كتاب التفسير من صحيح البخاري 188

كتاب التفسير من صحيح البخاري 188

الدرس في كتاب التفسير من صحيح البخاري 188، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

تفسير آية خلق الجن والإنس للعبادة

يعرض البخاري قولين في تفسير الآية: الأول أن اللام للتعليل بمعنى التوحيد، والثاني أن اللفظ عام والمراد الاستعداد للعبادة، مبيناً أن كلا القولين لا حجة فيهما للقدرية. ويذكر معنى "الذنوب" بالدلو العظيم مستشهداً بآية أخرى.

شرح مفردات الذنوب والريح العقيم والسماء ذات الحبك

يفسر "الذنوب" في آيات الكافرين والظالمين بأنه الحظ والنصيب من العذاب، ويوضح أن "الريح العقيم" هي الريح التي لا تلقح السحاب ولا تنبت خيراً، ويبين أن "السماء ذات الحبك" هي السماء المحكمة الخالية من الشقوق مستنداً إلى أقوال مجاهد وقتادة وابن عباس.

معاني آيات الغفلة والتواصي بالكفر وعلامات العذاب

يشرح قوله تعالى ﴿الَّذِينَ هُمْ فِي غَمْرَةٍ سَاهُونَ﴾ بأنهم يتمادون في ضلالتهم، ويبين أن ﴿أَتَوَاصَوْا بِهِ﴾ يدل على تواطؤهم على تكذيب الأنبياء، كما يفسر ﴿مُسَوَّمَةً﴾ بأنها علامة معلمة للعذاب، ويوضح أن ﴿قُتِلَ الْإِنسَانُ مَا أَكْفَرَهُ﴾ و﴿قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ﴾ بمعنى اللعن على الكافرين والمفتريين.

خاتمة تفسير سورة الذاريات

يُختتم المقطع بالإشارة إلى أن ما سبق كان بعض كلمات الإمام البخاري في تفسير سورة الذاريات، ويُعلن الاكتفاء بهذا القدر مع ذكر أن الترجمة من إعداد نانسي قنقر.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والى. بعد: قال الإمام البخاري رحمه الله تعالى في ذكره تفسير بعض آيات سورة الذاريات: وقفنا عند قول الله عز وجل: ﴿ وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ﴾. قال: وقال بعضهم: خلقهم ليفعلوا، ففعل بعض وترك بعض، وليس فيه حجة للقدر. والمراد أن قوله: "ليفعلوا" أي: فعل العبادة، فعبده بعضهم، وبعضهم لم يعبدوا، وهو خلق الجن والإنس ليعبدوا، فمن الناس من عبد الله، ومنهم من أشرك به أو ترك عبادته. قال: "وليس فيه حجة للقدر"، ليس فيه حجة لأهل القدر الذين قالوا بأن اللام هنا للصيرورة، أي: جعلهم يجعلهم عباداً له، فهذا كلام غير صحيح، بل ﴿ لِيَعْبُدُونِ ﴾ أي: ليوحدون، كما قال ابن عباس وغيره. قال: أنا على القول الأول: ﴿ إِلَّا لِيَعْبُدُونَ ﴾ إلا ليوحدون. وأن هذا من اللفظ العام الذي يراد به الخصوص، والمراد به من عبد الله عز وجل من الجن والإنس. والثاني: قوله: "بعضهم خلقهم ليفعلوا، ففعل بعض وترك بعض"، أنا على أن اللفظ بعمومه، والمراد به الاستعداد للعبادة، أي: أن الله عز وجل خلقهم لأجل العبادة. وكلاهما صحيح، وليس في أحد القولين حجة لأهل القدر. قال: "والذنوب الدلو العظيم". ومعنى الذنوب كما قال الله عز وجل: ﴿ ذُنُوبًا مِّثْلَ ذُنُوبِ أَصْحَابِهِمْ ﴾. الذنوب هو السجل أو الدلو العظيم، لكن هنا المراد به الحظ والنصيب: ﴿ إِنَّ لِلَّذِينَ كَفَرُوا ذُنُوبًا ﴾، ﴿ وَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذُنُوبًا مِّثْلَ ذُنُوبِ أَصْحَابِهِمْ ﴾، أي: حظاً ونصيباً مثل نصيب أصحابهم الذين سبقوهم من أهل النار. وقال مجاهد: "ذنوباً سبيلاً"، أي: طريقاً كطريق الذين من قبلهم من ظلموا. ﴿ فَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذُنُوبًا مِّثْلَ ذُنُوبِ أَصْحَابِهِمْ ﴾، فقال مجاهد: "سبيلاً"، أي: طريقاً مثل طريق الظالمين من قبلهم. وقال: "صرة، صيحة في صرة"، أو "صرة صيحة"، هذا تفسير مجاهد. فعن الصرة: هي شدة الصوت، يقال: كما قال حافظ: "أقبل فلان يصر"، أن يصوت صوتاً شديداً في صرة، فسكت وجهها كأنها كانت تصوت أو تولول، أو تقصد تكرر الكلاب وترفع صوتها، فقالت عجوز عقيم. فقال: "العقيم" التي لا تليت ولا تلقح شيئاً، هذه العقيم. وقال قتادة: هذا "العقيم" التي لا تنبت. وتقدم معنا في قوله: ﴿ الرِّيحَ الْعَقِيمَ ﴾ التي لا تلقح شيئاً، أن لا تلقح السحاب فهي عقيمة، وإنما يأتي منها الشر. قال: وقال ابن عباس: "الحبق": استواؤها وحسنها. ﴿ وَالسَّمَاءَ ذَاتَ الْحُبُكِ ﴾، أي: حبكها الله عز وجل وسواها وحسنها، فلا ترى فيها شيئاً من الشقوق والانفطارات، وإنما تتفطر السماء يوم القيامة، وإلا إذا نظرت إلى السماء لا تجد فيها شيئاً من الشقوق. فـ "ذات الحبق": ذات الخلق الحسن، وذات السماكة وعدم التشقق. مثل النساج الذي ينسج في الثوب الذي لا يكون فيه شقوق، فهو محبوك. يقال: هذا الثوب محبوك، أو "حبك الثوب": أي نسجه نسجاً جيداً حتى لا يكاد يعرف أنه نسيج. ﴿ فِي غَمْرَةٍ ﴾ أي: في ضلالتهم يتمادون. ﴿ سَاهُونَ ﴾ أي: في ضلالتهم يتمادون. أنا قال الله عز وجل: ﴿ الَّذِينَ هُمْ فِي غَمْرَةٍ سَاهُونَ ﴾، جاء عن ابن عباس: أنهم في ضلالتهم يتمادون، كما ذكر المؤلف. وقال غيره: "تواصوا به"، تواطؤوا. "أتواصوا به" أي: تواطؤوا عليه، وأخذه بعضهم عن بعض. أنا كأنه تواطؤوا على هذا القول للأنبياء، وكلما جاءهم نبي أتوا بهذه المقالة. "أتواصوا به بل هم قوم طاغون"، أنا لأنهم اشتركوا في الطغيان فاشتركوا كذلك في الكلام. قال: وقال غيره: "مسومة" أي: معلمة من السيماء، أنا من العلامة، الوسم. ﴿ مُسَوَّمَةً عِندَ رَبِّكَ لِلْمُسْرِفِينَ ﴾. وقال ابن عباس من طريق العوفي، وهي طريق غير صحيحة لكنها تذكر دائماً في التفاسير: قال: "مسومة" أي: مختومة بلون أبيض وفيه نقطة سواد، أو العكس، أنا مختومة بلون أسود وفيها نقطة، أو نقطة بيضاء. قال: "قتل الإنسان"، أي: لعن. "قتل الخراصون"، أي: لعن الخراصون. ويقال: "قاتل الله"، أي: لعن الله. ﴿ قُتِلَ الْإِنسَانُ مَا أَكْفَرَهُ ﴾، أي: لعنه الله، ما الذي جعله يكفر. وهنا "قتل الخراصون" معناها أنهم لعنوا، أولي الذين يتخرصون. فهذه بعض الكلمات التي ذكرها الإمام البخاري في تفسير سورة الذاريات. طيب، نكتفي بهذا، والله تعالى أعلم. ترجمة نانسي قنقر