن الحزم والاحتياط للمسلم أن تكون وصيته مكتوبة عنده. وقوله: "امرئ مسلم"، قالوا: هذا الوصف خرج مخرج الغالب، يعني أن الغالب في الوصية تكون من المسلم. لكن لو أوصى كافر، هل وصيته صحيحة؟ نعم، وصيته صحيحة. إنسان كافر قال: "بعد ما أموت أريد ثلث مالي للفقراء". طيب، تأخذ للفقراء، ما في شي أبطاه. طيب. نعم. أما كون هل يثاب عليها أو لا يثاب عليها، فهذا أمر مقرر في علم الأصول: أن الكفار يعاقبون على أصول الدين وفروعه. بمعنى أن من تصدق، وإن لم يقبل منه، لكن قد كذلك يخفف بسببه عنه العذاب، يخفف بسببه عنه العذاب. كما قال الله عز وجل: ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ * قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ﴾، ذكروا أعمالًا صالحة: ﴿وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ * وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ﴾. فإذن، كونهم لم يصلوا، لو صلوا وهم على الكفر، قد ينفعهم ذلك في تخفيف العذاب عليهم. واضح. واستدل العلماء بقولهم: "له شيء"، أن هذا يتناول المال، والقرض، والكفارات، والدين. له شيء يريد أن يوصي به، من مال، أو من قرض، وهو الدين. طيب، أو من كفارات عليه، كفارة عليه، كفارة مثلًا قتل، أو عليه كفارة مجامعة في نهار رمضان، أو نحو ذلك. فيبين هذا، حتى يخرج هذا من ماله، من ماله. فهذا هو معنى هذا الحديث. هذا هو معنى هذا الحديث. وعرفنا أن الوصية قد تكون واجبة، وقد تكون مستحبة. طيب، نكتب إن شاء الله اليوم بهذا، وبقية المسائل نأخذ، وفيدا سطاة إلهنا، والله تأمان.