الدرس في شرح مختصر سيرة الرسول 54، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يتناول هذا المحور أبرز أحداث السنة الأولى للهجرة التي توافق السنة الرابعة عشرة من النبوة، كزيادة ركعات الصلوات في الحضر ونزول أهل الصفة في المسجد ورعاية النبي صلى الله عليه وسلم لهم، بالإضافة إلى وفاة عدد من الأعيان كأسعد بن زرارة والبراء بن معرور وضمرة بن جندب وكلثوم بن الهذيل.
يستعرض هذا المحور تشاور الصحابة في وضع تقويم للأمة في عهد عمر بن الخطاب، واختيار الهجرة النبوية مبدأ للتاريخ ومحرم أول الشهور، مبيناً الأسباب التي دعت إلى اعتماد هذا التقويم الهجري الموحد.
يسلط هذا المحور الضوء على أحداث السنة الثانية للهجرة، بدءاً بمعاهدة النبي صلى الله عليه وسلم مع يهود المدينة ونقضهم لها وإسلام عبد الله بن سلام، مروراً بتشريع الأذان وفرض صوم رمضان ونسخ وجوب عاشوراء، وزواج علي بن أبي طالب بفاطمة رضي الله عنهما.
يختص هذا المحور بتفاصيل تحويل القبلة، حيث استقبل النبي صلى الله عليه وسلم بيت المقدس مدة ستة عشر شهراً بعد الهجرة، ثم أمر الله سبحانه وتعالى بتحويل الوجهة إلى الكعبة المشرفة لتكون قبلة المسلمين الدائمة.
الحمد لله بعدا كثيرا طيبا مباركا كثيرا. أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، قال الشيخ الإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب النجدي رحمه الله تعالى في كتابه "مختصر سيرة الرسول" صلى الله عليه وعلى آله وسلم: "قال: حوادث السنة الأولى". وهذا ينفع في فهم السيرة وحصر حوادثها، فمن المهم جدا في دراسة السيرة أن يتدرج الدارس في أحداث السيرة وفي تاريخها. فهنا العلماء مثلا يذكرون ما الذي حدث في السنة الأولى من الحوادث المعلومة المشهورة. قالوا: في السنة الأولى زيدت في صلاة الحضر ركعتان، فصارت أربع ركعات؛ لأنه كان في أول الأمر الصلاة مثنى مثنى لا تزاد على ركعتين. ففي السنة الأولى زيدت صلاة ركعتين في الحضر، فجعلت صلاة الظهر أربعا، وصلاة العصر أربعا، وصلاة العشاء أربعا، وصلاة المغرب ثلاثا. قال: وفيها نزل أهل الصفة المسجد، وكانت مكانا في المسجد ينزل فيه فقراء المهاجرين الذين لا أهل لهم ولا مال. فكان من لا أهل له ولا مال يجتمع في المسجد، ويقال لهم: أهل الصفة. وقد ذكر بعضهم أن عددهم كان قرابة البضعة والسبعين، لبضعة وسبعين مهاجرا يجتمع في المسجد ليس له بيت ولا مأوى ولا أهل. قال: وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يفرقهم في أصحابه إذا جاء الليل، ويتعشى طائفة منهم معه، حتى جاء الله بالغنى؛ لأنهم يحتاجون إلى طعام وشراب كما احتاجوا إلى السكن. وكانت الحال في أول الأمر شديدة؛ لأنه لم يكن هناك جهاد حتى يغنم المسلمون، فكانت الحال شديدة. فكان النبي عليه الصلاة والسلام يفرق بعضهم في أصحابه، في الواحد يأخذ جماعة وهو ما معه من الطعام، ويأخذه مع طائفة منهم في المسجد. فلما جاء الغنى، منهم من خرج وتزوج وصار له مأوى، ومنهم من بقي فينفق عليه من مال الفقراء والمساكين. قال: وهذه السنة الرابعة عشرة من النبوة هي الأولى من الهجرة كما تقدم، ومنها أرخ التاريخ؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام لبث ثلاث عشرة سنة في مكة، فلما هاجر كانت هذه السنة السنة الرابعة عشرة من النبوة: ثلاث عشرة سنة في مكة، وهذه السنة وهي الأولى من الهجرة. لأن الصحابة رضي الله تعالى عنهم أرخوا بهجرة النبي صلى الله عليه وسلم في عهد عمر. كان التاريخ السنوي ليس معلوما في أول الإسلام، فلما كان في خلافة عمر رضي الله تعالى عنه كتب إليه أبو موسى الأشعري: أنه يأتينا الكتاب وتأتينا الكتب من عندك وليس لها تاريخ. فجمع عمر رضي الله تعالى عنه أصحابه وشاورهم في هذا الأمر، أي في كتابة التاريخ. فمنهم من قال: أرخوا بما أرخت به الفرس، كانوا إذا هلك ملك من ملوكهم أرخوا بولاية من بعده، فكره الصحابة ذلك. ومنهم من قال: أرخوا بما أرخت به الروم، فكره الصحابة ذلك. ومنهم من قال: أرخوا بمبعثه عليه الصلاة والسلام، ومنهم من قال: بمولده، ومنهم من قال: بهجرته. فقال عمر رضي الله تعالى عنه: والهجرة فرقت بين الحق والباطل، أرخوا بها. فأرخوا بالهجرة، أرخوا بالهجرة، فأول سنة هاجر فيها النبي عليه الصلاة والسلام أرخوا به، فهو التاريخ الإسلامي، فهو التاريخ الإسلامي. ثم تشاور أرخوا مع أصحابه في ابتداء شهر السنة، من أي شهر يبتدئ؟ فمنهم من قال: من رمضان، لأنه الشهر الذي أنزل فيه القرآن. ومنهم من قال: من شهر ربيع الأول، لأنه الشهر الذي قدم فيه النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة. فقال عمر: أرخوا بشهر الله المحرم، ابتداء السنة شهر الله المحرم. قال: لأنه شهر حرام، ولأنه يلي شهر ذي الحجة، الشهر الذي يؤدي فيه المسلمون حج بيت الله الحرام، وبه تمام أركان دينهم، وبه تمام أركان دينهم، وهو الشهر الذي عزم فيه النبي عليه الصلاة والسلام على الهجرة وبايع فيه الأنصار. فأرخوا بشهر الله المحرم أن يكون أول السنة. قال: وتوفي فيها من الأعيان في السنة الأولى: أسعد بن زرارة، قبل أن يفرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من بناء المسجد. وتوفي البراء بن معرور في صفر قبل قدوم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة؛ لأن السنة تبتدئ من شهر الله المحرم، وصفر بعد محرم، فجعلوا موت البراء بن معرور في أول السنة الهجرية، والنبي عليه الصلاة والسلام إنما قدم المدينة في شهر ربيع الأول. قال: وتوفي البراء بن معرور في صفر قبل قدوم رسول الله صلى الله عليه وسلم في المدينة، وهو أول من مات من النقباء، يعني الذي يختاره قومه ليكون نائبا عنهم. قال: وفيها توفي ضمرة بن جندب، وكان قد مرض بمكة، فقال لبنيه: أخرجوا بي منها، يعني يريد أن يهاجر وهو مريض بعدما أمر النبي عليه الصلاة والسلام بالهجرة. قال: فخرجوا به يريد الهجرة، فلما بلغ ذات عرق أو التنعيم، يعني مواضع قبل المدينة، ماذا قبل المدينة؟ نعم، ماذا؟ فأنزل الله تعالى: ﴿وَمَن يَخْرُجْ مِن بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾. وهذا الحديث ذكره شيخنا الوادعي رحمه الله تعالى في كتابه "الصحيح المسند" من أسباب النزول، وقد مر معنا في دراسة هذا الكتاب. قال: وقُلب بن الهذيل الذي نزل عليه رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، يعني أول ما نزل المدينة، توفي في هذه السنة. قال: وفيها وادع رسول الله صلى الله عليه وسلم صالحا رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن بالمدينة من اليهود، وكتب بينهم كتابا. نعم، حتى يتفرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم لمن هو أعظم من ترتيب أمور دولته، بناء المسجد نحو ذلك. فلما نقضوا أو نقض هؤلاء العهد والصلح، أجلاهم النبي عليه الصلاة والسلام كما سيأتي معنا إن شاء الله. قال: قال: إسلام عبد الله بن سلام. قال: وَبَادَرَ عَالِمُ الْيَهُودِ وَحَبْرُهُمْ وَحَبْرُهُمْ وَيَجُوزُ وَحِبْرِهِمْ. قال: وَحَبْرٌ وَحِبْرٌ يَجُوزُ هَذَا وَهَذَا. قال: وَبَادَرَ عَالِمُ الْيَهُودِ وَحَبْرُهُمْ عبد الله بن سلام، فأسلم وأبى قومه إلا الكفر، أي اليهود الذين كانوا يسكنون المدينة، وهم قبائل: قينقاع، والنضير، وقريظة. فعبد الله بن سلام كان من علماء اليهود، وهم قد شهدوا له بذلك قبل أن يعلموا بإسلامه، فلما أسلم تنكروا. قال عبد الله بن سلام: ائتوني بهم، فأتوا، فقال: أنشدكم الله، هل تعلمون أنه صلى الله عليه وسلم من اليهود؟ قوم به، الحديث معروض. قال: وكانوا ثلاث قبائل، أي اليهود: قينقاع، والنضير، وقريظة. فنقض الثلاث العهد وحاربهم، ففرض على بني قينقاع، وأجلاء بني النضير، وقتل بني قريظة. هذا سيأتي مفصلا بالتفصيل إن شاء الله. قال: ونزلت سورة الحشر في بني النضير، وسورة الأحزاب في بني قريظة. قال: حوادث السنة الثانية. قالوا: في السنة الثانية رأى عبد الله بن زيد بن عبد ربه الأذان، فأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يلقيه على بلال. هذا الحديث في الصحيحين، وهو الأذان المعمول به اليوم. رأى هذا الأذان رؤيا منام. قال: وفيها فرض صوم رمضان، فرمضان فرض في السنة الثانية، ونسخ صوم عاشوراء، وبقي صوما مستحبا؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لما قدم المدينة وجد اليهود يصومون عاشوراء، فقال: ما هذا؟ قالوا: يوم صالح، نجى الله فيه موسى وقومه من فرعون وجنوده. فقال النبي عليه الصلاة والسلام: نحن أحق بموسى منهم، فصام عليه الصلاة والسلام وأمر بصيامه. فكان في أول الأمر صيام يوم عاشوراء واجبا، واجبا، ثم بعد ذلك نسخ وجوبه فصار مستحبا. قال: وفيها، أي في السنة الثانية، زوج رسول الله صلى الله عليه وسلم عليا فاطمة رضي الله عنهما، وأصلها أيضا في الصحيح. قال: وفيها صرف الله عز وجل القبلة عن بيت المقدس إلى الكعبة. لما قدم النبي عليه الصلاة والسلام للمدينة كان في أول الأمر جهة القبلة بيت المقدس، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحب أن تكون القبلة إلى البيت الحرام، فتحولت الكعبة. وسيذكر قصة تحويل الكعبة والبلاء الذي ابتلاه المسلمون من هذه الحادثة. فكان تحويل الكعبة في السنة الثانية، في السنة الثانية من الهجرة. فالنبي عليه الصلاة والسلام كما سيأتي معنا استقبل بيت المقدس لما هاجر إلى المدينة ستة عشر شهرا، سنة وأربعة أشهر، ثم جاء تحويل الكعبة كما سيأتي معنا إن شاء الله. نكتفي بها وإلى هنا، والله تعالى. تحويل تحويل تحويل تحويل