الدرس في شرح الجوهرة الفريدة 20، ألقاها الشيخ أبو خالد وليد مقرم
المشركون صرفوا العبادات للقبور وأصحابها، ولم يبقوا لله جل وعلا شيئًا. وجاهروا بالشرك ولم يستحيوا من الله ولا من خلقه.
صرف العبادات لغير الله ودعاء غير الله والذبح لغير الله يعد شركًا. السجود للمخلوق أعظم من السجود للصنم.
علماء الضلال يدعون إلى الشرك، بينما علماء الحق يدعون إلى توحيد الله. دعاة الشرك يزعمون أن الشرك لا يحدث في أمة الإسلام.
بسم الله والحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاهم. بعد قد ذكرنا في الدرس الماضي قول الناظم، رحمه الله تعالى: «فهم يلجؤون في دفع الشرور بها، كما لها في قضاء الحاجات قد قصدوا»، ثم قال رحمه الله تعالى: «ويصرفون لها كل العبادة دون الله جهرًا، وللتوحيد قد جحدوا». أي أنهم قد صرفوا لهذه القبور ولأصحاب هذه القبور كل العبادات، فماذا بقى، وماذا بقي من العبادات التي لم يصرفوها لهؤلاء الأموات؟ فالدعاء قد صرفوه، دعوه من دون الله جل وعلا، والاستغاثة قد استغاثوا بهم، والذبح قد ذبحوا لهم، والنذر قد نذروا لهم، والرغب والرهب والخوف والرجاء، كل ذلك قد قام بقلوبهم حين يأتون إلى هذه المواضع، إلى هذه القبور. وهكذا كذلك طافوا بقبورهم، اعتقدوا فيهم النفع والضر، وهكذا لاذوا بهم، واستعاذوا بهم، واستعانوا بهم. إذن جل العبادات قد صرفوها لهم، فماذا أبقوا لله جل وعلا؟ وبماذا أُمر الله جل وعلا من عبادة كل العبادات؟ وجل العبادات قد صرفوها لهؤلاء الأموات، ولهؤلاء المقبورين ممن يسمونهم بالأولياء، قد جاهروا بذلك. ويا ليتهم استحيوا واستخفوا، وإنما مع فعل هذه الأمور المنكرة حصل منهم المجاهرة، يفعلونها جهارًا نهارًا، لا استحياء من الله جل وعلا، ولا استحياء من خلق الله جل وعلا. يطوفون بالقبور، ويتمسحون بها، ويدعونها جهارًا نهارًا من غير استحياء. وذلك قال رحمه الله تعالى: «جهرًا، وللتوحيد قد جحدوا». التوحيد لم يقيموا له وزنًا، ولم يعظموا التوحيد، وإنما جاهروا، والعياذ بالله، بالشرك بالله جل وعلا. بل ولم يكتفوا بالمجاهرة، بل دعوا إلى ذلك، لم يكتفوا أنهم فعلوا ذلك وجاهروا به، بل كذلك دعوا إليه، ألفوا المؤلفات التي فيها الدعوة إلى الشرك بالله جل وعلا. بل ربما دفعوا الأموال ليحضر الناس عند هذه المواضع، وفي هذه المواضع ليستغيثوا بغير الله جل وعلا، وليعظموا غير الله جل وعلا، وليصرفوا بهذه القبور. دفعوا الأموال، بل والوا وعادوا على ذلك. كل ذلك من المحادة العظيمة لدين الله جل وعلا، وللتوحيد الذي أرسلت به الرسل، وأنزلت به الكتب. ثم قال رحمه الله تعالى: «إن لم تكن هذه الأفعال يا علماء شركًا، فما الشرك قولوا لي». أو «تعدوا إن لم تكن هذه شركًا، فليس على وجه البسيطة الشرك قط ينتقد». إذا لم تكن هذه الأعمال وهذه العبادات المصروفة لغير الله شركًا، إذن ما هو الشرك؟ إذن ما هو الشرك الذي أنزلت للدعوة إليه الكتب، وأرسلت إلى الدعوة إليه الرسل، وأمر بتجريد السيوف لتحقيقه؟ ما هو هذا الشرك إذن؟ إذا لم يكن الشرك صرف العبادات لغير الله جل وعلا، ودعاء غير الله جل وعلا، والذبح تقربًا وتعظيمًا، إذن ما هو الشرك؟ إذن أي شرك إذن دعي إليه وحذر منه في كتاب الله وسنة رسوله عليه الصلاة والسلام؟ هل هو الشرك الذي كان عليه أبو جهل وأبو لهب حين سجدوا للأصنام فقط؟ اتخذوا حجارة وسجدوا لها وعظموها ودعوا بها؟ هذا هو الشرك فقط؟ أما من سجد لصاحب قبر فليس كمن سجد لصاحب صنم، ومن دعا الصنم واستغاث به في الشدائد ليس كمن استغاث بالمخلوق من البشر بغير الله جل وعلا، استغاث به وفيما لا يقدر عليه إلا الله؟ ليس هذا من الشرك؟ سبحان الله، أي ميزان هذا؟ وأين دليل هذا التفريق؟ أين نجد هذا التفريق في كتاب الله أو في سنة رسول الله عليه الصلاة والسلام، أو في كلام الصحابة أو في كلام التابعين لهم بإحسان؟ فكلاهما شرك. بل السجود للمخلوق أعظم من السجود للصنم، السجود للمخلوق أعظم من السجود للصنم. إذا كان السجود للصنم شركًا، فالسجود للبشر من باب أولى. لماذا؟ لأن الاعتقاد بالمخلوق أعظم. هذا صنم من حجارة أو من شجر أو من حجر أو غير ذلك، لا يكون التعلق به كالتعلق بالمخلوق الذي قد رأى منه من الأفعال ومن الأشياء الأمور التي لأجلها عظمه. لكن القوم وسعوا أو حرّفوا واسعًا، وظلوا ضلالًا بعيدًا، والعياذ بالله. فقالوا: «هذه ليست من الشرك». يا سبحان الله. وهنا قالوا: رحمه الله تعالى: «إن لم تكن هذه الأفعال يا علماء»، فهو يريد بالعلماء هنا علماء الشرك، وعلماء الخرافة، وعلماء الدعاة إلى الشرك بالله جل وعلا، علماء الروافض وعلماء المتصوفة الذين إذا تكلم دعاة التوحيد وحذروا الناس من الشرك بالله جل وعلا، قاموا وتكلموا، وربما ألفوا، قالوا: «ليس هذا الشرك، لا تسمعوا كلام هؤلاء، هذا ليس من الشرك في شيء». فالعلماء هم علماء أهل الضلال، العلماء الدعاة إلى الشرك بالله جل وعلا، الذين دعوا الناس إلى عبادة غير الله جل وعلا، إلى تعظيم أصحاب القبور ودعائها من دون الله، استغاث بها بغير الله جل وعلا فيما لا يقدر عليه إلا الله. وهكذا. وأما علماء الحق وعلماء التوحيد وعلماء السنة، فحاشاهم ولن يجدوا عالمًا واحدًا يقول بذلك من علماء التوحيد، من الأئمة الأربعة، وأتباع الأئمة الأربعة بإحسان. وإنما هو قول أهل البدع والضلال في كل زمان ومكان. وأما علماء الحق، فحاشاهم أن يدعوا الناس إلى أن يدعوا غير الله جل وعلا، أو أن يستغيثوا بغير الله، أو أن يذبحوا لغير الله تقربًا وتعظيمًا، أو أن يدعوا الناس إلى أن يطوفوا بقبور هؤلاء ويتمسحوا بأتربتهم. حاشاهم من ذلك. بل هم دعاة إلى توحيد الله جل وعلا، وإلى النهج الحق، وإلى الصراط المستقيم الذي أرسل به سيد المرسلين عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم. لكن علماء الضلال من علماء الروافض وعلماء المتصوفة هم الذين يلبسون على الناس دينهم، ويدعونهم إلى الشرك بالله جل وعلا، بحجة أن الشرك لن يقع ولن يحصل، وإنما حدث في عهد أبي جهل وفي عهد أبي لهب، قد مات أولئك ومات معهم الشرك وانقضى، فلا يقع في أمة الإسلام ولا في جزيرة العرب. وكأنهم تجاهلوا ما سطره علماء الإسلام، ألا وهو في المذاهب الأربعة: الإمام أبو حنيفة، والإمام مالك، والإمام الشافعي، والإمام أحمد، كتبوا في كتب الفقه «باب حكم المرتد»، ومعناه أن الردة تقع، ولا بد أن تترتب عليه أحكام. لو كانت لا تقع ما فائدة هذه الأبواب المكتوبة في كتب الفقه؟ لا فائدة منها إذا كان الشرك لا يقع في أمة الإسلام أو لا يقع في جزيرة العرب. لا فائدة من كتابة هذه الأبواب «أبواب حكم المرتد»، ما دام أن الردة لا تقع، وما دام أن الشرك لا يقع، وما دام أن الكفر لا يقع. لكن لزيغ قلوب هؤلاء، أزاغ الله جل وعلا قلوبهم. فنصح المؤلف رحمه الله تعالى بهذه الأبيات العظيمة، محذرًا وناصحًا ومبينًا، فجزاه الله خير الجزاء على بيانه وعلى ما دعا إليه. فنسأل الله جل وعلا أن يجعلنا من دعاة التوحيد، ومن المحذرين للشرك بأموالنا وبأقلامنا وبأصواتنا وبكل ما نملك. إنه ولي ذلك والقادر عليه. والحمد لله رب العالمين.