الدرس في أعلام السنة المنشورة لاعتقاد الطائفة الناجية المنصورة 132، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يوم القيامة يُنشر لكل إنسان كتابه مفتوحاً ليقرأه بنفسه، وهو دليل على عدل الله وقطع العذر. يأتي الكتاب ملازماً لصاحبه في عنقه قبل الحساب ترتيبياً كما دلت الآيات.
المجرمون يخافون حين يرون كتبهم التي أحصت كل صغيرة وكبيرة، بينما يفرح من أوتي كتابه بيمينه مبشراً بالجنة. الندم يتملك من أوتي كتابه بشماله ويتمنى الموت، مما يؤكد عدل الحساب ويدعو المؤمنين لملء صحائفهم بالخير.
المؤمنون يتلقون كتبهم بأيمانهم من أمامهم فرحاً، والكفار يتلقونها بشمالهم من وراء ظهورهم خزياً. اختلف العلماء في حال العصاة الموحدين الذين يعذبون ثم يخرجون، والرجح التوقف لعدم وجود نص صريح.
إذا علم المسلم العاصي أن العصاة يُتركون دون محاسبة، يزرع ذلك الرهبة والخوف في قلب المؤمن. والله أعلم، وبهذا نكتفي.
الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين. أما بعد، فيقول الشيخ العلامة حافظ حكمي رحمه الله تعالى في كتابه "أعلام السنة المنشورة": السؤال: مئة وتسعة عشر: كيف صفة نشر الصحف من الكتاب، ومعنى نشر الصحف؟ أي: إعطاء كل إنسان كتابه، وهذا يكون قبل الحساب. وقدم المؤلف الحساب على نشر الصحف من باب تقديم المقصود على وسيلته، فإن إيتاء الصحف وسيلة للحساب. والدليل على أن نشر الصحف وإعطاء الصحف قبل الحساب: قوله سبحانه وتعالى في سورة الانشقاق: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا﴾. فقوله: "فسوف يحاسب"؛ فالفاء هنا عاطفة، وهي تدل على الترتيب والتعقيب كما هو معلوم في معاني حروف العطف. فقوله: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا﴾، إذن الحساب يكون بعد إعطاء الكتب. فالفاء هنا تفيد الترتيب والتعقيب، أي: بعد أن يعطى كل إنسان كتابه يكون الحساب على ما في هذه الكتب. فإذن إعطاء الكتب وسيلة للوصول إلى الحساب، فإذن قدم المؤلف الحساب من باب تقديم المقصود على وسيلته. ونشر الصحف يوم القيامة مسألة ثابتة بالكتاب والسنة وإجماع المسلمين. فبدأ المؤلف هنا بتقرير هذا الأصل من الكتاب، فذكر عدة آيات. فمن تلك الآيات: قال الله تعالى: ﴿وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا * اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾. فوجه الشاهد في قوله: ﴿وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ﴾، ومعنى "ألزمناه": أي صار هذا الكتاب ملازماً له لا ينفك عنه، فهذا الشيء في عنقه. كما تقول: الإنسان مثلاً: "أنا مسافر وأولادي في عنقك"، يعني: كن ملازماً لهم، وكن كذلك مشرفاً عليهم، ولا تغفل عنهم. وهكذا معنى قوله سبحانه وتعالى: ﴿وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ﴾، أي: صار هذا الكتاب ملازماً له، ما ينفك عنه. وقوله: ﴿طَائِرَهُ﴾، الطائر هو العمل، أي: كل إنسان ألزمناه عمله، ألزمناه عمله في عنقه، فكأنه طار من الإنسان، يعني: صدر من هذا الإنسان، فعبر عن الطائر بالعمل. وقوله: ﴿فِي عُنُقِهِ﴾، هذا لبيان قرب هذا الكتاب من صاحبه والتصاقه به، فلا ينفصل هذا الكتاب عن صاحبه، فهو في عنقه. وقوله: ﴿وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا﴾، هذا هو الكتاب الذي صار في عنقه، ينشر يوم القيامة. وما معنى "ينشر"؟ أي: يفتح، ﴿مَنْشُورًا﴾ أي: مفتوحاً. ثم يقال له: ﴿اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾. جاء عن السلف رحمهم الله تعالى أن هذا الكتاب يقرأه كل إنسان، ولو كان في الدنيا أمياً لا يقرأ، ففي يوم القيامة يقرأ كتابه. فالكل يقرأ، كان أمياً أم لم يكن أمياً. قد قال ذلك جماعة من السلف، ومنهم قتادة رحمه الله تعالى. فإذا هذا الخطاب موجه إلى كل أحد، يقال له: ﴿اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾، يعني: حسيباً. قيل: بمعنى محاسب، فلا أحد يحاسب على عمل أحد، فأنت المحاسب على هذا الكتاب. وقيل في قوله تعالى: ﴿حَسِيبًا﴾: أي شاهداً. وكلاهما معنى صحيح، أن يكون هذا الكتاب شاهداً إما لك وإما عليك. وفي هذا إظهار عدل الله سبحانه وتعالى، وإقامة للحجة، وقطع للعذر عن العبد. ولذا جاء في حديث الرجل الذي تنشر له تسعة وتسعون سجلاً، فيقول الله عز وجل له: «أتنكر شيئاً؟» أي: مما في الكتاب، مما في هذه السجلات، أي: الكتب. «أظلمك كتبتي الحافظون؟» فيقول: لا يا رب، كل ما فيه صحيح، ما فيه شيء لم أعمله. يعترف هذا العبد، يعترف هذا العبد. فالله عز وجل لا يظلم الناس شيئاً، ولكن الناس أنفسهم يظلمون. فهذا معنى هذه الآية. ثم ذكر قوله تعالى: ﴿وَإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ﴾، أي: فتحت، وهو بمعنى "منشور"، أي: مفتوح. ففيه إثبات نشر الصحف وفتحها. وقال تعالى: ﴿وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ﴾، أي: خائفين مما فيه. لماذا خائفين مما فيه؟ لأنهم يعلمون أن أعمالهم قبيحة، أن أعمالهم سيئة، فماذا ينتظرون بعد تقريرهم بهذه الأعمال السيئة إلا النار والعذاب؟ فلذلك أشفقوا مما في كتبهم. فقال تعالى: ﴿وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ﴾، أي: خائفين مما فيه. ويقولون: ﴿يَا وَيْلَتَنَا﴾، يدعون على أنفسهم بالويل والثبور والهلاك. ﴿يَا وَيْلَتَنَا مَا لِهَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا﴾. هي: ما من عمل صغير أو كبير إلا ومكتوب في هذه الصحيفة. كما قال الله عز وجل: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾. ﴿يَرَهُ﴾: هذا جواب الشرط مجزوم، وعلامة جزمه حذف حرف العلة، أصلها "يراه"، لكن حذفت الألف من أجل الجزم. فمعنى الآية: فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره، يره في كتابه. ومن يعمل مثقال ذرة شراً يره. الخير والشر كله موجود في هذا الكتاب، ولو دق، ولو صغر، ولو احتقر، فهو موجود في هذا الكتاب. فيقولون: ﴿يَا وَيْلَتَنَا مَا لِهَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا﴾، أي: إلا كتبها، فهي موجود فيه وحصرها. ثم قال ربنا: ﴿وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا﴾، كل ما عملوه وجدوه حاضراً في هذا الكتاب. ﴿وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾، ما يزاد شيء في هذا الكتاب، ولا ينقص شيء في هذا الكتاب. ما عملته يداك تجده في هذا الكتاب. هذا يدعونا جميعاً إلى أن نملأ صحفنا بالأعمال الصالحة، بالأعمال الطيبة، ونحذر من أن نسودها بالأعمال السيئة. وقال: وقال تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمْ اقْرَؤُوا كِتَابِيَهْ﴾. إعطاء الكتاب باليمين: هذا دليل السعادة والنجاة. فلما يُعطى العبد كتابه بيمينه يفرح فرحاً عظيماً. ما أعظمها من فرحة يوم أن يؤتى العبد كتابه بيمينه! فمن شدة الفرح يريد الناس يقرأون هذا الكتاب: ﴿هَاؤُمْ اقْرَؤُوا كِتَابِيَهْ﴾. تعالوا هلموا إلي، اقرأوا هذا الكتاب. مثل اليوم مثلاً: إنسان من الأوائل يأتي الأول في المدرسة، ثم يُعطى النتيجة، الشهادة. أول ما يأتي البيت يدعو أمه وأباه وإخوانه: "تعالوا انظروا، أنا الأول، ما شاء الله"، يعني: كاملة. يفرح، وربما دعا جيرانه، وربما ذهب بهذه النتيجة إلى أصدقائه، فرحاً مسروراً، لأن هذه النتيجة مشرفة. فهذا يوم القيامة أعظم فرح وأعظم فوز. فمن زحزح عن النار وأدخل الجنة فقد فاز. هذا هو الفوز العظيم، هذا هو الفوز الكبير، يوم أن تُعطى كتابك بيمينك. فهذا الإنسان يقول: ﴿هَاؤُمْ اقْرَؤُوا كِتَابِيَهْ * إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيَهْ﴾. إني ظننت: أي تيقنت، الظن هنا بمعنى اليقين. إني ظننت أني ملاق حسابي، عندي يقين أني سأحاسب على أعمالي، فهذا اليقين دفعني إلى أن أبيض هذا الكتاب بالأعمال الصالحة، بالأعمال الطيبة الخيرة. ﴿إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيَهْ﴾، فهو في عيشة راضية. ما هي هذه العيشة الراضية؟ ﴿فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ * قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ * كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ﴾. هنيئاً بما عملتم في الأيام الماضية التي عشتموها في هذه الدنيا. هكذا هو حال من يعطى كتابه بيمينه. وأما الآخر، قال الله عز وجل: ﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ﴾. يا ليتني لم أعطَ هذا الكتاب، لما فيه من المخازي، ومن المصائب، ومن الخزايا. يقول: ﴿يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ * وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ﴾. ليتني ما أدري ما في هذا الكتاب، وما أدري ما حسابه. ثم يتمنى أن لا يكون شيئاً، وأن يكون هالكاً ميتاً، فيقول بعد ذلك: ﴿يَا لَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ * مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ * هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ﴾. ما أغنى عني يوم القيامة ما أملك من أرصدة، ومن أموال، ومن تجارات، ومن سيارات. ﴿مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ * هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ﴾. ما أغنى عني السلطان والجاه والحكم، والرئاسة، والوزارة، والإدارة. ما أغنى عني هذا الأمر الذي كنت عليه في الدنيا. ثم يؤمر بأخذه، والعياذ بالله، إلى النار: ﴿خُذُوهُ فَغُلُّوهُ * ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ * ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُكُوهُ﴾. لماذا؟ ﴿إِنَّهُ كَانَ لَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ * وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ﴾، إلى آخر الآيات. فهذا فيه أيضاً إثبات نشر الصحف وإعطاء الكتب. قالوا: في آية الانشقاق: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ﴾، وقال: ﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ﴾. فهذا يدل على أن من يؤتى كتابه بيمينه يؤتاه من أمامه، ومن يؤتى كتابه بشماله يؤتاه من وراء ظهره، والعياذ بالله. وهذا هو الجمع بين الآيتين. ما جاء في سورة الحاقة من قول الله عز وجل: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ﴾، أي: أن الكافر يؤتى كتابه بشماله. وفي هذه الآية، آية الانشقاق، أن الكافر يؤتى كتابه من وراء ظهره. فكيف الجمع بين الآيتين لتعارض بينهما؟ فيؤتى كتابه بيمينه... أي: يؤتى كتابه بشماله ومن وراء ظهره، ليس من أمامه، وإنما من وراء ظهره. بخلاف المؤمن، فإنه يؤتى كتابه بيمينه ومن أمامه، يؤتى هذا الكتاب بفرح وشرف ورفعة. أما الكافر فيؤتى هذا الكتاب بخزي وذلة وخسيسة، فلذلك يؤتى كتابه من وراء ظهره وبشماله، من وراء ظهره وبشماله، والعياذ بالله. فإذن: أخذ الكتاب بالأيمان والشمائل العلامة على المصير والمآل. فلذلك يفرح من يؤتى كتابه بيمينه، ويحزن من يؤتى كتابه بشماله. وتقدم معنا كذلك أن هذه الآية فيها دليل: ﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا﴾، أن الحساب يكون بعد نشر الصحف، بعد نشر الصحف. وهنا مسائل سريعة نذكرها إن شاء الله تعالى تحت هذا المبحث. فمن تلك المسائل التي تذكر في هذا المبحث: أولاً: الناس في تلقيهم الصحف على قسمين: الأول: من يعطى كتابه بيمينه، وهم أهل التوفيق والسعادة والإيمان والفوز بالنعيم. والصنف الثاني: الكفار، فيتلقون كتبهم بشمالهم من وراء ظهورهم. فنحن نؤمن بذلك، ولا نخوض في كيفية ذلك. بقيت مسألة ثالثة مسكوت عنها: وهي حال العصاة الذين لم يشأ الله أن يعفوا عنهم، وشاء الله أن يعذبوا في النار بذنوبهم على قدرها. هؤلاء: هل يأخذون كتبهم بأيمانهم، أو يأخذون كتبهم بشمائلهم؟ هذا لم يأتِ فيه نص ولا دليل، إنما جاء أن المؤمن يأخذ كتابه بيمينه، وأن الكافر يأخذ كتابه بشماله. فلم يأتِ نص في تحديد حال العصاة الذين لم يشأ الله عز وجل أن يعفوا عنهم، وشاء الله عز وجل أن يعذبهم بقدر ذنوبهم. فلذلك، ولعدم وجود النص، اختلف العلماء في حالهم على أقوال كثيرة، نشير إلى بعضها: فمنهم من قال: إن هؤلاء يأخذون كتبهم بأيمانهم، لأنهم يدخلون في عموم لفظ المؤمنين. ومنهم من قال: إنهم يأخذونها في عرصات القيامة، ويكون أخذهم لها بأيمانهم علامة على أنهم لن يخلدوا في النار، ولكن يكون هذا الأخذ في عرصات يوم القيامة. ومنهم من قال: إنهم يأخذون كتبهم بأيمانهم بعد خروجهم من النار، يعذبون أولاً، ثم إذا خرجوا من النار يؤتون كتبهم بأيمانهم، فيكون علامة على دخولهم الجنة. ومنهم من قال: إنهم يأخذون كتبهم بشمالهم من أمامهم، ليس مثل الكافر يأخذه من خلفه، وإنما يأخذون كتبهم بشمالهم من أمامهم، فيكون لهم حال بين حالين: ليس هم مثل المؤمنين فيأخذون كتبهم من أمامهم وبأيمانهم، يعني: المؤمنين الذين لا يدخلون النار فيأخذون كتبهم بأيمانهم من أمامهم، وليس مثل حال الكفار فيأخذون كتبهم بشمالهم من وراء ظهورهم، وإنما هؤلاء يأخذون كتبهم من أمامهم وبشمالهم. ومنهم من قال بالتوقف في حال هؤلاء، فقالوا: طالما أن الله عز وجل سكت عن ذلك، فنحن نسكت، ونجعل حكمه حكم المسكوت عليه. وهذا الذي رجحه الشيخ صالح سندي، شارح هذا الكتاب "أعلام السنة المنشورة"، ومال إليه، وقال: "كأن هذا أوقع للرهبة وللتخويف من أن يكون الإنسان من أهل هذه الحالة". التي يخاف على أهلها... إذا علم المسلم العاصي أن هؤلاء العصاة مسكوت عنهم، فلا يدري عن حالهم، ولا يدري عن أمرهم، فهذا لشك أنه يورث الرهبة والخوف في قلب المؤمن. والله تعالى أعلم. وبهذا نكتفي، وإلهنا والحمد لله يرغب.