كتاب الاستغفار 11

كتاب الاستغفار 11

الدرس في كتاب الاستغفار 11، ألقاها الشيخ أبو عبدالله محمد باجعالة

مقدمة خاتمة رياض الصالحين ورؤية الرب

يواصل المؤلف خاتمة كتاب رياض الصالحين بذكر الآيات والأحاديث التي تصف نعيم الجنة، ويبرز حديث جرير بن عبد الله عن رؤية المؤمنين لربهم عياناً كما يرون القمر. وتعد رؤية وجه الله تعالى أعظم نعيم يُمنح لأهل الجنة، حيث يرونه في عرصات القيامة وفي الجنة نفسها.

تفسير آية الناضرة وكيفية الرؤية

يفسر المقطع آية ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ مؤكداً ثبوت رؤية المؤمنين لله في الجنة بالأحاديث المتواترة، ويوضح أن تشبيه الرؤية برؤية القمر يقصد به انعدام التزاحم والغطاء لا تشبيه المرئي بالمرئي. كما يستدل بقصة موسى عليه السلام على استحالة تحمل رؤية الله في الدنيا.

رؤية وجه الله الكريم في الجنة

يوضح المقطع أن الإنسان في الدنيا لا يطيق النظر إلى وجه الله عز وجل، أما في الآخرة فيمنح الله المؤمنين القوة للاستطاعة على رؤيته. ويروي حديث صهيب رضي الله عنه أن الله يكشف الحجاب عن أهل الجنة فينظرون إلى ربهم، وهو أعظم نعيم وأحب شيء إليهم.

الدعاء الختامي والثناء على الله

يختتم المتحدث بالثناء على الله والحمد له، ويسأله المغفرة والرحمة ودخول الجنة والنجاة من النار. ويصلي على النبي محمد صلى الله عليه وسلم.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على من أرسله ربه رحمة للعالمين بشيراً ونذيراً، وداعياً إلى الله بإذنه، وسراجاً منيراً. أما بعد: فمواصلة أيها الأحبة في الله مع خاتمة كتاب رياض الصالحين، وكتاب الاستغفار منه، ونحن في باب بيان ما أعد الله للمؤمنين، أي في الجنة، من النعيم المقيم والجزاء العظيم. وقد ذكر رحمه الله تعالى جملة من الآيات القرآنية، وهكذا جملة من الأحاديث النبوية التي فيها بيان لذلكم النعيم العظيم الذي يكرم الله به المؤمنين في الجنة، ففيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين، وعد الله عز وجل لأهلها فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم عن ربه عز وجل. قال رحمه الله تعالى: قال، وعن جرير بن عبد الله رضي الله عنه قال: كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنظر إلى القمر ليلة البدر، وقال: «إنكم سترون ربكم عياناً كما ترون القمر، لا تضامون في رؤيته». قال: متفق عليه. وهذا الحديث يخبر فيه النبي صلى الله عليه وسلم عن نعيم من نعيم الجنة، وهو يعتبر أعظم النعيم الذي يعطيه الله عز وجل لأهل الجنة، ألا وهو النظر إلى وجه الله تعالى الكريم. والمؤمنون يرون ربهم في موضعين اثنين: الأول في عرصات القيامة، في عرصات القيامة. قال ربنا عز وجل في كتابه العزيز: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾، فلما حجب الكفار دل ذلك على أن المؤمنين يرون ربهم، كما قال الإمام الشافعي رحمه الله تعالى. وهكذا أيضاً ربنا تبارك وتعالى يقول: ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ * عَلَى الْأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ﴾. وهكذا ربنا تبارك وتعالى يقول: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ﴾، أي من النظرة والبهاء والحسن، تعرف في وجوههم نظرة النعيم. قال: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾، أي نظرة إلى ربها، ناظرة أي تنظر إلى وجه الله عز وجل العظيم. والأحاديث الواردة في إثبات رؤية المؤمنين لربهم عز وجل أحاديث متواترة، أحاديث متواترة. وقوله عليه الصلاة والسلام ها هنا: «إنكم سترون ربكم عياناً»، لفظة «عياناً» تكلم عليها بعض الحفاظ، وحكم عليها بأنها شاذة، وبعضهم يرى أنها محفوظة وثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم. وقوله: «كما ترون هذا القمر»، هنا تشبيه لكيفية الرؤية بكيفية الرؤية، وليس تشبيهاً للمرئي بالمرئي، فربنا عز وجل ليس كمثله شيء، ليس كمثله شيء. وإنما أراد عليه الصلاة والسلام أن يبين أن المؤمنين يرون ربهم عز وجل في الجنة، ولا يحصل تزاحم، ولا يغطي بعضهم على بعض في هذه الرؤية، كما أن الناس في الدنيا كلهم ينظرون إلى القمر، ولا سيما إذا كان بدراً ليلة اكتماله، فهذا يراه في اليمن، وذاك يراه في العراق، وآخر في الشام، وآخر في مصر والحجاز، وهكذا غيرها، ولا يغطي بعضهم على بعض، ولا كذلك أيضاً يزاحم بعضهم بعضاً في هذه الرؤية. في هذه الرؤية، في هذه الرؤية، في هذه الرؤية، في هذه الرؤية. وهكذا أيضاً في هذا الحديث بيان، لي بيان، كذلك أيضاً تشويق لأهل الإيمان بأنهم سيعطون هذا النعيم في الآخرة وفي الجنة، بينما في الدنيا لا يستطيع العبد أن يتحمل النظر إلى وجه الله عز وجل. قال ربنا تبارك وتعالى عن موسى: ﴿رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ﴾، قال: ﴿لَنْ تَرَانِي﴾، أي في الدنيا، ﴿وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي﴾، فلما تجلى ربه للجبل جعله دكاً، وخر موسى صعقاً. إذن في الدنيا لا يستطيع الإنسان أن يتحمل النظر إلى وجه الله عز وجل، لو كشف الستر عن عباده، كما قال عليه الصلاة والسلام: «لا أحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره» إلى غير ذلك. لكن في الآخرة يعطي الله عز وجل، يعطي الله عز وجل المؤمنين من القوة والاستطاعة ما يكون بها نظرهم إلى وجه الله تبارك وتعالى. قال رحمه الله تعالى: قال، وعن صهيب رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إذا دخل أهل الجنة الجنة، يقول الله تبارك وتعالى: تريدون شيئاً أزيدكم؟ فيقولون: ألم تبيض وجوهنا، ألم تدخلنا الجنة وتنجنا من النار؟ قال: فيكشف الحجاب، فيكشف الحجاب، فما أعطوا شيئاً أحب إليهم من النظر إلى ربهم». قال: رواه مسلم. وقوله: «فيكشف الحجاب»، هذا حجاب منه سبحانه وتعالى للعباد حتى لا يروه، حتى لا يروه. أما في الجنة فيرفعه الله عز وجل عنهم لكي يراه أهل الإيمان، لكي يراه أهل الإيمان. قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ * دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾. بها ختم الإيمان، أبو زكريا يحيى بن شرف النووي رحمه الله تعالى هذا الكتاب. قال رحمه الله تعالى: الحمد لله الذي هدانا لهذا، وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله. اللهم صل على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، وبارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنك حميد مجيد. قال مؤلفه يحيى النووي، غفر الله له: فرغت منه يوم الاثنين رابع عشر رمضان سنة سبعين وستمائة، أي من هجرة النبي صلى الله عليه وسلم. فالحمد لله أولاً وآخراً، الذي بنعمته تتم الصالحات، وأسأل المولى جل علاه أن يغفر لنا، وأن يرحمنا، وأن يتجاوز عن تقصيرنا وإساءتنا، وأن يدخلنا الجنة، ويرزقنا الفردوس الأعلى منها، وأن ينجنا من النار، إنه قريب سميع مجيب الدعاء. وصلى اللهم على نبينا محمد وعلى آله، والحمد لله رب العالمين، والله تعالى أعلم.