الدرس في شرح فتح المجيد 113، ألقاها
الآيات الكريمة والأحاديث النبوية تؤكد على وجوب تقديم محبة الله ورسوله على محبة الأهل والمال والجهاد في سبيله، وأن من لم يفعل ذلك ينقص من إيمانه ويتعرض للعقوبة. هذا التقديم يعد شرطًا لكمال الإيمان.
الآيات الكريمة والأحاديث النبوية تحذر من تقديم محبة الدنيا على محبة الله ورسوله والجهاد في سبيله، مشيرة إلى أن من يفعل ذلك يكون عرضة للعقوبة وناقص الإيمان. يجب على المؤمن إيثار ما يحبه الله على ما يحبه هو.
يؤكد النص على أهمية محبة الرسول صلى الله عليه وسلم وتقديمها على محبة الأهل والمال والنفس، وأن كمال الإيمان يتطلب أن يكون الرسول أحب إلى العبد من كل شيء، مع ضرورة متابعة تعاليمه.
بسم الله الرحمن الرحيم قال المصنف رحمه الله تعالى: وقال الله تعالى: ﴿قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونها أحب إليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله فتربصوا حتى يأتي الله بأمره والله لا يهدي القوم الفاسقين﴾. قال الشارح رحمه الله تعالى: أمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم أن يتوعد من أحب أهله وماله وعشيرته وتجارته ومسكنه فآثرها أو بعضها على فعل ما أوجبه الله عليه من الأعمال التي يحبها الله تعالى ويرضاها كالهجرة والجهاد ونحو ذلك. بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، ذكر الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى هذه الآية، وهي قول الله جل وعلا: ﴿قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونها أحب إليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله فتربصوا حتى يأتي الله بأمره والله لا يهدي القوم الفاسقين﴾، ذكرها رحمه الله تعالى في هذا الباب بيانا منه أن هذه المحبة وإن كان أصلها ليس محبة عبادة، ولكنها من الإيمان الواجب الذي به يكمل إيمان العبد. فمتى كانت محبة العبد لله جل وعلا أشد من محبة هذه الأشياء المذكورة، كلما كمل إيمان العبد وازداد إيمانه. يدل على هذا المعنى أن الله جل وعلا بعد أن ذكر هذه الأشياء قال: ﴿أحب إليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله﴾، فقوله: ﴿أحب﴾: أفعل تفضيل يدل على أن محبة هذه الأشياء في الأصل جائزة؛ لأنها من المحبة الطبيعية. لكن إنما يأتي اللوم وجاء الذنب حينما قدم محبة هذه الأشياء على محبة الله، حينما قدم محبة هذه الأشياء على محبة الله جل وعلا، فأخرت هذه الأشياء عن طاعة الله ورسوله والجهاد في سبيل الله، استحق الذنب واستحق الوعيد. هذا وجه يدل على هذا المعنى وتوضيحه في قوله: ﴿قل إن كان آباؤكم إلى آخر الآية أحب إليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله﴾. معلوم أن حب الله وحب رسوله من باب الحب لله ولأجل الله، ليس أصل المحبة لرسول الله صلى الله عليه وسلم من باب محبة العبادة، وإنما هي من باب محبة الله والمحبة لله والمحبة لأجل الله. فالمؤمن الحق يحب ما يحب الله، ويحب لأجل الله جل وعلا، وكذلك الجهاد يحب؛ لأن الله جل وعلا يحبه. فدلت هذه الآية على أن من قدم شيئا من هذه الأشياء على محبة الله وعلى محبة رسوله وعلى حب الجهاد في سبيل الله جل وعلا، فإنه يستحق الوعيد؛ لأن الآية دلت على أن الواجب في هذه المحبة أن يحب العبد ربه جل وعلا ورسوله فوق كل ما سواهما، وكذلك يحب الجهاد في سبيل الله جل وعلا فوق محبة الأبناء والآباء والإخوان والأزواج إلى غير ذلك. فدل هذا على أن هذا الأمر من قام به فقد قام بالإيمان الواجب الذي يمدح صاحبه عليه ويكمل إيمانه به، ومن تركه أو قصر فيه وأحب هذه الأشياء على أو فوق حب الله جل وعلا ورسوله والجهاد في سبيله، فإنه يكون قد نقص من إيمانه بحسب تلك المحبة، ويكون مستحقا للوعيد لقول الله جل وعلا: ﴿فتربصوا حتى يأتي الله بأمره والله لا يهدي القوم الفاسقين﴾. والله جل وعلا في هذه الآية في قوله: ﴿والله لا يهدي القوم الفاسقين﴾، الهداية هاهنا هداية التوفيق والإلهام، وإلا فإن الهداية هداية الإرشاد والبيان قد بينها الله جل وعلا ووضحها بأحسن بيان وأتم توضيح، ولكن المراد هاهنا بهداية الإلهام والتوفيق التي تكون معها الهداية إلى الله جل وعلا والسير إلى الله جل وعلا. وقوله: ﴿والله لا يهدي القوم الفاسقين﴾، أي الذين خرجوا عن طاعة الله جل وعلا وقصروا في طاعة الله جل وعلا. فدلت هذه الآية على أن من فعل شيئا من هذه الأمور وقدمها على حب الله جل وعلا ورسوله والجهاد في سبيله، فإنه كما سمعتم ينقص من إيمانه بحسب ذلك التقديم وبحسب ذلك المحبة. قال الشارح رحمه الله تعالى: أمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم أن يتوعد من أحب أهله وماله وعشيرته وتجارته ومسكنه فآثرها أو بعضها على فعل ما أوجبه الله عليه من الأعمال التي يحبها الله تعالى ويرضاها كالهجرة والجهاد ونحو ذلك. قال العماد بن كثير: أي إن كانت هذه الأشياء أحب إليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله فتربصوا، أي انتظروا ما يحل بكم من عقابه. قال العلامة العثيمين رحمه الله تعالى في شرحه لهذا الموضع في كتابه «القول المفيد شرح كتاب التوحيد»: فدلت الآية على أن محبة هؤلاء وإن كانت من غير محبة العبادة، إذا فضلت على محبة الله صارت سببا للعقوبة. قال: ومن هنا نعرف أن الإنسان إذا كان يهمل أوامر الله لأوامر والده فهو يحب أباه أكثر من ربه؛ لأنه آثر طاعة والده على طاعة الله. روى الإمام أحمد وأبو داود واللفظ له من حديث أبي عبد الرحمن الخرساني عن عطاء الخرساني عن نافع عن ابن عمر قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إذا تبايعتم بالعينة وأخذتم أذناب البقر ورضيتم بالزرع وتركتم الجهاد، سلط الله عليكم ذلا لا ينزعه حتى ترجعوا إلى دينكم». هذا الحديث بهذا الإسناد فيه ضعف؛ لأنه من طريق أبي عبد الرحمن الخرساني وهو ضعيف، وعطاء الخرساني كذلك المختلط، لكن الحديث له شواهد حسنها بمجموعها أو صحح الحديث بمجموع طرقه العلامة الألباني رحمه الله تعالى كما في كتابه «السلسلة الصحيحة» برقم 11. فالحديث كما قال العلامة الألباني: حديث صحيح بمجموع طرقه. والشاهد منه أنه قال: «إذا تبايعتم بالعينة وأخذتم أذناب البقر ورضيتم بالزرع وتركتم الجهاد في سبيل الله، سلط الله عليكم ذلا لا ينزعه حتى تراجعوا دينكم»، فهذا يدل على معنى الآية: أن من آثر هذه الأشياء -آثر المال والتجارة والزرع- على الجهاد في سبيل الله جل وعلا، وأحبها أشد من حبه للجهاد في سبيل الله جل وعلا، كان ذلك سببا للعقوبة. قال رحمه الله: فلابد من إيثار ما أحبه الله من عبده وأراده على ما يحبه العبد ويريده، فيحب ما يحب الله، ويبغض ما يبغض الله، ويوالي فيه ويعادي فيه، ويتابع رسوله صلى الله عليه وسلم كما تقدم في آية المحنة ونظائرها. يعني هذا من حقق الإيمان وحقق المحبة لله عز وجل، فإنه لا يحب إلا ما أحب الله، ولا يبغض إلا ما أبغض الله، فهو يحب لله ولأجل الله، فما أحبه الله أحبه، وما أبغضه الله أبغضه، ولا يقدم بين يدي محبة الله جل وعلا محبة ولو كان يحبها ولو كان يريدها، لكنه لكمال محبته لله جل وعلا قدم محبوب الله جل وعلا على محبوبه. وكذلك يجتنب ما يبغضه الله جل وعلا وإن كان قد يهواه بطبيعته، فهذا من كمال إيمان العبد: أن يحب ما أحب الله ويؤثره على محبته، وكذلك يبغض ما أبغضه الله جل وعلا ويؤثره على ما يبغض. وكذلك يتابع رسول الله صلى الله عليه وسلم متابعة تامة، وهذا كذلك من أصح العلامات على محبة الله جل وعلا. قال المصنف رحمه الله تعالى عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين»، أخرجاه. قال الشارح رحمه الله: أي البخاري ومسلم، قوله: «لا يؤمن أحدكم» أي الإيمان الواجب والمراد كماله، حتى يكون الرسول أحب إليه حتى يكون الرسول أحب إلى العبد من ولده ووالده والناس أجمعين، بل ولا يحصل هذا الكمال إلا أن يكون الرسول أحب إليه من نفسه كما في الحديث أن عمر قال لأنت يا رسول الله أحب إلي من كل شيء إلا نفسي، فقال: «والذي نفسي بيده حتى أكون أحب إليك من نفسك»، فقال له عمر: «فإنك الآن أحب إلي من نفسي»، فقال: «الآن يا عمر». فواه البخاري. وهذا الحديث أورده الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى، والشاهد منه هو الشاهد في الآية المتقدمة: أن من كمال إيمان العبد الواجب أن يحب ما أحب الله ويبغض ما أبغض الله، ومن تمام محبته وكماله أن لا يحب أحدا من الخلق فوق محبة رسول الله صلى الله عليه وسلم. فمن قدم أو أحب أحدا غير رسول الله صلى الله عليه وسلم أشد من حبه لرسول الله صلى الله عليه وسلم، هل يكون مشركا؟ الجواب: لا؛ لأن هذه المحبة ليست محبة عبادة. قال رحمه الله: فمن ادعى محبة النبي صلى الله عليه وسلم بدون متابعة وتقديم قوله على قول غيره فقد كذب؛ كما قال تعالى: ﴿ويقولون آمنا بالله وبالرسول وأطعنا ثم يتولى فريق منهم من بعد ذلك وما أولئك بالمؤمنين﴾، فنفى الإيمان عمن تولى عن طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم. قال: لكن كل مسلم يكون محبا بقدر ما معه من الإسلام، وكل مسلم لا بد أن يكون مؤمنا باعتبار أصل الإيمان، وإن لم يكن مؤمنا الإيمان المطلق؛ لأن ذلك لا يحصل إلا لخواص المؤمنين. قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا، فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات بإذن الله، فالكل يشملهم اسم الإسلام والإيمان، والكل شملهم لفظ الاصطفاء. قال: وعامة الناس إذا أسلموا بعد كفر أو ولدوا على الإسلام والتزموا شرائعه وكانوا من أهل الطاعة لله ورسوله، فهم مسلمون ومعهم إيمان مجمل، لكن دخول حقيقة الإيمان إلى قلوبهم يحصل شيئا فشيئا إن أعطاهم الله ذلك. قال: وإلا فكثير من الناس لا يصلون إلى اليقين ولا إلى الجهاد، ولو شككوا لشكوا، ولو أمروا بالجهاد لما جاهدوا؛ إذ ليس عندهم من علم اليقين ما يدرأوا الريب، ولا عندهم من قوة الحب لله ورسوله ما يقدمونه على الأهل والمال. فهؤلاء إن عوفوا من المحنة وماتوا دخلوا الجنة، وإن ابتلوا بمن يدخل عليهم شبهات توجب ريبتهم، فإن لم ينعم الله عليهم بما يزيل الريب وإلا صاروا مرتابين وانتقلوا إلى نوع من النفاق. قال رحمه الله: وفي الحديث أن الأعمال من الإيمان؛ لأن المحبة عمل القلب، وفيه أن محبة الرسول صلى الله عليه وسلم واجبة تابعة لمحبة الله لازمة لها؛ فإنها محبة لله ولأجله، تزيد بزيادة محبة الله في قلب المؤمن وتنقص بنقصها. قال: وهذه المحبة ليس فيها شيء من شوائب الشرك؛ كالاعتماد عليه ورجائه في حصول مرغوب منه أو دفع مرهوب، وما كان فيها ذلك فمحبة مع الله، لما فيها من التعلق على غيره والرغبة إليه من دون الله. فبهذا يحصل التمييز بين المحبة في الله ولأجله التي هي من كمال التوحيد، وبين المحبة مع الله التي هي محبة الأنداد من دون الله لما يتعلق بقلوب المشركين من الإلهية التي لا تجوز إلا لله وحده لا شريك له. والله تعالى أعلم، وصلى الله وسلم وبارك على نبيه الكريم وعلى آله وصحبه أجمعين.