الدرس في شرح قرة عيون الموحدين 28، ألقاها
النذر عبادة لله يجب أن تكون خالصة، وتوحيد القصد يعني توحيد العبادة. يجب الوفاء بالنذر إذا كان خالصا لله.
نذر الطاعة لغير الله يعتبر شركاً، ويجب التوبة من هذا الفعل. النذر للمشاهد على القبور باطل.
نذر الشموع والزيت للقبور باطل وحرام، لأنه يعتبر عبادة لغير الله. العلماء أجمعوا على بطلانه.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله حمدا كثيرا مباركا فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. ثم أما بعد، كان آخر ما أخذناه في الدرس الماضي أن دخلنا في الباب الحالي عشر من كتاب التوحيد الذي علق عليه العلامة عبد الرحمن بن حسن رحمه الله تعالى في كتابه "قرة عيون موحدين". وكان آخر ما أخذناه باب "من الشرك النذر لغير الله جل وعلا"، وتقدم معنا في الدرس الماضي ما هو وجه كونه من الشرك بالله جل وعلا، أي النذر لغير الله جل وعلا. ولا بأس أن نقرأ ما يعني آخر ما قرأناه في الدرس الماضي من باب "رب الدرس بالدرس". قال العلامة عبد الرحمن بن حسن بن محمد بن عبد الوهاب رحمه الله: وذلك لأن النذر لله وحده قد علق رغبته به وحده لعلمه بأنه تعالى ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، وأنه لا مانع لما أعطى ولا معطي لما منع، فتوحيد القصد هو توحيد العبادة، ولهذا ترتب عليه وجوب الوفاء فيما نذره طاعة لله. وقوله رحمه الله تعالى: وذلك هو إشارة إلى ما تقدم ذكره من كلام الشيخ الإسلام بن تيمية رحمه الله من أن النذر لغير الله جل وعلا عبادة، والعبادة لا يجوز صرفها لغير الله جل وعلا، وأن من صرفها لغير الله جل وعلا فقد وقع في الشرك بالله عز وجل. فقوله رحمه الله تعالى: وذلك لأن النذر لله وحده قد علق رغبته به وحده؛ لأن الكلام في هذا المقام على مسألة القصد، أي قصد العبد وتوجه العبد بندره إلى الله جل وعلا، فهو بذلك النذر يقصد الله جل وعلا رغبة ورهبة ومحبة وتعظيما وإجلالا، وعلما بأن الله جل وعلا هو الذي بيده كل شيء، وأن ما شاء كان، أي وقع، وما لم يشأ لم يكن. وكان هاهنا تامة بمعنى وقع وحصل، فما شاء الله كان ولا محالة؛ لأن مشيئته جل وعلا نافذة لا يمنعها مانع، ولا يفعل الله جل وعلا إلا لحكمة، وهو الفعال لما يريد جل وعلا. فلأجل هذا وذاك فإن الناذر لله وحده قد علق رغبتهم به وحده لعلمه بأنه تعالى ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، وأنه لا مانع لما أعطى ولا معطي لما منع. فوجه كونه من الناذر -كما ذكر- رحمه الله تعالى أنه من توحيد القصد، بمعنى أن العبد قصد في ذلك النذر ربه جل وعلا. وتوحيد القصد هو توحيد الإلهية وهو توحيد العبادة؛ لأن التوحيد كما مر معنا في أول هذا الكتاب يقسمه العلماء رحمهم الله تعالى باعتبارين على قسمين. فتارة يقسمونه إلى ثلاثة أقسام: توحيد الربوبية، وتوحيد الألوهية، وتوحيد الأسماء والصفات. وتارة باعتبار آخر يعرفونه أو يقسمونه إلى قسمين، فيقولون: توحيد القصد والطلب، أو يقولون: توحيد الإرادي الطلبي، أو ما شابه ذلك؛ وذلك لأن مداره على القصد والإرادة، أي التوجه إلى الله جل وعلا بما يتقرب به العبد إليه. والقسم الثاني: توحيد المعرفة، وأحيانا يقولون ويعبرون عنه بتوحيد العلم، وما شابه ذلك. فإذن الناذر عبادة؛ لما يحصل من هذا المعنى: معنى القصد الذي هو حقيقة توحيد العبادة. لذا يقول الشيخ رحمه الله: فتوحيد القصد هو توحيد العبادة؛ هذا معنى من المعاني الذي لأجله علم أن النذر عبادة. وإذا كان عبادة فإنه يجب أن يكون خالصا لله رب العالمين جل وعلا؛ وذلك لأن العبادة حق لله جل وعلا، فلا يجوز صرفها أو صرف شيء منها إلى غير الله جل وعلا. قال الله جل وعلا: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾، وقال الله جل وعلا: ﴿أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾، وقال الله جل وعلا لنبيه صلى الله عليه وسلم: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ لَا شَرِيكَ لَهُ﴾. والنبي صلى الله عليه وسلم -كما في الصحيحين من حديث معاذ- حينما سأل معاذا رضي الله عنه وأرضاه: ما حق الله على العباد؟ وما حق العباد على الله؟ فقال معاذ: الله ورسوله أعلم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا، وحق العباد على الله أن لا يعذب من لم يشرك به شيئا. إذن العبادة حق لله جل وعلا، ومنها النذر، فإذا كانت عبادة فالواجب أن تكون لله جل وعلا خالصة، وأن من صرفها لغير الله جل وعلا فقد وقع في الشرك بالله جل وعلا. هذا معنى، ومعنى آخر: أن الناذر -كما أشار الشارح رحمه الله تعالى- ما نذر لمن نذر له إلا وقد التفت قلبه إلى ذلك المنذور له رغبة ورهبة، وهذا أيضا معنى من معاني العبادة. فإن كان لله جل وعلا فهو عبادة جليلة، وإن صرف إلى غير الله جل وعلا كان شركا بالله جل وعلا. وأمر ثالث: أن الناذر لا ينذر إلى من نذر له إلا لأنه اعتقد فيه أن له قدرة واستطاعة على النفع أو الضر، له قدرة واستطاعة إما على جلب نفع لذلك الناذر أو لدفع ضر عنه. وهذا أيضا معنى ثالث، فمن اعتقده في الله جل وعلا فهو توحيد، ومن اعتقده في غير الله جل وعلا -أي اعتقد أن غير الله جل وعلا بيده شيء من أنه يملك شيئا من النافع المطلق أو رفع الضر المطلق- فهذا كذلك من الشرك بالله جل وعلا. فإذا بهذه الأمور الثلاثة تتجلى لنا أمر النذر، وأنه متى جعله العبد لله جل وعلا خالصا كانت عبادة لله جل وعلا يؤجر عليها، ومتى كان ذلك النذر لغير الله جل وعلا كان ذلك الأمر صرف شيء من العبادة لغير الله جل وعلا، وصرف شيء من العبادة لغير الله جل وعلا من الشرك الأكبر والعياذ بالله. لذا يقول الشيخ رحمه الله: فتوحيد القصد هو توحيد العبادة، ولهذا ترتب عليه وجوب الوفاء فيما نذره طاعة لله؛ وجب عليه الوفاء فيما نذره طاعة لله. بمعنى أنه إذا نذر نذرا وذلك النذر طاعة لله -سواء كان النذر مطلقا أو كان مقيدا بشرط- المطلق كان يقول: لله جل وعلا علي نذر، أو نذرت لله جل وعلا أن أصوم يوما، هذا نذر مطلق، فإذا نذر طاعة وجب عليه الوفاء. وكذلك النذر المقيد كان يقول: لئن شفى الله جل وعلا مريضي لأصومن له يوما، وهذا النذر كذلك في طاعة، وإن كان معلقا، وعلى الصحيح أنه كذلك يجب الوفاء به إذا حصل ما علق به؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم، ولعموم قول النبي صلى الله عليه وسلم: «من نذر أن يطيع الله فليطعه». وهو من ألفاظ العموم، فقوله صلى الله عليه وسلم: «من نذر أن يطيع الله فليطعه» عام يدخل فيه نذر الطاعة المطلق، ويدخل فيه كذلك نذر الطاعة المقيد بشرط، فالكل يجب فيه الوفاء؛ لأنه عبادة. قال رحمه الله تعالى: والعبادة إذا صرفت لغير الله صار ذلك شركا بالله؛ لالتفاته إلى غيره تعالى فيما يرغب فيه أو يرهب. يعني تأمل قوله رحمه الله تعالى: لالتفاته؛ فيحصل للعبد لذلك المنذر له التفات القلب رغبة ورهبة، وهذه عبادة. فالتفات العبد -التفات قلب العبد- إلى غير الله جل وعلا رغبة ورهبة هذه عبادة، صرفها ذلك العبد لغير الله جل وعلا؛ فهي من الشرك بالله جل وعلا. لذا يقول الشيخ رحمه الله: والعبادة إذا صرفت لغير الله صار ذلك شركا بالله؛ لالتفاته إلى غيره تعالى فيما يرغب فيه أو يرهب؛ فقد جعله شريكا لله في العبادة. فيكون قد أثبت ما نفته "لا إله إلا الله" من إلهية غير الله، ولم يثبت ما أثبتته من الإخلاص؛ فيكون ذلك الناذر لغير الله جل وعلا بذلك الفعل ما حقق "لا إله إلا الله"، بل ولا علم معنى "لا إله إلا الله"، وإن علم فلم يعمل بما علم من معنى "لا إله إلا الله". فلم تنفعه "لا إله إلا الله"؛ لأنه نقضها بالإشراك بالله جل وعلا، فهو لن يحقق "لا إله إلا الله"؛ لأنه أشرك مع الله جل وعلا غيره، ولم يحقق الإخلاص لله جل وعلا بإفراده بالعبادة، بل عبد مع الله جل وعلا غيره؛ فهو ناقض لهذه الكلمة. يقول رحمه الله: وكل هذه الأبواب التي ذكرها المصنف رحمه الله تعالى تدل على أن من أشرك مع الله غيره بالقصد والطلب فقد خالف ما نفته "لا إله إلا الله"، فعكس مدلولها؛ أثبت ما نفته، أي من الإشراك، ونفى ما أثبتته من التوحيد. قال: وهذا هو الشرك، أي بالله جل وعلا، ولماذا هو من الشرك؟ لأنه -كما ذكر- رحمه الله تعالى قصد، والقصد محله إيش القلب؟ قصد بقلبه غير الله جل وعلا بذلك النذر رغبة ورهبة. قال رحمه الله تعالى: وهو معنى قول شيخنا -أي الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله-. قال الأذرع في شرح المنهاج: وأما النذر للمشاهد التي على قبر ولي أو شيخ أو على اسم من حلها من الأولياء أو تردد في تلك البقعة من الأولياء والصالحين؛ فإن قصد الناذر بذلك تعظيم البقعة أو المشهد أو الزاوية أو تعظيم من دفن بها أو نصبت إليه أو بنيت على اسمه؛ فهذا النذر باطل غير منعقد. لماذا غير منعقد؟ لعموم قول النبي صلى الله عليه وسلم: «من نذر أن يطيع الله فليطعه»، ومن نذر أن يعصيه فلا يعصه. قال رحمه الله تعالى: فإن معتقدهم أن لهذه الأماكن خصوصيات، ويرون أنها مما يدفع به البلاء ويستجلب به النعماء ويستشفى بالنذر لها من الأدواء؛ حتى إنهم لينذرون لبعض الأحجار لما قيل لهم: إنهم استند إليها عبد صالح، وينذرون لبعض القبور السرج والشموع والزيت، ويقولون: القبر الفلاني أو المكان الفلاني يقبل النذر؛ يعنون بذلك أنه يحصل به الغرض المأمول من شفاء مريض أو قدوم غائب وسلامة مال وغير ذلك من أنواع نذر المجازاة. قال: فهذا النذر على هذا الوجه باطل لا شك فيه، بل نذر الزيت والشمع ونحوه من القبور باطل مطلقا. قال: ومن ذلك نذر الشموع الكثيرة العظيمة وغيرها لقبر إبراهيم الخليل عليه السلام، ولقبر غيره من الأنبياء والأولياء؛ فإن النذر لا يقصد بذلك إلا الإيقاد على القبر تبركا وتعظيما؛ ظنا أن ذلك قربة. فهذا مما لا ريب في بطلانه، والإيقاد المذكور محرم؛ سواء انتفع به منتفع أو لم يكن. قوله رحمه الله: وأما النذر للمشاهد على قبر ولي أو شيخ إلى آخر ما ذكره رحمه الله؛ قال: فهذا النذر باطل غير منعقد؛ أي أنه لا يجوز الوفاء به، بل يجب التوبة منه؛ يجب على المسلم الذي هو حريص على استقامة حاله ودينه أن يبادر إلى التوبة إلى الله جل وعلا من هذه الفريه، من هذا الإثم. قال رحمه الله: فإن معتقدهم أن لهذه الأماكن خصوصيات؛ لماذا؟ يقول: ويرون أنها مما يدفع به البلاء ويستجلب به النعماء ويستشفى بالنذر لها من الأدواء إلى آخر ما ذكره رحمه الله؛ لماذا؟ قال: ويقولون: القبر الفلاني أو المكان الفلاني يقبل النذر؛ يقبل النذر. ما معنى يقبل النذر؟ كما فسره رحمه الله تعالى بقوله: يعنون بذلك أنه يحصل به الغرض المأمول من شفاء مريض أو قدوم غائب وسلامة مال وغير ذلك من أنواع نذر المجازاة. ومعنى هذا: أن في قولهم أن ذلك القبر أو ذلك الميت أو تلك الحجر أو تلك الشجرة أو ما شابه ذلك أنها تقبل النذر؛ معناها أنها مما يصح التقرب إليها بأنواع من القرب، وأن من تقرب إليها بهذه القرب نفعته تلك الأشياء التي تقرب بها ذلك المتقرب. فإن تقرب إلى حجر بناذر يقولون بأنهما يقبل النذر؛ بمعنى أننا لو نذرنا بأن ذلك الناذر لو نذر لذلك المنذور له بأن يشفي مريضه أو يخلف عنه البلاء أو يؤتيه بالنعماء وما شابه ذلك يحصل ذلك الأمر. فهذا فيه -كما ترون- شرك بالله جل وعلا ظاهر جلي؛ وذلك الأمور تقدم ذكرها أولا: لأنهم توجهت قلوبهم وتعلقت قلوبهم بغير الله جل وعلا رغبة ورهبة. ثانيا: أنهم اعتقدوا في غير الله جل وعلا أن بيده جلب النفع أو دفع الضر، وهذا كذلك شرك بالله جل وعلا. الأمر الثالث: أنهم تقربوا إليه -تقربوا إلى ذلك الغير- بأنواع من العبادات من النذور، إما بذبائح، إما بمرابط واعتكاف، إما بوضع شيء من الأموال أو السرج أو ما شابه ذلك، وهذا كله من الشرك الأكبر بالله جل وعلا. وسواء اعتقد أنه هو بعينه وبيده جلب النفع أو دفع الضر -أي بذاته يجلب النفع لمن نذر له أو يدفع الضر عنه- أو اعتقد أنه واصط بينه وبين الله جل وعلا، أو اعتقد أنه واصط بينه وبين الله جل وعلا يشفعون لهم عند الله جل وعلا وجوبا -كما يشفع أهل الدنيا فيما بينهم فيما بعضهم لبعض- هذا كذلك من الشرك الأكبر. وإلا -كما ترون- ما وصل إليه هؤلاء من سفه العقول وذهاب الدين: أنهم يعتقدون في حجر أو يعتقدون في شجر أو يعتقدون في ميت -أحوج ما يكون إلى ماذا؟ إلى من يدعو له- فيتقربون إليه بالقرب، ويطلبون منهم المدد أو الولد أو إرجاع الغائب أو رفع البلاء أو إنزال النعمة أو ما شابه ذلك. وهذا من تسلط الشيطان على هؤلاء حتى صارهم يتقربون بأنواع من القرب والعبادات لغير الله جل وعلا؛ فأوقعهم في الشرك الذي نهى عنه النبي صلى الله عليه وسلم نهيا واضحا جليا، بل نهى عنه ربنا جل وعلا نهيا واضحا جليا، وأخبر في آيات كثيرة بأنه لا يغفره: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾، ﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا﴾، ﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾؛ إلى غير ذلك من الآيات التي ينهى الله جل وعلا بها عن الشرك به. فقوله رحمه الله تعالى: فهذا النذر على هذا الوجه باطل لا شك فيه، ثم قال: بل نذر الزيت والشمع ونحوهما إلى القبور باطل مطلقا؛ أي سواء كان بقيد أم كان ماذا؟ أم كان مطلقا. يعني بقيد كان يقول: لئن شفيت مريضي أو أرجعت غائبي؛ يقول لصاحب القبر أو لحجر أو لشجر ينظرون له: لئن أرجعت غائبي، لئن رزقتني الولد أو أنزلت علي النعماء أو دفعت عني البلاء؛ فلي أو فلك علي نذر أن أفعل كذا وكذا: أذبح لك ذبيحة أو أقدم لك شموعا أو مالا أو ما شابه ذلك؛ هذا نذر مقيد، وهو لا يجوز، لا ينعقد، ولا يجوز الوفاء به، بل يجب التوبة منه. وكذا لو كان نذرا مطلقا؛ كان يقول: للسيد الفلاني علي نذر له كذا وكذا من الذبائح أو من الأموال أو من الشموع أو ما شابه ذلك؛ كل ذلك حرام، بل هو من الشرك بالله جل وعلا؛ لأن النذر عبادة لا يجوز صرفها لغير الله جل وعلا. قال رحمه الله تعالى: ومن ذلك نذر الشموع الكثير العظيمة وغيرها لقبر إبراهيم الخليل عليه السلام، ولقبر غيره من الأنبياء والأولياء؛ نبه جماعة من العلماء رحمهم الله تعالى، ومنهم شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: أنه لا يعرف قبر نبي على الحقيقة إلا قبر نبينا صلى الله عليه وسلم، وأما ما يدعيه من ادعاه في أن هذا قبر فلان من الأنبياء، وهذا قبر فلان؛ فليس عندهم سنة صحيح يثبت ما ذكروه، وإنما هي أقاويل وحكايات لا تصح. فهذا كذلك أن يبين لنا أن هؤلاء يبنون أمورهم على أوهام؛ على أوهام لا حقيقة تحتها ولا وراءها. قال: فإن الناذر لا يقصد بذلك إلا الإيقاد على القبر تبركا وتعظيما؛ تبركا؛ وقد تقدم معنا الكلام على من تبرك بحجر أو شجر. قال: وتعظيما؛ وكما تقدم: أنه لا ينذر الناذر لأحد إلا لأنه يعتقد فيه أن له قوة على جلب النافع ودفع الضر؛ فيتقرب إليه رغبة ورهبة فيما عنده. وهذا -كما سمعتم- من الشرك بالله جل وعلا. قال: ظنا أن ذلك قربه؛ فهذا مما لا ريب في بطلانه، والإيقاد المذكور محرم؛ سواء انتفع به منتفع أم لا؛ أي سواء كان ناس يمرون فينتفعون بذلك الإيقاد أم لم يكن هناك منتفع ينتفع بذلك؛ الكل محرم؛ لأنه من النذر المحرم، من النذر المحرم. قال الشيخ قاسم الحنفي -وهو ابن قطبغاء- في شرح "درة البحار": النذر الذي ينذره أكثر العوام على ما هو مشاهد: كأن يكون لإنسان غائب أو مريض، أو له حاجة؛ فيأتي إلى بعض الصلحاء، ويجعل على رأسه سترة من باب التعظيم والإجلال لذلك المنذر له، ويقول: يا سيدي فلان؛ إن رد الله غائب أو عوفي مريض أو قضيت حاجة -انظر في الأول- إن رد الله غائب؛ عنده يخبره، ويتكلم معه؛ تكلم من يسمع ومن يعقل ومن له قدر على النفع؛ فهذه الصورة فيه إشارة إلى أن بعضهم ربما اتخذ هؤلاء وصائط بينهم وبين الله جل وعلا. وقوله: أو عوفي مريض أو قضيت حاجتي؛ قوله: أو قضيت حاجتي؛ يطلب قضاء الحاجة ممن من ذلك السيد الميت الذي الله أعلم بحاله: هل هو من الأولياء الأتقياء أو هو من الفجار البعداء؟ الله أعلم بحاله، وهو يطلب منه أن يفرج همه أو أن يقضي حاجته؛ وهذا -كما ترون- من الشرك بالله جل وعلا. يقول: أو قضيت حاجتي؛ فلك من الذهب كذا أو من الفضة كذا أو من الطعام كذا أو من الماء كذا أو من الشمع والزيت كذا؛ فهذا النذر باطل بالإجماع؛ هذا باطل بالإجماع. قال رحمه الله تعالى: لوجوه منها: أنه نذر لمخلوق، والنذر لمخلوق لا يجوز؛ لأنه عبادة، والعبادة لا تكون لمخلوق؛ فإذا هو شرك بالله جل وعلا أكبر؛ لأنه صرف العبادة أو عبادة لغير الله جل وعلا. قال: ومنها: أن المنذور له ميت، والميت لا يملك شيئا؛ ومعنى هذا: أنه اعتقد في ذلك الميت أن له قدرة على جلب النفع أو دفع الضر، وأن له سمعا محيطا يسمع داعيه، ومن لجأ إليه؛ لأن الناذر قد يكون في بيته، الناذر قد يكون في بيته أو في سوقه أو في مسجد؛ فيقول: يا سيدي فلان؛ يناديه ويخاطب مخاطب أو نداء يتكلم معه؛ تكلم من هو حاضر؛ يا سيدي فلان؛ إن رد الله مريضي أو إن قضيت حاجتي؛ مباشرة؛ فلك علي نذر أن أفعل كذا وكذا؛ فهو يعتقد أن له سمعا محيطا وعلما محيطا؛ يسمع أصوات من دعاه، ويعلم أخبار من لجأ إليه؛ وهذه الأمور لا تكون إلا لله رب العالمين جل وعلا. وهذا كذلك من الشرك الأكبر بالله جل وعلا؛ شرك باعتبار أنهم أشركوا بالله جل وعلا في شيء من خصائصه؛ فاعتقدوا أن لذلك المخلوق سمع عام محيط بكل الأصوات، وعلم عام محيط بكل المعلومات، واعتقدوا كذلك في أن بيده النفع والضر؛ وهذا كله من الشرك بالله جل وعلا، وهو من شرك الربوبية والأسماء والصفات. قالوا: ومنها: أنه ظن أن الميت يتصرف في الأمور دون الله عز وجل؛ يتصرف في الأمور دون الله عز وجل؛ أي استقلالا؛ الميت يتصرف في الأمور؛ أي استقلالا بذاته. قالوا: واعتقاد ذلك كفر؛ اعتقاد ذلك كفر؛ لأن الأمر بيد الله سبحانه وتعالى، لا يستطيع أحد أن يفعل شيئا إلا بأمره جل وعلا. قال الله جل وعلا: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾، ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ﴾، قل: الله مالك الملك؛ فالأمر بيد الله، والملك بيد الله، والله جل وعلا هو المعطي المانع سبحانه وتعالى، وهو النافع الضار سبحانه وتعالى. قال: إلى أن قال: إذا علمت هذا؛ فما يؤخذ من الدراهم والشمع والزيت وغيرها وينقل إلى ضرائح الأولياء؛ تقربا إليهم؛ فحرام بإجماع المسلمين. قال رحمه الله تعالى: نقله عنه ابن نجيم في "البحر الرائق"، ونقله المرشد في "تذكيرته" وغيرهما عنه، وزاد: وقد ابتلي الناس بهذا؛ لا سيما في مولد البدوي؛ والبدوي هذا ما زال إلى يومنا هذا في مصر؛ قبر البدوي. والبدوي -كما ذكر من ترجم له- أحد المجاذيب؛ لا عقل له ولا دين؛ بل ذكر الإمام السخاوي رحمه الله تعالى في كتابه "الضوء اللامع"؛ ذكر عن المقريزي رحمه الله، عن أبي حيان الأندلسي رحمه الله: أنه شهد أو حضر يوما البدوي هذا يوم جمعة في خطبة جمعة؛ فماذا صنع؟ قال: فرفع ثوبه أو قال: رفع ثوبه وغطى رأسه وبال على ثيابه في المسجد أو فبال على ثيابه في المسجد والناس ينظرون، والناس ينظرون؛ قال: ثم غطى رأسه وبقي على هذه الحالة حتى فرغ الناس من صلاة الجمعة، ولم يصل معهم، ولم يصل معهم؛ هذا حال هذا السيد الكبير عند هؤلاء؛ هذا حال من يعقل؟ هذا حال سادة وأولياء؛ صلاة جمعة ويبول على نفسه وفي المسجد والناس يصلونه؛ لا يصل إلى غير ذلك مما ذكر في ترجمة من الأمور التي يتعجب المتعجب: كيف سمحت لهؤلاء نفوسهم أن يتقرب إلى هذا الرجل ويسمونه وليا من الأولياء؟ ولو كان وليا من الأولياء حقا؛ بل لو كان نبيا مرسلا؛ لما جاز أن يتقرب إليه بشيء من العبادات؛ فكيف وحاله كذلك؟ فكيف وحالهم ما سمعتموه؟ قال رحمه الله تعالى: وقال الشيخ صنع الله الحلبي الحنفي رحمه الله في الرد على من أجاز الذبح والنذر للأولياء: فهذا الذبح والنذر إن كان على اسم فلان؛ فهو لغير الله تعالى؛ فيكون باطلا؛ وفي التنزيل: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾، قل: إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له؛ والنذر لغير الله إشراك مع الله؛ كالذبح لغيره؛ وقد تقدم الكلام على مسألة الذبح لغير الله جل وعلا؛ وأن الذبح ينظر فيه إلى أمرين: القصد والتسمية؛ القصد والتسمية. وهذا الناذر وقع في الشرك بالله جل وعلا بالاعتبارين؛ فهو إما أن ينذر لغير الله جل وعلا فيقصد بقلبه غير الله؛ وهذا شرك في القصد؛ وقد يضيف إلى ذلك بأن يقول: باسم فلان، باسم الولي الفلاني؛ فإن سمى الولي الفلاني أو السيد الفلاني أو ما شابه ذلك؛ يكون وقع منه الشرك باعتبارين: باعتبار الاستعانة، وباعتبار القصد؛ أي باعتبار العبادة. وإن وقع أحدهما؛ فقد وقع الشرك منهم في أحدهما؛ ولا يتخلص الناذر من أحدهما في نذره لغير الله جل وعلا؛ فهو واقع في الشرك لا محالة. لذا يقول الشيخ: والناذر لغير الله إشراك مع الله؛ كالذبح لغيره. قوله: وفي الصحيح عن عائشة رضي الله عنها: وقبل هذا؛ ومنه نعلم أن من نذر لغير الله جل وعلا وذبح لغير الله جل وعلا؛ فإن ترك الذبيحة -ولو سمى الله جل وعلا عليها- قال: بسم الله؛ هذا نذري لسيد فلان أو لسيد الفلاني؛ يكون هذا النذر مما أهل به لغير الله جل وعلا، وترك الذبيحة مما ذبح مما ذبح لغير الله جل وعلا؛ فلا يجوز أكلها؛ لا يجوز أكلها؛ يكون حكمها حكم الميتة؛ لأنها مما أهل بها لغير الله جل وعلا، ومما ذبحت إلى الأنصاب. قوله: في الصحيح عن عائشة؛ هي أم المؤمنين زوج النبي صلى الله عليه وسلم، ابنة الصديق رضي الله عنه وعنها، وأعلم النساء بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ بل هي أعلم نساء الأمة؛ بل كما ذكر من ذكر من العلماء رحمهم الله تعالى: أنها أعلم نساء العالمين رضي الله عنها وأرضى؛ فلم يأت من لدى آدم إلى زماننا هذا إلى ما شاء الله جل وعلا من الأزمان من النساء من هو في علمها من النساء؛ ممن هو في العلم كعائشة الصديقة بنت الصديق رضي الله عنهما جميعا. قال رحمه الله تعالى: تزوجها النبي صلى الله عليه وسلم وهي بنت سبع، ودخل بها وهي بنت تسع؛ وهي ابنة تسع؛ وأفضل أزواج النبي صلى الله عليه وسلم إلا خديجة؛ ففيها خلاف؛ بل لا يقال: خديجة أفضل، ولا عائشة أفضل؛ والتحقيق: أن لخديجة من الفضل في بدء الوحي ما ليس لعائشة؛ من سبقها إلى الإيمان بالنبي صلى الله عليه وسلم، وتأييد في تلك الحال التي بدأ بالوحي فيها؛ كما في صحيح البخاري وغيره؛ ما زالت كذلك حتى توفيت رضي الله عنها قبل الهجرة. ولعائشة من العلم بالأحاديث والأحكام ما ليس لخديجة؛ لعلمها بأحوال النبي صلى الله عليه وسلم، ونزول القرآن بالأحكام، وبيان الحلال والحرام؛ وكان الصحابة رضي الله عنهم بعد وفاته صلى الله عليه وسلم يرجعون إليها فيما أشكل عليهم من أحوال النبي صلى الله عليه وسلم وحديثه صلوات الله وسلامه عليه؛ ورضي الله ورضي عن أصحابه وأزواجه؛ توفيت السنة سبع وخمسين رضي الله عنها. والصحيح ما ذكره رحمه الله تعالى، واختياره شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى، وتلميذ ابن القيم في مسألة تفضيل بين خديجة وعائشة؛ وأن خديجة أفضل باعتبار السبق والنصرة في أول الإسلام، وعائشة أفضل باعتبار العلم الذي بلغته للأمة؛ فلكل واحدة منهن فضل رضي الله عنهم وأرضاهن. قوله: «من نذر أن يطيع الله فليطعه»؛ لأنه نذر لله خالصا؛ فوجب عليه الوفاء به؛ فصار عبادة؛ وقد أجمع العلماء على أن من نذر طاعة لشرط يرجوه -يرجوه- كأن شفى الله مريضه؛ فعليه أن يتصدق بكذا؛ ونحو ذلك؛ وجب عليه إن حصل له ما علق نذره على حصوله؛ إلا أن أبا حنيفة قال: لا يلزمه الوفاء إلا بما جنسه واجب بأصل الشرع؛ كصوم ونحوه؛ وأما ما ليس كذلك؛ فلا يوجب عليه الوفاء به. والصحيح الأول؛ والصحيح الأول: أن النذر ما دام أنه اتزم بالنذر وعلقه بشيء حصل؛ فإنه سيوفي بالنذر؛ فإنه يجب عليه الوفاء بالنذر؛ لعمومات الأدلة؛ قول الله جل وعلا: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ﴾، وهذا عام؛ سواء كان مطلقا أو كان مقيدا؛ وكذلك قول الله جل وعلا: ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ﴾؛ وهذا إن وفى به. قوله: «من نذر أن يعصي الله فلا يعصي»؛ زاد الطحاوي: وليكفر عن يمينه؛ وهذه الزيادة محل خلاف ونظر بين العلماء؛ والذي عليه جماعة من أئمة الحديث: أن هذه الزيادة لا تثبت؛ أن هذه الزيادة لا تثبت. قال: وقد أجمع العلماء أنه لا يجوز الوفاء بنذر المعصية؛ واختلفوا والتجب فيه كفارة يمين على قولين؛ هما روايتان عن أحمد؛ إحداهما: تجب؛ وهو المذهب؛ وروي عن ابن مسعود، وابن عباس، وبه قال أبو حنيفة وأصحابه، وبعض أهل العلم؛ كما هو القول الآخر: يقول: لا وفاء؛ يعني لا كفارة فيه؛ لأنه غير منعقد أصلا، ولم يثبت الحديث فيه؛ وما كان كذلك؛ فليس فيه كفارة؛ ولكن يجب عليه التوبة؛ يجب عليه التوبة؛ كحال من حلف كذبا؛ كحال من حلف كذبا؛ يجب عليه التوبة؛ وليس عليه كفارة؛ والله تعالى أعلى وأعلى؛ وسبحانك اللهم وبحمدك؛ أشهد أن لا إله إلا أنت؛ أستغفرك وأتوب إليك.