الحقوق العشرة والتحذير من بدع رجب

المحاضرة بعنوان الحقوق العشرة والتحذير من بدع رجب، والتي كانت بمسجد الخير بمنطقة الصداع يوم الجمعة 10 رجب 1443هـ الموافق 11 فبراير 2022م ألقاها الشيخ أبو عبدالله محمد باجعالة

شرح آية الحقوق العشر: حق الله وحق الوالدين

يستهل المتحدث بشرح آية الحقوق العشر من سورة النساء مؤكداً أن أعظمها حق الله في العبادة وحده لا شريك له مستدلاً بأقوال النبي صلى الله عليه وسلم ودعوة الرسل للتوحيد. ثم ينتقل إلى حق الوالدين بالإحسان مبيناً عظمة هذا الحق بتقديمه مباشرة بعد حق الله ويسأل عن حكمة تخصيص حال الكبر في الوالدين.

تفصيل حقوق الوالدين والأرحام والأيتام والمساكين

يؤكد المقطع على وجوب بر الوالدين خاصة عند الكبر مستشهداً بالآيات والأحاديث ويبين فضل صلة الأرحام وعقوبة قاطعها. كما يحث على كفالة الأيتام وإطعام المساكين مبيناً أجر ذلك العظيم محذراً من الغفلة والجشع في ظل ظروف الحياة الصعبة.

بيان حقوق الجار والصاحب وابن السبيل والنهي عن الخيلاء

يشرح المقطع حقوق الجار ذي القربى والجار الجنب والصاحب بالجنب وابن السبيل وما ملكت الأيمان من خدم وعمال مستدلاً بأحاديث نبوية تحث على الرفق بهم وتحذر من ظلمهم. ويختم بتحذير الله من الخيلاء والفخر مبيناً أن المتكبرين لا يقومون بهذه الحقوق وأن الإسلام يتميز بسماحته وشموليته في رعاية الحقوق.

تحذير من بدع شهر رجب وشروط قبول العمل

يؤكد المقطع أن الدين اكتمل على عهد النبي صلى الله عليه وسلم وأن قبول العمل مشروط بالإخلاص والمتابعة. ثم ينبه إلى عدم ثبوت أي عبادة مختصة بشهر رجب كصيام أو صلاة أو ذكر ويبين أن الأحاديث الواردة في فضله ضعيفة أو موضوعة وأن فضيلته الوحيدة كونه من الأشهر الحرم التي يعظم فيها الإثم.

ضعف أحاديث فضائل رجب وبدعية صلاة الرغائب

يبيّن المقطع أن أحاديث فضائل شهر رجب غير صحيحة مستشهداً بأقوال ابن حجر وابن الجوزي والنووي وابن رجب والشوكاني. ويؤكد أن صلاة الرغائب بدعة منكرة وحديثها موضوع محذراً من الاغترار بذكرها في بعض المؤلفات.

التفريغ النصي الكامل

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا. من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير. له الحمد حتى يرضى، وله الحمد إذا رضي، وله الحمد بعد الرضا. وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله وصفيه من خلقه وخليله، بلغ الرسالة وأدى الأمانة ونصح لهذه الأمة، وكشف الله به الغمة، وجاهد في الله حق جهاده حتى أتاه اليقين. ترك الأمة على مثل البيضاء ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها إلا هالك. اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد. أما بعد، أيها الأحبة في الله، بادئ ذي بدء وقبل كل شيء نحمد الله تبارك وتعالى أولًا وآخرًا وظاهرًا وباطنًا على نعمه التي لا نستطيع لها حصرًا. وصدق الله إذ يقول: ﴿ وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ ﴾. من نعمة الله عز وجل علينا وعلى الناس ولكن أكثر الناس لا يعلمون، وأكثر الناس لا يشكرون. هذه المجالس العظيمة المباركة التي فيها من الفضائل الشيء الكثير، فيها من الجوائز العظيمة. ويكفيك يا عبد الله ما أخبر عنه النبي صلى الله عليه وسلم أنه يقال لأهل هذه المجالس في خاتمتها: «قوموا مغفورا لكم، قد بدلت سيئاتكم حسنات». كم هي سيئاتنا كثيرة وذنوبنا كبيرة، أحوج ما نكون جميعًا إلى ما يكون سببًا لتكفيرها ومغفرة الله عز وجل لنا. ثم جزى الله خيرًا أخانا المبارك أبا معاذ محمد بن حاج حفظه الله تعالى على حرصه وعلى سعيه وعلى حسن ظنه وترحيبه بإخوانه، ونسأل المولى تبارك وتعالى أن يستعملنا جميعًا في الخير، وأن يجعلنا مفاتيح لخير مغاليق لشر. ثم جزى الله خيرًا أهل هذا المسجد إمامًا ومصلين على استقبالهم وعلى إتاحتي مثل هذه الفرصة لإقامة مثل هذا المجلس العلمي النافع إن شاء الله عز وجل. أيها الأحبة في الله، المواضيع كثيرة التي نحن أحوج ما نكون إلى أن نذكر بها، وكم يتحير الشخص في انتقاء واختيار واحد منها. لكن أحببت أن يكون كلمتي معكم قبل محاضرة الشيخ الفاضل أبي يوسف حفظه الله تعالى حول آية عظيمة. هذه الآية فيها من الأصول الجامعة، فيها بيان حقوق عظيمة، ألا وهي قوله تبارك وتعالى: ﴿ وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا ﴾. هذه الآية أحبتي في الله تسمى بآية الحقوق العشرة، بين فيها ربنا عز وجل حقوقًا عشرة. وإلا فهناك حقوق أخرى غيرها، لكن ربنا عز وجل نبه على هذه الحقوق لأهميتها ولعظمها، وبدأ هذه الحقوق بأعظمها وأكبرها وأهمها، ألا وهو حقه تبارك وتعالى. فقال جل وعز: ﴿ وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا ﴾. هذا يا إخوان هو أعظم حق، وهو حقه تبارك وتعالى أن نعبده، أن نوحده ولا نشرك به شيئًا كائنًا من كان، ولو كان ملكًا مقربًا، ولو كان نبيًا مرسلًا، ولو كان وليًا صالحًا، فضلًا عن من هو دونهم. وربنا تبارك وتعالى يقول: ﴿ وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا ﴾. الأنبياء والرسل الذين بعثهم ربنا عز وجل لدعوة قومهم، أول ما يبدأ قبل الصلاة وقبل الصيام وقبل الزكاة وغيرها، يبدأ بدعوة الناس إلى توحيد الله عز وجل، إلى الإخلاص، إلى عبادة الله وحده وعدم الإشراك به. قال ربنا عز وجل: ﴿ وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ ﴾. أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت. كل ما يعبد من دون الله عز وجل وهو راض بذلك، هذا يعتبر من رؤوس الطواغيت. كيف يرضى لنفسه بأن يعبد؟ قال الله عز وجل: ﴿ وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ ﴾. لاحظ اهتمام الأنبياء بدعوة الأمم، دعوة الأفراد إلى توحيد الله عز وجل. يقول طارق المحاربي رضي الله تعالى عنه: «رأيت النبي صلى الله عليه وسلم بسوق ذي المجاز وعليه حلة حمراء وهو يقول: يا أيها الناس، قولوا لا إله إلا الله تفلحوا. يا أيها الناس، قولوا لا إله إلا الله تفلحوا». معاذ بن جبل رضي الله تعالى عنه قال: «كنت ردف النبي صلى الله عليه وسلم على حمار، فقال: يا معاذ، يا معاذ، أتدري ما حق الله على العباد وما حق العباد على الله؟ قال: قلت: الله ورسوله أعلم. أدب يا إخوان، أدب الصحابة وتواضع الصحابة. قال: قلت: الله ورسوله أعلم. قال: حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئًا. هذا هو حق الله على العباد. قال: وحق العباد على الله أن لا يعذب من لا يشرك به شيئًا. قال معاذ: قلت: أفلا أبشر الناس؟ يعني أخبرهم وأبشرهم. قال: لا تبشرهم فيتكلوا. في رواية: إني أخاف أن يتكلوا. فحدث به معاذ قبل موته تأثمًا، خشية من الإثم من كتمان هذا العلم». إذن هذا أعظم حق. إذا صلح صلح ما بعده من الحقوق، صلحت الحقوق التي بعده. وإذا فسد أصبح الشخص يدعو غير الله عز وجل، يطلب المدد والولد والرزق والعافية من غير الله عز وجل، يتمسح بالأضرحة والقبور، وهكذا يعلق التمائم والحروز ويعتقد فيها النفع والضر، ويحلف بغير الله وينذر لغير الله. فعندها يكون قد وقع في أعظم الظلم وأقبحه. ﴿ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا ﴾. وبالوالدين، لاحظوا عظم حق الوالدين، أن الله تبارك وتعالى في سور عديدة ومواضع كثيرة يذكره بعد حقه مباشرة، وهذا إن دل على شيء دل على عظمه. قال ربنا عز وجل: ﴿ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ ﴾. وقبلها: ﴿ وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ ﴾. وربنا عز وجل يقول: ﴿ وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ﴾ هذا حق الله، ﴿ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا ﴾. إما يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما. إما يبلغن عندك الكبر، لماذا يا إخوان ربنا عز وجل نبه على حالة الكبر عند الوالدين؟ لأنه في وقت النشاط والشباب نحن الأبناء نحتاج إليهم الآباء، لكن إذا كبر وهكذا لربما كان عاجزين عن العمل احتاج إلى النفقة، ولربما عاجزين عن الحركة احتاج إلى الخدمة. ولهذا ربنا عز وجل ينبهنا على حالة الكبر: ﴿ إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا ﴾. يا أيها الابن، ولو أصبحت متزوجًا وعندك من البنين والبنات، فلا تنهرهما. لو نلت الشهادات العالمية والدرجات الوظيفية العالية، فلا تنهرهما. ولا تنهرهما مهما كان مالك، لو عندك العقارات والمؤسسات والوزارات، فلا تنهرهما. ﴿ وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا * وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ ﴾. ولك أن تلاحظ إلى هذا الأسلوب القرآني، تذل مع رحمة بين يدي الوالدين. ﴿ وَاخْفِضْ لَهُمَا ﴾ لا تظهر شجاعتك أمام والديك، ولا تبرز عضلاتك أمام والديك، ولا تتفاخر بمالك وأولادك أمام والديك. ﴿ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا ﴾. هذا يا إخوان هو الوفاء مع الوالدين. الوالدان كم سهر لأجل أن ننام. قل لي بربك أنت اليوم عندك أولاد، انظر إلى زوجتك كم تسهر وتتعب، وانظر إلى قلبك كيف يتعلق بأولادك. سهر لأجل أن ننام، وتعب من أجل أن نرتاح، جاع لأجل أن نشبع. أحيانًا تأخذ أمك اللقمة فتريد أن تضعها في فيها، وإذا بيدك تصل إليها، فماذا تفعل الأم؟ تترك حاجتها وتسد حاجتك. اليوم يا إخوان يوم الوفاء، اليوم يوم رد الجميل. نحتاج أن نسهر نحن اليوم لكي ينام هما، فهل نحن كذلك يا إخوان؟ اليوم يحتاج أن نتعب نحن لأجل أن يرتاحا، فهل نحن كذلك؟ اليوم نحتاج أن نبذل. للأسف الجزاء من قبل بعض الأبناء أنه قد يشتري بعض الأشياء من السوق: اشترى عنبًا، تفاحًا، مانجو، برتقالًا، دجاجًا، لحمًا، حلوى إلى غيرها. بعض الأبناء يا إخوان للأسف منذ أن يشتري هذه السلعة وهو يفكر كيف سيتجاوز والديه وينفرد بهذا الطعام مع زوجته وأولاده. بعض الناس يعمل حيلة، يبحث عن ولده الصغير، قال: «ها شوف هذا الكيس، خبوه، خفيه، انتبه حد يشوفك، وين أضعه؟» قال: «ضعه في الغرفة حقنا الخاصة». ليش؟ قال: «بعدين بنا كله نحن وأمك وإخوانك». طيب وأبوك؟ بس كين جالس في الصالة، أمك قد فرشت لها فراش لربما قديم، تنتظر منك السلام وطيب الكلام والمعروف. يا إخوان، هل جزاء الإحسان إلا الإحسان؟ هل جزاء الإحسان إلا الإحسان؟ النبي صلى الله عليه وسلم كما في حديث أبي الدرداء يقول: «الوالد، الوالد، أوسط أبواب الجنة، فإن شئت فاحفظ هذا الباب أو ضيعه». يأتي رجل من اليمن إلى المدينة يريد أن يجاهد مع النبي صلى الله عليه وسلم، فيسأله عن من ترك باليمن، فيخبره أنه ترك أمه. يقول: «تريد الجنة؟» قال: نعم. قال: «ارجع فالزمها، فإن الجنة عند قدمها، أو ثم عند قدميها». ويأتي آخر من اليمن يريد أن يجاهد، فيسأله: «أحي والداك؟» قال: نعم. قال: «ارجع ففيهما فجاهد». أتى رجل من اليمن ومعه أمه على ظهره يطوف بها حول الكعبة على ظهره، مش أتى بعربية يدفها، لا على ظهره. فمر بعبد الله بن عمر بن الخطاب أثناء طوافه، قال: «يا ابن عمر، هذه أمي أتيت بها من اليمن، أترى أني قد جازيتها؟ أترى أني قد جازيتها؟» قال: «لا، ولا بزفرة من زفراتها». هذا كل شغلك ما يساوي زفرة من زفرات الأم عند الولادة. «لا يجزي ولد والدة إلا أن يجده مملوكًا فيشتريه ثم يعتقه» كما أخبر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. ماذا عسان يا إخوان أن نفي بحق الوالدين إذا أطلنا الحديث حول هذا الحق العظيم؟ لكن يا إخوان، إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد. ﴿ وَبِذِي الْقُرْبَى ﴾ والمقصود بهم الأقارب، الأرحام. والأرحام يا إخوان هؤلاء لهم حق عظيم، أمر الله عز وجل به أن يوصل. بل الرحم معلقة بالعرش تقول: «من وصلني وصله الله، ومن قطعني قطعه الله». في حديث أبي هريرة قال: «لما خلق الله الخلق قامت الرحم، قامت الرحم، قالت: هذا مقام العائذ بك من القطيعة. فقال لها: أما ترضين أن أصل من وصلك وأن أقطع من قطعك؟ قالت: بلى رضيت. قال: فذلك لك». النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم يقول: «لا يدخل الجنة قاطع». قاطع ماذا؟ قاطع رحم. قاطع رحم. انظر إلى خطورة هذا الأمر. ولهذا يا إخوان صلة الرحم سبب في زيادة العمر وسبب في بركة الرزق كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم في حديث أنس: «من أحب» في رواية: «من سره أن يبسط له في رزقه وينسأ له في أثره فليصل رحمه، فليصل رحمه». ﴿ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ ﴾. اليتيم يا إخوان الأصل أنه من فقد أباه وهو لم يبلغ سن الاحتلام، هذا يتيم. واليتيم يا إخوان فقد ظهر وسند كان يعتمد عليه، يحتاج إلى رحمة، يحتاج إلى تعاون، يحتاج إلى من يدخل السرور إلى قلبه. ربنا تبارك وتعالى يقول: ﴿ وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا * إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا ﴾. وربنا عز وجل يقول: ﴿ فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ * فَكُّ رَقَبَةٍ * أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ * يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ * أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ ﴾. النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم يقول: «أنا وكافل اليتيم في الجنة كهاتين، أنا وكافل اليتيم في الجنة كهاتين». هل فكرت يومًا من الأيام أن تمسح على رأس يتيم؟ هل فكرت يومًا من الأيام أن تدخل السرور على يتيم، تشتري له بدلة عيد؟ بدلة عيد كم يفرح بها، تكون أنت والنبي صلى الله عليه وسلم في الجنة كهاتين. هل فكرت يومًا تشتري ليتيم ملابس مدرسية أو أدوات مدرسة، دفاتر وأقلام وحقيبة يضع فيها أدواته؟ هل فكرت يومًا أن تعطي أسرة فيها أيتام سلة غذائية، أرز ودقيق وسمن وزيت وسكر وغيرها؟ قوموا يا إخوان، كم كم نتعامى عن مثل هذه الأشياء. قد يكون لك أبناء أخ أيتام أو أبناء أخت أيتام أو جيران أو أقارب أو عندك في الحي، لكن كم نغفل يا إخوان، كم نغفل عن الإحسان إلى الأيتام. وهكذا المساكين وما أكثرهم يا إخوان، ما أكثر المساكين اليوم المحتاجين مع ظروف الحياة الشديدة الصعبة. وناس تأكل من القمائم، من الزبالة. إذا هدأت حركة الناس الساعة الحادية عشر والثانية عشر والواحدة والثانية، خرج بعض المساكين إلى القمامات، ينظر عليه يجد خبزًا أو عليه يجد بقايا عشاء رمي به. أين الذين يتفقدون المساكين؟ أين أصحاب البقالات وتعاونهم مع المساكين في هذه الظروف؟ أين أصحاب الصيدليات؟ أين أصحاب الإيجارات؟ أين وأين يا إخوان؟ للأسف الشديد مع الظروف الصعبة، بدلاً من أن يقوى التراحم والتلاحم والتعاون، زاد الجشع والطمع. التاجر همه أن يربح، همه أن يستفيد من ظهر هذا المسكين. إذن ﴿ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ ﴾. والجار ذي القرب قيل: الجار الذي بينك وبينه قرابة. والجار الجنب قيل: الذي ليس بينك وبينه قرابة. وقيل: الجار ذي القرب أي الذي بيته قريبًا من بيتك، والجار الجنب الذي بيته بعيدًا من بيتك. وماذا عسانا أن نقول في الجار؟ ماذا عسانا أن نقول في الجار بعد أن قال النبي صلى الله عليه وسلم: «ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه، حتى ظننت أنه سيورثه». اليوم يا إخوان ولا يخفى علينا جميعًا، قل التفقد للجيران وقل التعاون بين الجيران، ولربما كثرت الأذية بين الجيران. لربما مخلفات البناء يضعها تحت جدار جاره، أذية بيارته ومجاريه تمر بجانب بيته قد تعب، أو بجانب باب جاره تعب جاره من البعوض والروائح النتنة. أولاده لربما يؤذون أولاد جاره. أين حق الجار؟ النبي صلى الله عليه وسلم كان يؤذى في مكة فكان يقول: «يا بني عبد مناف، أي جوار هذا؟ أي جوار هذا؟» فالجار يا إخوان له حق عظيم، للأسف الشديد كثير من الناس لا يبالي به. ﴿ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ ﴾. قيل: الزوجة. والصاحب بالجنب قيل: الزوجة، وقيل: الصديق في الحضر والرفيق في السفر. الصديق صاحبك في الحضر والرفيق في السفر. هؤلاء يا إخوان لهم حقوق عظيمة. إذا تريد تعرف كيف أخلاق هذا الرجل، انظر إلى تعامله مع أهله، كيف هو مع زوجته؟ «خياركم، خياركم» أو «خيركم، خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهله». انظر إلى أخلاقه مع جلسائه، كيف أخلاقه في سفره؟ فالسفر يا إخوان يسفر عن معادن الرجال. ﴿ وَابْنِ السَّبِيلِ ﴾. وابن السبيل يا إخوان هو الشخص المنقطع في سفر وطريق، لربما فقد أن نفقه، ما عنده ما يوصله. هذا من حقه على إخوانه أن يساعدوه. بل جعل الله له حظًا من الزكاة، حظًا من الزكاة: ابن السبيل. والسبيل هي الطريق. ﴿ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ﴾. وما ملكت أيمانكم، كانوا في العهد الأول عندهم عبيد. ما ماليك اليوم قد يكون عندك خدم، عندك عمال. اتق الله فيهم، اتق الله فيهم. النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم رأى أبا مسعود البدري وهو يضرب غلامًا له، يضرب غلامًا له عبدًا. فسمع أبو مسعود صوتًا من خلفه يقول: «أبا مسعود». فالتفت فإذا به رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال: «أبا مسعود، اعلم أن الله أقدر عليك منك على هذا». منك على هذا. قال: «يا رسول الله، هو حر لوجه الله». يخافون من النار يا إخوان، يخافون من النار. معاوية بن الحكم السلمي قال: «كانت لي أمة أو جارية ترعى لي غنم قبل أحد والجوانية. قال: فذهب الذئب بشاة من غنمها، أتى الذئب وأخذ شاة من الغنم. قال: وأنا رجل من بني آدم آسف كما يأسفون، يعني أغضب كما يغضبون. لكني سكتة سكتة، ندم يا إخوان، ندم، أحس بالخطأ. فأراد أن يكفر عن خطأه، أراد أن يكفر عن خطأه، فأتى بها إلى النبي صلى الله عليه وسلم وذكر له القصة. فقال لها: أين الله؟ أين الله؟ ماذا قالت؟ في كل مكان كما يقول بعض الناس، لا. أين الله؟ قالت: في السماء. قال: من أنا؟ قالت: أنت رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال: أعتقها فإنها مؤمنة، فإنها مؤمنة». انظروا يا إخوان إلى الرفق بمن هم تحت أيدينا. من آخر وصايا النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول: «الصلاة، الصلاة، واتقوا الله فيما ملكت أيمانكم». أنت معلم، بنا عندك عمال، عندك عمال، اتق الله فيهم، لا تكلفهم فوق طاقتهم، ارفق بهم، لا تحملهم ما لا يطيقون. أنت صاحب مصنع، صاحب مؤسسة، عندك موظفون، قم بحقهم واتق الله عز وجل فيهم. ثم ختم ربنا عز وجل هذه الآية بقوله: ﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا ﴾. مختال يا إخوان أي متكبر مترفع. ﴿ مُخْتَالًا فَخُورًا ﴾: مختال في نفسه، فخور على غيره. ذكر بعض العلماء فائدة لطيفة في ختم هذه الآية بالنهي عن هذين الوصفين، لأن من كان مختالًا فخورًا قل يا إخوان أن يقوم بهذه الحقوق التي سبقت. وأولها حق الله. من هم الذين يقفون في وجه الأنبياء يعادونهم ويحاربونهم؟ أليسهم أهل الفخر والخيلاء؟ ومن هم الذين يتبعون الأنبياء؟ في حديث ابن عباس في سؤال هرقل عظيم الروم لأبي سفيان رضي الله تعالى عنه قبل أن يسلم، لما سأله تلك الأسئلة كان منها أن قال له: «أأشراف الناس يتبعونه أم ضعفاؤهم؟ صاحبكم هذا الذي يزعم أنه نبي، من الذي يتبعه؟ أأشراف الناس أم ضعفاؤهم؟» قال: «بل ضعفاؤهم». ماذا قال هرقل؟ قال: «وكذلك أتباع الأنبياء، وكذلك أتباع الأنبياء». يعني الضعفاء. من الذي يتكبر على والديه ولربما يرمي بوالديه في دار العجزة والمسنين؟ ما هو فاضي يخدم أمه أو يعالج والده؟ إلا المترفون والمتكبرون، إلا من رحم الله عز وجل. وهكذا لربما لا يعرف حق قريب، ولا حق يتيم، ولا مسكين، ولا حق جار، ولا غيرها من هذه الحقوق. إذن ﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا ﴾. وهذا يا إخوان يدلنا على أمر هام، ألا وهو سماحة هذا الدين. قلب طرفك ونظرك في الأديان، هل ستجد دينًا كدين الإسلام؟ هل ستجد سماحة كسماحة هذا الدين؟ هل ستجد دينًا يهتم بالحقوق ويحذر من مجاوزة الحدود كهذا الدين؟ أسأل المولى تبارك وتعالى أن يغفر لنا وأن يرحمنا وأن يتجاوز عنا، وأن يتوفانا مسلمين، وأن يعيننا على ذكره وشكره وحسن عبادته، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وأترك المجال وأستسمح الجميع، عذرًا على الإطالة. أترك المجال للشيخ الفاضل أبي يوسف حفظه الله تعالى، فكلنا مشتاقون للسماع منه. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله، والحمد لله رب العالمين، والله تعالى أعلم. وأجز الله أخانا المبارك الشيخ الفاضل أبا عبد الله محمد، أجعله خيرًا على هذه المحاضرة القيمة النافعة في ذكر ما يتعلق بآية الحقوق العشرة. فجزاه الله جل وعلا خيرًا. ومما ذكر حفظه الله في أثناء كلمته وفي أولها: ما من الله سبحانه وتعالى به علينا من بعثة النبي صلى الله عليه وسلم، وأنه عليه الصلاة والسلام تركنا على مثل البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، وهي سنته عليه الصلاة والسلام. وهذا الدين الذي بعثه الله سبحانه وتعالى به، ومن الله جل وعلا به على هذه الأمة، فأخرجهم من الظلمات إلى النور، من ظلمات الشرك إلى نور التوحيد، ومن ظلمات الكفر إلى نور الإيمان، ومن ظلمات المعاصي إلى نور الطاعة. والله جل وعلا يقول: ﴿ لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ ﴾. فبلغ عليه الصلاة والسلام الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وكشف الله به الغمة، وجهد في الله حق جهاده حتى أتانا اليقين. وما من خير إلا ودلنا عليه الصلاة والسلام، وما من شر إلا وحذرنا منه. وهو القائل عليه الصلاة والسلام: «وكان حقًا على كل نبي أن يدل أمته على خير ما يعلمه لهم، وأن ينذرهم شر ما يعلمه لهم» كما في صحيح الإمام مسلم من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنهما. فما من خير إلا ودلنا عليه عليه الصلاة والسلام، وما من شر إلا وحذرنا منه. وقد أكمل لنا هذا الدين وأتم علينا النعمة كما قال ربنا جل وعلا: ﴿ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا ﴾. فالدين ما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم وما كان عليه الصحابة رضوان الله تعالى عليهم، وما لم يكن يومئذ دينًا لا يكون اليوم دينًا. ولذلك فالواجب على المسلم إذا أراد أن يعبد الله جل وعلا وأن يتقرب إليه بشيء من الطاعات ومن العبادات والقربات، أنه لا بد أن ينظر في هذه العبادة وفي هذه الطاعة: هل شرعها الله جل وعلا في كتابه أو على لسان رسوله عليه الصلاة والسلام؟ حتى تكون عبادته مقبولة وتكون طاعته صحيحة. لأن العمل لا يقبل إلا بشرطين اثنين: الأول الإخلاص لله، والثاني المتابعة لرسول الله صلى الله عليه وسلم. فالله عز وجل يقول: ﴿ وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا ﴾، ويقول سبحانه: ﴿ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ ﴾، ويقول عز وجل: ﴿ قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ ﴾. وهذا دليل الإخلاص، أن العمل لا يقبل إلا إذا كان خالصًا لله جل وعلا. ودليل الاتباع قوله جل وعلا: ﴿ وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا ﴾، وقوله عليه الصلاة والسلام: «من أحدث في أمرنا هذا» أي في ديننا هذا «ما ليس منه فهو رد» متفق عليه من حديث عائشة رضي الله تعالى عنها. وفي رواية الإمام مسلم: «من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد». وهذا دليل على رد العمل إذا لم يكن موافقًا لسنة النبي عليه الصلاة والسلام. ويدل على كلا الشرطين قول الله جل وعلا: ﴿ فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا ﴾. ولذلك فالمسلم لا بد أن ينظر في العبادة والطاعة التي يريد أن يعملها: هل قد شرعت في دين الله؟ هل رغب فيها ربنا جل وعلا في كتابه؟ هل رغب فيها النبي صلى الله عليه وسلم في سنته من قوله أو فعله؟ فإن كان كذلك فالحمد لله يعملها ويتقرب بها إلى الله. وأما إن لم يثبت ذلك لا في كتاب الله ولا في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فعليه أن يترك هذا العمل وأن لا يعمله. وأردت في هذا المجلس أن أذكر شيئًا أو بعضًا من الأعمال ومن الطاعات والقربات التي يتقرب بها بعض الناس إلى الله جل وعلا في مثل هذا الشهر، في شهر رجب، ولم يثبت منها شيء في كتاب الله جل وعلا ولا في سنة رسوله عليه الصلاة والسلام، تعظيمًا منهم لهذا الشهر، تعظيمًا منهم لهذا الشهر شهر رجب. مع أنه لم يثبت شيء يدل على فضل هذا الشهر إلا أنه شهر من الأشهر الحرم التي حرمها ربنا جل وعلا، وجعل لها منزلة ومكانة، أن حرم فيها القتال، وكذلك حرم فيها الذنوب والمعاصي، وجعل إثمها مضاعفًا. قال الله جل وعلا: ﴿ إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ ﴾. وبينها النبي عليه الصلاة والسلام في سنته فيما جاء في الصحيحين من حديث أبي بكرة نفيع بن الحارث رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم لما خطب الناس بحجة الوداع قال: «إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السماوات والأرض، السنة اثنا عشر شهرًا، منها أربعة حرم، ثلاث منهن متواليات: ذو القعدة وذو الحجة والمحرم، ورجب مضر» الحديث. فبين النبي عليه الصلاة والسلام أن الأشهر الحرم هي هذه الأشهر الأربعة: ذو القعدة وذو الحجة والمحرم ورجب. هذه الأشهر الحرم التي حرم الله سبحانه وتعالى فيها القتال، وكذلك أيضًا بين عظم فعل الذنب فيها: ﴿ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ ﴾. وفعل الذنوب والمعاصي عباد الله لا شك أنه أمر محرم في سائر الشهور وفي سائر الأيام وفي سائر الأوقات والأزمان، لكن المقصود أن الذنب في هذه الأشهر يعظم إثمه ويعظم جرمه لحرمة هذه الشهور. فإن الذنب يعظم بعظم المكان والزمان. فالذنب في شهر رمضان ليس كفعله في غيره من الشهور، وهكذا فعل الذنب في المسجد الحرام ليس كفعله في غيره من المواضع. ولهذا قال الله جل وعلا: ﴿ وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ ﴾. هذا الذي ورد في فضل شهر رجب أنه شهر من الأشهر الحرم. لكن هل ورد فيه فضيلة خصه بصلاة أو صيام أو زكاة أو استغفار أو ذكر أو ذبح أو غير ذلك من الأعمال؟ الجواب: لا، لم يثبت شيء من ذلك. ونص على ذلك غير واحد من الأئمة، ومنهم الإمام ابن رجب رحمه الله في كتابه «لطائف المعارف»، وهكذا الحافظ ابن حجر في كتابه «تبيين العجب مما ورد» أو «مما ورد في شهر رجب». وذكر رحمه الله أنه لم يثبت شيء في تخصيص شهر رجب بصلاة أو صيام أو ذكر أو غير ذلك من الطاعات والعبادات. وذكر رحمه الله كثيرًا من الأحاديث الضعيفة والموضوعة التي ذكرت في فضل هذا الشهر، وأنه لم يثبت منها شيء. لم يثبت منها شيء. منها مثلًا حديث: «رجب شهر الله، وشعبان شهري، ورمضان شهر أمتي». هذا حديث لا يثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام. وهكذا حديث: «اللهم بارك لنا في رجب وشعبان وبلغنا رمضان». لربما يكثر سماع مثل هذا الحديث في ألسنة بعض الوعاظ، وهو حديث كذلك لا يصح عن النبي عليه الصلاة والسلام. وهكذا حديث: «إن في الجنة نهرًا يقال له رجب، ماؤه أشد بياضًا من اللبن وأحلى من العسل، من صام يومًا من رجب سقاه الله من ذلك النهر». حديث موضوع مكذوب على النبي عليه الصلاة والسلام. وهكذا حديث: «من صام يومًا من رجب كان كصيام سنة». من صام يومًا من رجب كان كصيام سنة، وهو أيضًا حديث لا أصل له. وهكذا أيضًا حديث: «فضل شهر رجب على سائر الشهور كفضل القرآن على سائر الذكر، وكفضل محمد على سائر الأنبياء». وهو أيضًا حديث لا يصح عن النبي عليه الصلاة والسلام. وكم من الأحاديث من مثل هذه الأحاديث التي لا تصح عن النبي عليه الصلاة والسلام في ذكر شيء من فضائل شهر رجب. وقد ذكرها الإمام الحافظ ابن حجر العسقلاني الشافعي رحمه الله في ذلك الكتاب «تبين العجب بما ورد في شهر رجب». أحاديث كثيرة وكلها لا تصح عن النبي صلى الله عليه وسلم. ومن هذه الطاعات والعبادات التي ربما يفعلها بعض الناس في مثل هذا الشهر ما يسمى بصلاة الرغائب. ما يسمى بصلاة الرغائب وهي صلاة تصلى في أول ليلة جمعة من شهر رجب، لها كيفية خاصة معينة وأذكار كذلك خاصة تخالف سائر الصلوات التي شرعها هذا الدين. وهذه الصلاة صلاة محدثة، صلاة محدثة، والحديث الوارد فيها موضوع لا يصح عن النبي صلى الله عليه وسلم كما ذكر الإمام العراقي رحمه الله والإمام ابن الجوزي، وهكذا الإمام النووي قال: «هذه الصلاة صلاة الرغائب بدعة، صلاة يعني بدعة منكرة قبيحة، بدعة منكرة قبيحة». هكذا يقول رحمه الله. ثم قال: «لا تغتر بذكرها في كتاب قوت القلوب أو في كتاب الإحياء». وهكذا أيضًا كذلك الحافظ ابن رجب رحمه الله قال: «ولم يثبت في تخصيص شهر رجب صلاة معينة، وما ورد في صلاة الرغائب التي تصلى في أول ليلة من رجب قال: فهو حديث موضوع وهي بدعة عند جمهور العلماء». وذكر صفتها الإمام الشوكاني رحمه الله في كتابه «الفوائد المجموعة في الأحاديث الموضوعة»، ذكر هذا الحديث في صلاة الرغائب وكيفيتها، ثم ذكر