الدرس في شرح تطهير الإعتقاد 38، ألقاها
يتناول المقطع إشكاليات أفعال المجاذيب عند القبور وخطرها في إضلال الناس ووقوعهم في الشرك. يُبين أن هذه الأفعال قد تُعتبر كرامات زائفة بسبب قربهم من الضريح.
يُنبه الإمام الصنعاني إلى خطورة المجاذيب وضلالهم، ويشدد على أهمية النظر إلى عقيدة الشخص قبل الحكم عليه، ويبين أن بعض الكرامات قد تكون شيطانية.
يُفصل المقطع في كرامات الصوفية ويكشف أنها قد تكون نتيجة سحر أو خداع، مستشهدًا بمناظرة بين ابن تيمية وأحد شيوخ الرفاعية، ويُظهر أن بعض المدعين يستخدمون السحر لخداع الناس.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا. من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادى له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم أما بعد، قال الإمام العلامة محمد بن الأمير الصنعاني رحمه الله تعالى في كتابه «تطهير الاعتقاد»: قال رحمه الله تعالى: فإن قلت: قد يتفق للأحياء أو للأموات اتصال جماعة بهم يفعلون خوارق من الأفعال يتسمون بالمجاذيب، فما حكم ما يأتون به من تلك الأمور؟ فإنها مما جلبت القلوب إلى الاعتقادات. هذا سؤال، كما يقال يطرح نفسه، يعني بعد أن تقدم ما تقدم من بيان الشرك، وبيان كذلك شبه القبورية، يريدون إشكالًا، وهو ما ذكر هاهنا في قوله رحمه الله تعالى: قد يتفق للأحياء أو للأموات اتصال جماعة بهم يفعلون خوارق من الأفعال يتسمون بالمجاذيب. المجاذيب هؤلاء معروفون، هم الذين يخرجون في الحضارات ووقت الزيارات الشركية عند القبور، فتجدهم يضربون أنفسهم بالسكاكين، أو ربما يأكلون الجمر، أو يفعلون أشياء إذا رآها الجهال ظنوا أن تلك الأفعال من الكرامات التي أيد بها أولئك بسبب قربهم من ذلك الضريح، ومن ذلك الولي في ذلك الضريح، فيكون ذلك فتنة لمن رقى دينه وضعف عقله بسبب ما يرونه مما هو خارق للعادات. فبعضهم ربما تلتبس عليه الأمور بسبب ما يراه من فعل أولئك، فجاء هذا السؤال وهذا الإشكال في قولي: فإنها مما جلبت القلوب إلى الاعتقادات، أي أن القلوب الضعيفة وكذلك العقول الضعيفة لما ترى مثل هذه الأشياء تقول بأن هذه كرامات، وأن هؤلاء إنما جاءهم المدد وجاءهم كذلك القوة بسبب قربهم من ذلك الشيخ، استعانتهم بذلك الشيخ، استغاثتهم بذلك الشيخ المقبور، فيكون سببًا لوقوع غيرهم في الشرك بالله جل وعلا. قال الإمام الصنعاني رحمه الله تعالى: قلتم: أما المتسمون بالمجاذيب الذين يلوكون لفظ الجلالة بأفواههم ويقولونها بألسنتهم ويخرجونها عن لفظها العرب، فهم من أجناد إبليس، أي هم من جنود إبليس الذين جندهم إبليس. قال: ومن أعظم حمر الكون الذين ألبستهم الشياطين حلل التلبيس، فهم كما ذكر رحمه الله تعالى من أعوان الشياطين في إضلال الخلق، ومن جنود إبليس في إضلال الخلق وإبعادهم عن ربهم جل وعلا. فكيف يثقوا بهم من كان عنده أدنى مسكة عقل في كون أولئك بأنهم من أبعد الناس عن الله رب العالمين جل وعلا؟ إذ أن الكرامة ليس بأن يظهر الإنسان أشياء فيها ما يكون فيه معنى الخوارق، لأن مثل هذه الأشياء تكون كذلك على يد السحرة، ولا سيما في الأزمان السابقة. والله أعلم قد تكون في أزماننا هذا، لكن ما علمناها، ربما تجد أحدهم يطير في السماء أو يمشي على الماء، فمثل هذا إذا نظر إليه الناظر ظنها كرامة أكرمها الله جل وعلا لذلك الإنسان. أي أكرمه الله جل وعلا بها، لكن انظر إلى الأئمة العقال، إلى أئمة السنة والدين، ثبت أن قائلًا قال لإمام الشافعي رحمه الله تعالى: بأن الليث بن سعد رحمه الله وغفر له، إمام أهل مصر في زمانه، قال: لو رأيت رجلًا يطير في السماء فلا تحكم عليه حتى تنظر إلى حاله وعقده، أو كما قال، أي حتى تنظر إلى أحواله هل هي موافقة لسنة أم أنها مخالفة مناقضة لسنة محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. فماذا قال الشافعي رحمه الله؟ قال: رحم الله الليث بن سعد، قد قصَّر، بل لو رأيتهم يطيرون في السماء أو يمشون على الماء فلا تحكم عليه حتى ترى عقده، أي حتى ترى عقيدته وترى كذلك أحواله وترى استقامته، إن كان من أهل الاستقامة فهذه كرامة أكرمه الله جل وعلا بها. أما إذا كان من أهل الغواية، شيطانًا مريدًا والعياذ بالله، لا يسجد لله سجدة ولا يتقرب إلى الله جل وعلا بطاعة، فإن له الكرامة. فأشهد بأن هؤلاء المجاذيب حالهم هذه الحال، أي أن أحوالهم شيطانية، ومن لطيف ما ذكر ما ذكر من مناظرة شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى للطائفة الرفاعية، وهي طائفة من طوائف الصوفية ممن يدعون الكرامات ويغلون في ذلك. قال كبيرهم وشيخهم حينما لم يكن عنده حجة يدري بها بين يدي شيخ الإسلام رحمه الله: ماذا قال؟ قال: أوقدوا لي نارًا عظيمة سأدخلها. أوقدوا لي نارًا سأدخلها لأجل ماذا؟ لأجل أن يثبت أصحابه بأنهم على الحق وأنهم أصحاب كرامة. فماذا قال له شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله؟ قال لهم: لكن بشرط، قال: ما هو؟ قال له: أن تغتسل بماء دافئ وخل وذكر له بعض المواد الأخرى، قال: فإن فعلت ذلك ودخلتها والله لأدخلنها معك. شيخ الإسلام رحمه الله يقول له: إن فعلت ذلك واغتسلت بما أخبرتك به ودخلت النار وخرجت منها سالمًا والله لأدخلنها. قال: فلما سمع ذلك من شيخ الإسلام رحمه الله تعالى فما استطاع أن يفعل شيئًا، وكان ذلك بحضرة السلطان، فعلم السلطان بأنهم كذبة دجالون. فسأل شيخ الإسلام: لماذا قلت له اختسل بكذا وكذا؟ فقال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: قال: فإن هؤلاء يدهنون أجسامهم وأجسادهم بأدهان، وذكر له نوع تلك الأدهان مما تعزل النار، فهو يظهر الكرامة بهذا الاعتبار، يدهن جسده ببعض الدهانات، وذكر منها شيخ سنا فيما أذكر الآن وأنا بعيد عهد منها زيت الضفاضع وأشياء أخرى يدهن فيها، فيدخل في النار فلا تمسه النار. فأشهد من هذا أن هؤلاء أصحاب كرامات مدَّعاة، كذلك بعضهم ربما فعل مثل هذه الأفاعيل، فإذا دخل بينهم بعض أهل السنة والجماعة - وهذا حصل في وقائع أخبرنا بها بعض الأفاضل - أن في بعض الأمكن كان رجل من هؤلاء الذين يدعون الخوارق كان يدخل في جمل يدخل من قبل ويخرج من دبره، يقولون: هذه كرامة. فكان بعض الإخوان يقرؤون سورة البقرة فما استطاع أن يفعل شيئًا، لماذا؟ لأن ذلك يسحر أعين الناس، يسحر أعين الناس ويستخدم السحر. فصلى الله وسلم وبارك على نبيه الكريم وعلى آله وصحبه أجمعين.