الدرس في الجواب الكافي 2، ألقاها الشيخ أبو خالد وليد مقرم
يتناول هذا الفصل أهمية السؤال في الإسلام وخطورة الجهل، حيث يشدد على أن الجهل داء ودواؤه السؤال ويحذر من عواقب الجهل. الجهل يؤدي إلى الوقوع في الشرك والبدع وغيرها من المشاكل.
يتناول هذا الفصل علاج الجهل بالعلم والقرآن، حيث يشير إلى أن القرآن شفاء للقلوب من داء الجهل والشك والريب. القرآن نافع في الشفاء من الأمراض الحسية والمعنوية.
يشرح هذا الفصل كيف أن القرآن كله شفاء للقلوب والأبدان، ويتشافى به بالقراءة على المريض. كما يبين أن أهل الإيمان ينتفعون بالقرآن بينما يحرم الكفار من الانتفاع به.
يتناول هذا الفصل أهمية التداوي بالأذكار والأوراد القرآنية، حيث يشجع على تعاهد هذه الأذكار لتحقيق الشفاء من الأمراض ويعتبرها من أفضل العلاجات.
الحمد لله رب العالمين، صلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. قال الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى في كتابه «الداء والدواء» أو «الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي»، وهذا الكتاب يسمى بهذين الاسمين: «الداء والدواء» أو «الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي». قال رحمه الله تعالى: «دواء العي السؤال». وهذه التبويبات التي في الكتاب هي من بعض المحققين الذين حققوا هذا الكتاب، لكن هذا يفهم من كلام ابن القيم رحمه الله، فهموا أنه أراد هذا حين يتكلم ويذكر ما يذكر تحت عنوان معين، يريد بذلك هذا، وذكروا هذا تسهيلا للقارئ وللمتعلم حتى يحصل على بغيته مما يريد. والتبويبات لها نفع، وهي تبين خلاصة ما سيذكر تحتها. قال رحمه الله تعالى: وهذا يعم أدواء القلب والروح والبدن وأدويتها، فجعل النبي صلى الله عليه وآله وسلم الجهل داء، وجعل دواءه سؤال العلم. روى أبو داود في سننه من حديث جابر بن عبد الله قال: خرجنا في سفر فأصاب رجلا منا حجر فشجوه في رأسه، ثم احتلم، فسأل أصحابه، فقال: تجدون لي رخصة في التيمم؟ قالوا: ما نجد لك رخصة وأنت تقدر على الماء، فاغتسل فمات. فلما قدمنا على النبي صلى الله عليه وآله وسلم أخبر بذلك، فقال: «قتلوه، قتلهم الله، ألا سألوا إذ لم يعلموا؟ فإنما شفاء العي السؤال». إنما كان يكفيه أن يتيمم ويعصر أو يعصب على جرحه خرقة، ثم يمسح عليها ويغسل سائر جسده. فأخبر أن الجهل داء، وأن شفاءه السؤال، دواء العي السؤال، يعني الجاهل دواءه أن يسأل؛ لأن الجهل مرض، بسببه يقعد الإنسان، فيكون سببا في إضرار نفسه هو قبل غيره، ويضر كذلك الآخرين، يضر نفسه ويضر الآخرين. لكن لو سأل وبحث عن الصواب في هذا، فإنه ينتفع هو وينفع غيره. أما إذا كان جاهلا -والعياذ بالله- وصار يفتي نفسه، وهكذا يفتي غيره، فهذا يضر نفسه ويضر غيره. وذكر رحمه الله تعالى ما يدل على هذا المعنى وهذا الأصل حديث جابر بن عبد الله عند أبي داود، وهذا الحديث حسنه العلامة الألباني رحمه الله دون قوله: «إنما كان يكفيه أن يتيمم ويعصر أو يعصب على جرحه خرقة ثم يمسح عليها ويغسل سائر جسده». حسن العلامة الألباني الحديث دون هذا. وبعض العلماء ضعفه. وشاهد الحديث أن هذا الرجل الذي جرح شج رأسه سأل: هل يجوز له أن يتيمم؟ فأجابوه بعدم الجواز، وهذا بغير دليل، جواب بغير دليل، وفتوى بغير دليل، كانت نتيجتها أن مات هذا الرجل. فتوى ربما تكون سببا لموت الشخص، أو حتى لهلاك أمة النبي عليه الصلاة والسلام. قال: «إنما يقبض الله جل وعلا هذا العلم، لا يقبض الله جل وعلا هذا العلم انتزاعا ينتزعه من صدور الرجال، ولكن يقبض العلم بموت العلماء، حتى إذا لم يبق عالم اتخذ الناس رؤوسا جهالا، فسألوهم فأفتوهم بغير علم، فضلوا وأضلوا». وهذا بسبب الجهل -والعياذ بالله- فلو سألوا كما قال النبي عليه الصلاة والسلام إذ لم يعلموا، مادام أنهم لم يعلموا كان عليهم أن يسألوا، لا يفتون بفتوى من غير علم، كان عليهم أن يسألوا. فلما لم يسألوا وأفتوا بهذه الفتوى، كان سببا في موت هذا الرجل، حتى قال عليه الصلاة والسلام: «قتلوه، قتلهم الله». وهذا لا يراد منه حقيقة الدعاء، وإنما المراد من ذلك التنفير والزجر عن فعل مثل هذا، أن يتكلم الإنسان بغير علم -حاشاه عليه الصلاة والسلام أن يدعو عليهم به الهلاك والقتل- لكن المراد التنفير والزجر، ليس المراد حقيقة هذا الدعاء. والشاهد من الحديث قول عليه الصلاة والسلام: «فإنما شفاء العي السؤال». فإذن يستفاد من هذا خطورة الجهل، خطورة الجهل. ولذلك جاء ذم الجهل في كتاب الله وفي سنة رسول الله عليه الصلاة والسلام، الجهل سبب للوقوع في الشرك بالله جل وعلا -والعياذ بالله- كما قال جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْا عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ قَالَوا يَا مُوسَى اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ ﴿إِنَّ هَؤُلَاءِ مُتَبَّرٌ مَا هُمْ فِيهِ وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ﴿قَالَ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِيكُمْ إِلَهًا وَهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ بسبب الجهل يطلب الإنسان الشرك -والعياذ بالله- «اجعل لنا إلها كما لهم آلهة» بسبب الجهل: ﴿إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾. وفي حديث حذيفة رضي الله تعالى عنه، حين خرج بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم في غزوة الفتح، وهم كانوا حديث عهد بكفر، مروا على سدرة شجرة يعكف المشركون عندها وينوطون بها أسلحتهم، قالوا: يا رسول الله، اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط. بسبب الجهل، فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «الله أكبر، إنها السنن، إنكم قوم تجهلون، لتركبون سنن من كان قبلكم». فالجهل سبب الوقوع في الشرك بالله جل وعلا، سبب الوقوع في البدع. كثير من الناس اليوم يقع في البدع والمحدثات بسبب الجهل، يظن هذا مما يتقرب به إلى الله جل وعلا، يظن هذا يرفعه منازل عند الله جل وعلا ودرجات، وهو يجهل أن هذا إنما هو سبب للبعد عن الله جل وعلا، وكلما ازداد ابتداعا ازداد بعدا عن الله جل وعلا وعن ثواب الله جل وعلا. لكن الجهل -والعياذ بالله- يجعل الناس يقعون في البدع والمحدثات، يقعون في الظلم، يقعون في الذنوب والمعاصي، يقعون في الحكم بغير ما أنزل الله. جاهل عظيم أن يتحاكم الناس لغير ما أنزل الله سبحانه، أين العقول؟ هل هناك حكم أفضل من حكم الله جل وعلا؟ ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ سمى حكم الجاهلية؛ لأن أهل الجاهلية هم الذين تحاكموا لهذه الأحكام، لجهلهم بالأحكام النافعة لهم في أمورهم، في حياتهم وفي معادهم. فكيف يأتي بعد ذلك وناس يتحاكمون إلى حكم الجاهلية -والعياذ بالله- تبرج الجاهلية بسبب الجهل، تكشف المرأة عن وجهها، تكشف عن مفاتنها، أين عاقل هذه المرأة؟ بسبب الجهل -والعياذ بالله- ﴿وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى﴾ ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى﴾ بسبب الجهل صرنا نرى النساء يتبرجن، وإلا لو كنا على علم بشرع الله جل وعلا، كيف تتبرج؟ وكيف تخرج إلى الأسواق وتشارك الرجال؟ أين القرار في البيوت الذي أمرنا به؟ كل ذلك بسبب الجهل -والعياذ بالله- وهكذا يقول في كثير من الأمور: سببها الجهل -والعياذ بالله-. ولذلك تعوذ منه أنبياء الله، هذا موسى لما قيل له لما قال لقومه: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً قَالَ أَتُحَاجُّونِي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدَانِي﴾ قال: ﴿أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ وهذا ربنا جل وعلا يقول لنوح عليه السلام: ﴿يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلَا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ وهكذا ما الله جل وعلا بالعابد عن الجاهلين: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ فأمر بالاعراض عنهم؛ لخطر هؤلاء على غيرهم. وقال سبحانه وتعالى في ذم الجاهلية: ﴿كَذَلِكَ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ﴾ كثير من الناس يسيئون الظن بالله جل وعلا بسبب جهلهم -والعياذ بالله- يظنون أن هذه الطاعات في غير مصلحتهم، يظنون أن الامتناع عن هذه المحرمات ليس في مصلحتهم، وإلى آخر ذلك من الظنون السيئة -والعياذ بالله- ويظنون السعادة في مخالفة ذلك وفي اقتحام هذه الذنوب والمعاصي والمنكرات، كل ذلك بسبب الجهل -والعياذ بالله- الذي يوصل العبد إلى إساءة الظن بالله جل وعلا. وهكذا تجد من يقع في الظلم أو في غير ذلك بسبب جهله -والعياذ بالله-. ودواء هذا المرض الوخيم العلم، قال ابن قيم رحمه الله تعالى في نونيته: «والجهل داء قاتل وشفاؤه أمران ... في التركيب متفقان آية من كتاب أو من سنة وطبيب ذاك العالم الرباني الذي ... يجلك على الحق وعلى الصواب فتنجو من هذا الجهل الذي أنت فيه» قال رحمه الله تعالى: القرآن شفاء، وقد أخبر سبحانه عن القرآن أنه شفاء، قال تعالى: ﴿وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا أَعْجَمِيًّا لَقَالُوا لَوْلَا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ قُلْ هَسُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ﴾ وقال جل وعلا: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾. قالوا: «من» هنا لبيان الجنس لا للتبعيض؛ فإن القرآن كله شفاء، كما قال في الآية المتقدمة. فهو شفاء للقلوب من داء الجهل والشك والريب. لم ينزل الله سبحانه من السماء شفاء قط أعم ولا أنفع ولا أعظم ولا أنجع في إزالة الداء من القرآن. واتفق في الصحيحين من حديث أبي سعيد رضي الله تعالى عنه قال: انطلق نفر من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم في سفرة سافروها حتى نزلوا على حي من أحياء العرب، فاستضافوهم فأبوا أن يضيفوهم. فلدغ سيد ذلك الحي، فسعوا له بكل شيء لا ينفعه شيء. فقال بعضهم: لو أتيتم هؤلاء الرهط الذين نزلوا لعله أن يكون عند بعضهم شيء. فأتوه، فقالوا: يا أيها الرهط إن سيدنا لدغ وسعينا له بكل شيء لا ينفعه شيء، فهل عند أحد منكم من شيء؟ فقال بعضهم: نعم، والله إني لأرقي، ولكن والله لقد استضفناكم فلم تضيفونا، فما أنا براق لكم حتى تجعلوا لنا جعلا. فصالحوهم على قطيع من الغنم. فانطلق يرقى عليه، ويقرأ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ فكأنما نشط من عقال، فانطلق يمشي وما به من قَلَلٍ. قال: فأوفوهم جعلهم الذي صالحوهم عليه. فقال بعضهم: اقتسموا. فقال الذي رقى: لا نفعل حتى نأتي النبي صلى الله عليه وسلم فنذكر له الذي كان، فننظر ما يأمرنا. فقدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكروا له ذلك. فقال: «وما يدريك أنها رقية؟» ثم قال: «قد أصبتم، اقتسموا واضربوا لي معكم سهما». فضحك رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. قال: فقد أثر هذا الدواء في هذا الداء وأزاله حتى كأنه لم يكن، وهو أسهل دواء وأيسره. ولو أحسن العبد التداوي بالفاتحة لرأى لها تأثيرا عجيبا في الشفاء. ومكثت بمكة مدة تعتريني أدواء، ولا أجد طبيبا ولا دواء، فكنت أعالج نفسي بالفاتحة، فأرى لها تأثيرا عجيبا. فكنت أصف ذلك لمن يشتكي ألما، وكان كثير منهم يبرأ سريعا. ولكن ها هنا أمر ينبغي التفطن له، وهو أن الأذكار والآيات والأدعية التي يستشفى بها ويرقى بها هي في نفسها وإن كانت نافعة شافية، ولكن تستدعي قبول المحل، وقوة همة الفاعل وتأثيره. فمتى تخلف الشفاء كان لضعف تأثير الفاعل، أو لعدم قبول المفعول، أو لمانع قوي فيه يمنع أن ينجع فيه الدواء. كما يكون ذلك في الأدوية والأدواء الحسية؛ فإن عدم تأثيرها قد يكون لعدم قبول الطبيعة لذلك الدواء، وقد يكون لمانع قوي يمنع من اقتضائه أثره. فإن الطبيعة إذا أخذت الدواء بقبول تام، كان انتفاع البدن به بحسب ذلك القبول. فكذلك القلب إذا أخذ الرقى والتعاويذ بقبول تام، وكان للراقي نفس فعالة وهمة مؤثرة في إزالة الداء، ذكر رحمه تعالى في هذا الفصل أن القرآن شفاء، فالقرآن جعله الله جل وعلا شفاء، شفاء للقلوب، وشفاء كذلك للأبدان. قال سبحانه: ﴿وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا أَعْجَمِيًّا لَقَالُوا لَوْلَا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ﴾ والآية الأخرى: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾. ففي هاتين الآيتين بيان أن القرآن شفاء، جعله الله جل وعلا شفاء كله، شفاء. ومن هنا «من» ليست للتبعيض. وننزل «من» القرآن، ليس المعنى ننزل بعض القرآن شفاء، وأن من القرآن أو بعض القرآن شفاء، لا، القرآن كله شفاء. فيتشافى به بالقراءة على المريض من أي آيات كان، من سورة البقرة، من أي آيات كتاب الله جل وعلا، فالقرآن كله شفاء. فمن هنا كما ذكر رحمه تعالى: لبيان الجنس لا للتبعيض؛ فإن القرآن كله شفاء، كما قال في الآية المتقدمة: ﴿هُدًى وَشِفَاءٌ﴾ أهل الإيمان هم الذين ينتفعون بهذا القرآن، ويكون سببا لشفائهم؛ وذلك لإيمانهم. أما الكفار فحرمهم الله جل وعلا من الانتفاع بهذا؛ وذلك بسبب كفرهم -والعياذ بالله- وعدم إيمانهم بالله جل وعلا، وما أمر به سبحانه وتعالى من ما جاء في هذا القرآن العظيم الذي أنكروه، والذي أرسل به خاتم الأنبياء نبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم. والرافضة يقولون: الصحابة ليسوا جميعا ممن ترضى عنهم، ليسوا جميعا من أهل الجنة. ورمسك تدل بقول الله جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وَجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيُغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾. فيقال هنا: «من» هنا ليست للتبعيض، كما في ذلك مثل هذه الآية: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ﴾ ليس معناه بعض القرآن. وهكذا في تلك الآية: «من» ليست للتبعيض كما يزعم الروافض. ومن ذلك أيضا قوله سبحانه وتعالى: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ﴾ فاجتنبوا الرجس من الأوثان، هل معناه المراد أن الأوثان ليست جميعا رجسا؟ لا، «من» ليست للتبعيض، وأن تترك بعض الأوثان، وأنها رجس لا، «من» هنا للجنس. وأيضا من معانيها التوكيد، وغير ذلك. فهنا في القرآن كذلك كله شفاء، ليس المراد بعض القرآن، وإنما المراد كل القرآن شفاء، يتشافى به. فهو دواء كما قال رحمه الله تعالى: للقلوب والأبدان مما يعتريها. وذكر حديث أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه في الصحيحين: مروا على حي من أحياء العرب، واستضافوهم، أي: طلبوا منهم أن يضيفوهم، فأبوا. فلدغ سيدهم، فسعوا في البحث له عن دواء، فلم يجدوا. فقال العلا: هؤلاء رهط عندهم الدواء. فلما جاءوا إليهم أخبروهم بما حصل لسيدهم وأنه لدغ، وهل فيهم من عنده دواء لهذا؟ فقال: نعم، ولكن صدفناكم فلم تضيفونا، فتصالحوا على أن يجعلوا له جعلا، وهي الأجرة على العمل على هذا العمل الذي سيقومون به، وهي رقية سيدهم الذي لدغ. فتصالحوا على قطيع من الغنم. فقرأ أحدهم -وهو أبو سعيد الخدري رضي الله عنه- فَقَامَ ذَلِكَ السيد كَأَنَّمَا نُشِطَ مِنْ عِقَالٍ. يعني من حبل، فكه من رباط. فأثرت هذه القراءة بإذن الله جل وعلا، فشفي ذلك السيد. فأعطوهم ما تصالحوا عليه. فأرادوا أن يقتسموه، لكن قال لهم الراقي -وأبو سعيد يعني نفسه رضي الله تعالى عنه- حتى نأتي إلى نبيه صلى الله عليه وسلم ونخبره بما كان. فلما جاءوا إلى نبيه صلى الله عليه وسلم أقرهم على ذلك، قال لهم: «اضربوا لي سهما». «وما يدريك أنها رقية؟» فالشاهد من هذا الحديث دليل واضح على الانتفاع بقراءة الفاتحة على المريض، فيتشافى بهذا. إذا لدغ أحد يقرأ على نفسه الفاتحة، يقرأ على نفسه الفاتحة، أو يقرأ عليه من كان عنده. وهذا هو الأفضل، أفضل من أن يطلب من غيره. أفضل من أن يطلب من غيره. إنسان مثلا لدغ يقرأ على نفسه، لا يذهب إلى فلان يقول: يا فلان لدغت. هذا جائز، لكن خلاف الأولى؛ لأن من صفات السبعين ألف الذين يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب، قال في وصفهم عليه الصلاة والسلام: «لا يسترقون»، لا يسترقون، ومعنى لا يسترقون: أي لا يطلبون الرقية من غيرهم، وإنما يرقون أنفسهم. فإما أن ترقي نفسك، أو إذا كان أحد عندك، إذا كان أحد عنده هذا الذي لدغ، فمن الإحسان أن يبادر بالقراءة عليه، يقرأ عليه من غير أن يطلب ذلك منه، أن يقرأ عليه. هذا هو الأكمل. وإلا جائز أن يذهب الإنسان إلى من يقرأ عليه، يطلب من يقرأ عليه. فالفاتحة دل الدليل على نفعها. وهكذا قول في سائر الأذكار، وفي سائر الأدعية، وفي ما جاء في كتاب الله والأدعية كثيرة التي ثبتت عن النبي صلى الله عليه وسلم: «اللهم رب الناس أذهب الباس، اشف أنت الشافي، لا شفاء إلا شفاؤك، شفاء لا يغادر سقما». «أعوذ بعزة الله وقدرته من شر ما أجد وأحاذر». «بسم الله أرقيك من كل داء يشفيك، ومن شر كل نفس أو عين حاسد الله يشفيك». وكثير: «أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق». وهكذا. فإنسان يتعاهد هذه الأذكار وهذه الأوراد، إذا أصيب بلدغة، وهكذا إذا أصابته حمى، أي مرض من الأمراض، فليس هناك أفضل من التداوي بالقرآن. ونواصل إن شاء الله في درس قادم. صلى الله وسلم وبارك على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.