الدرس في التعليقات على شرح العقيدة الطحاوية 60، ألقاها
يناقش الشارح معنى المتشابه في القرآن ويبين اختلاف العلماء في تفسير الحروف المقطعة، ويتناول موضوع التأويل الفاسد للقرآن والسنة.
يتناول التحذير من التأويلات التي تُبعد الكتاب والسنة عن دلالتهما الحقيقية، ويشير إلى خطورة مرض الشبهة في مسائل الصفات الإلهية.
يُعرّف الشيخ مفهوم الحاجة في سياق مخاطبة من لا يفهم المقصود إلا بهذا الأسلوب، ويوضح ذلك في الرد على المشبهة.
بسم الله الرحمن الرحيم قال الشارح ابن أبي العز رحمه الله تعالى: وقول الأصحاب رحمهم الله في الأصول المتشابه الحروف المقطعة في أوائل السور، ويروى هذا عن ابن عباس. مع أن هذه الحروف قد تكلم في معناها أكثر الناس، فإن كان معناها معروفا فقد عرف معنى المتشابه، وإن لم يكن معروفا وهي المتشابه، كان ما سواها معلوم المعنى، وهذا المطلوب. وأيضا فإن الله قال: ﴿منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات﴾، وهذه الحروف ليست آيات عند جمهور عادين. قوله رحمه الله تعالى: وقول الأصحاب رحمهم الله في الأصول، الأصحاب أي أصحاب أبي حنيفة، لأن ابن أبي العز رحمه الله تعالى حنفي من أتباع أبي حنيفة. وبعض أهل العلم عاب مثل هذا التعبير، عاب مثل هذا التعبير أن يقول: «قال الأصحاب» و«قولنا في المذهب» وما شابه ذلك. وعللوا ذلك بأن الكل مأمورون باتباع كتاب الله والسنة وما كان عليه السلف الأمة، وأن لا يكون لأحد إماما متبعا مطلقا دون غيره. على أن القائلين بمثل هذه العبارات يقولون بأنه يكون متبعا لإمام معين باعتبار الأصول لا باعتبار كل مسألة، باعتبار الأصول التي يبنى عليها المسائل أو تبنى عليها المسائل الفقهية. وربما خرجوا عن هذه المسائل أو بعض الفرعيات التي قال بها أئمتهم إذا كان الدليل على خلافه. فلذا سوغ من سوغ التعبير بمثل هذه التعبيرات لأجل هذا المعنى، أي أنه قال: «الأصحاب» أي الذين نحن وهم مشتركون في الأصول الواحدة عن الإمام الواحد، سواء كان الإمام أبو حنيفة أو أحمد أو مالك أو الشافعي، أصحاب الأئمة أو مذاهب الأربعة. وقوله رحمه الله تعالى: في الأصول، أي في أصول الفقه، أي في كتبهم من أصول الفقه. قال: «المتشابه» أي حينما يتكلمون على المتشابه في أصول الفقه. قال: «يعرفون» يقولون: «الحروف المقطعة في أوائل السور»، الحروف المقطعة في أوائل السور كقول الله جل وعلا: ﴿ألف لام ميم﴾، ﴿ألف لام را﴾، ﴿حاميم﴾، ﴿طاها﴾، ﴿ألف لام ميم را﴾، وما شابه ذلك من السور التي افتتحها الله جل وعلا بهذه الحروف المقطعة. يقول أن يقول: إن أصحابه من أتباع أبي حنيفة يقولون بأن الحروف المقطعة في أوائل السور، يعني يقولون بأن المتشابه الحروف المقطعة في أوائل السور. ومعنى المتشابه الذي لا يعلم معناه، لا الظاهر ولا الباطن. فقال رحمه الله تعالى: ويروى هذا عن ابن عباس، أي أنه ذكر نحو من هذا أن الحروف المقطعة من المتشابه الذي لا يعلمه إلا الله. قال: «مع أن هذه الحروف قد تكلم في معناها أكثر الناس»، يعني هذه الحروف قد تكلم في معناها جماعة كثيرة من العلماء رحمهم الله تعالى، تكلموا في تفسير وبيان معنى هذه الحروف المقطعة. فمنهم من قال: معناها كذا، ومنهم من قال: معناها كذا. ومن أشهر الأقوال القول الذي اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى، وصار عليه من بعده من تلاميذه كابن كثير وغيرهم. أن هذه الحروف ذكرها الله جل وعلا في أوائل السور ليدلل على أن القرآن العربي المنزل بين أيدينا هو من هذه الحروف والمعاني التي يعرفها العرب. فقال: «فإن كان معروفا»، قال: «فقد عرف معنى المتشابه»، أي من عرفه من أهل العلم. فيكون هذا المتشابه ها هنا متشابها اعتباريًّا إضافيًّا نسبيًّا، يعلمه بعض الناس دون بعض. قال: «وإن لم يكن معروفا»، أي إن لم يكن هذا الأمر معروفا في حقيقة الأمر، وإن قال به من قال. قال: «وهي المتشابه»، كان ما سواها معلوم المعنى، وهذا هو المطلوب. ثم قال رحمه الله تعالى: وأيضا فإن الله تعالى قال: ﴿منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات﴾، قال: «وهذه الحروف ليست آيات عند جمهور العادين»، إذن على القول بأن هذه من المتشابه، فهذا لا يعارض ما قاله الله جل وعلا: ﴿منه آيات﴾، لأن هذه ليست بآيات، وإنما هي حروف في آيات. وقوله رحمه الله: والتأويل في كلام المتأخرين من الفقهاء والمتكلمين هو صرف اللفظ عن الاحتمال الراجح إلى الاحتمال المرجوح لدلالة توجب ذلك. وهذا هو التأويل الذي تنازع الناس فيه في كثير من الأمور الخبرية والطلبية. فالتأويل الصحيح منه الذي يوافق ما دلت عليه نصوص الكتاب والسنة، وما خالف ذلك فهو التأويل الفاسد. وهذا مبسوط في موضعه. وقد ذكر في التبصرة أن نصير بن يحيى البلخي روى عن عمر بن إسماعيل بن حمد بن أبي حنيفة، عن محمد بن الحسن أنه سئل عن الآيات والأخبار التي فيها من صفات الله تعالى ما يؤدي ظاهره إلى التشبيه، فقال: «نمرها كما جاءت ونؤمن بها ولا نقول: كيف». والسند ليس بصحيح إلى محمد بن الحسن، وإن كان المعنى صحيحا. قال رحمه الله تعالى: ويجب أن يعلم أن المعنى الفاسد الكفري ليس هو ظاهر النص، ولا ما يفهمه بعض الناس، بل قد يفهم من النص ما هو خلاف الحق. فمن سوء قصده وفهمه، وأما كتاب الله جل وعلا وأما سنة رسوله صلى الله عليه وسلم فإنها مصانة عن الزلل وعن الخطأ وعن إيهام الباطل، لا من قريب ولا من بعيد. بل فيها الحق الواضح المبين لمن أراد الله جل وعلا له التوفيق والهداية إلى الصراط المستقيم. قال رحمه الله تعالى: فكيف يقال في قول الله الذي هو أصدق الكلام وأحسن الحديث، وهو الكتاب الذي أحكمت آياته ثم فصلت من لدن حكيم خبير: إن حقيقة قولهم أن ظاهر القرآن والحديث هو الضلال، وأنه ليس فيه بيان ما يصلح من الاعتقاد، ولا فيه بيان التوحيد والتنزيه. هذا حقيقة قول المتأولين باعتبار لازم ها هنا، وقد صرح به أئمتهم أو من أئمتهم من صرح بذلك بالنص. قال الصاوي في حاشيته على الجلالين: «إن ظاهر كتاب الله جل وعلا التشبيه والكفر». بهذا النص، إن ظاهر كتاب الله جل وعلا التشبيه والكفر. وقال الرازي كلاما معناه هو هذا المعنى، فقال: «في كتاب الله جل وعلا أمور يحتاج منا بسببها إلى أن نعرف ما هو المعنى المؤول الصحيح الذي به نستطيع أن نحمل عليه كلام الله جل وعلا». ما معنى هذا الكلام؟ هو معنى الكلام السابق: ظاهر الكفر، فيحتاج إلى أن ننظر معنى صحيحا يوافق كلام الله ويليق بكلام الله، لماذا؟ لأن هذا الكلام الظاهر ليس بحق، ولا يليق بكلام الله جل وعلا. وهذا من باطل هؤلاء، ومن سوء فهم هؤلاء، ومن سوء قصد هؤلاء، ومن خذلان الله رب العالمين لهؤلاء، إذ يظنون بالحق المبين والسراج المنير سواء كان كتاب الله جل وعلا أو نبيه صلى الله عليه وسلم، كتاب الله الذي فيه أفصح الكلام وأوضح الكلام وأبين الكلام وأحسن الكلام. يظنون فيه هذا الباطل، وكذلك قول في سنة رسوله صلى الله عليه وسلم، هو أفصح الخلق صلى الله عليه وسلم، يظنون بكلامه أنه لا يستطيع البيان، وإنما أتى بكلام موهم، بل أتى بكلام ظاهر الكفر، ظاهر التشبيه والباطل. وأي قدح في كتاب الله جل وعلا وفي سنة رسوله صلى الله عليه وسلم فوق هذا القادح؟ وللعلامة الشنقيطي رحمه الله تعالى كلام جيد لمن أراد الرجوع إليه عند الآية عند قول الله جل وعلا: ﴿منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات﴾ في سورة آل عمران، رد فيها على الصاوي وعلى الصاوي كلامه الباطل الفاسد المذكور سابقا. والحق أن ما دل عليه القرآن فهو حق، وما كان باطلا لم يدل عليه. والمنازعون يدعون دلالته على الباطل الذي يتعين صرفه. فيقال لهم: هذا الباب الذي فتحتموه، وإن كنتم تزعمون أنكم تنتصرون به على إخوانكم المؤمنين في مواضع قليلة خفية، فقد فتحتم عليكم بابا لأنواع المشركين والمبتدعين لا تقدرون على سده. فإنكم إذا سوقتم صرف القرآن عن دلالته المفهومة بغير دليل شرعي، فما الضابط فيما يسوق تأويله وما لا يسوق؟ فإن قلتم: ما دل القاطع العقلي على استحالته، تأولناه، وإلا أقررناه. قيل لكم: وبأي عقل نزل القاطع العقلي؟ فإن القرمطي الباطني يزعم قيام القواطع على بطلان ظواهر الشرع، ويزعم الفيلسوف قيام القواطع على بطلان حشر الأجساد، ويزعم المعتزلي قيام القواطع على امتناع رؤية الله تعالى، وعلى امتناع قيام علم أو كلام أو رحمة به تعالى. وباب التأويلات التي يدعي أصحابها وجوبها بالمعقولات أعظم من أن تنحصر في هذا المقام. ويلزم حينئذ محذوران عظيمان. أحدهما: ألا نقر بشيء من معاني الكتاب والسنة حتى نبحث قبل ذلك بحوثا طويلة عريضة في إمكان ذلك بالعقل. والأمر الثاني: أن القلوب تتخلى عن الجزم بشيء مما أخبر به الرسول، إذ لا يوثق بأن الظاهر هو المراد، والتأويلات مضطربة. فيلزم عزل الكتاب والسنة عن الدلالة والإرشاد إلى ما أنبأ الله به العباد، وخاصة النبي، هي الإنباء، والقرآن هو النبأ العظيم. ولهذا نجد أهل التأويل إنما يذكرون نصوص الكتاب والسنة للاعتضاد لا للاعتماد، إن وافقت ما ادعوا أن العقل دل عليه قبلوه، وإن خالفته أولوه. وهذا فتح باب الزندقة. قال رحمه الله: ومن لم يتوقع النفي والتشبيه زل ولم يصب التنزيه. قال: «النفي والتشبيه مرضان من أمراض القلوب». فإن أمراض القلوب نوعان: مرض شبهة ومرض شهوة، وكلاهما مذكور في القرآن. قال تعالى: ﴿فلا تخضعن بالقول فيطمع الذي في قلبه مرض﴾، فهذا مرض الشهوة. وقال تعالى: ﴿في قلوبهم مرض فزادهم الله مرضا﴾، وقال تعالى: ﴿أملى الذين في قلوبهم مرض فزادتهم رجسا إلى رجسهم﴾، فهذا مرض الشبهة. قال: «وهو أردأ من مرض الشهوة»، إذ مرض الشهوة يرجى له الشفاء بقضاء الشهوة، ومرض الشبهة لا شفاء له إن لم يتداركه الله برحمته. والشبهة التي في مسألة الصفات: نفيها وتشبيهها. وشبهة النفي أردأ من شبهة التشبيه، فإن شبهة النفي رد وتكذيب لما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم، وشبهة التشبيه غلوا ومجاوزة للحد فيما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم. وتشبيه الله بخلقه كفر، لأن الله تعالى يقول: ﴿ليس كمثله شيء﴾، ونفي الصفات كفر، لأن الله تعالى يقول: ﴿وهو السميع البصير﴾. قال الإمام الطحاوي رحمه الله: «فإن ربنا جل وعلا موصوف بصفات الوحدانية، منعوت بصفات الفردانية، ليس في معناه أحد من البرية». قال الشارح رحمه الله: يشير الشيخ رحمه الله إلى تنزيه الرب تعالى بالذي هو وصفه، كما وصف نفسه: نفيا وإثباتا. وكلام الشيخ مأخوذ من معنى سورة الإخلاص. فقوله: «موصوف بصفات الوحدانية» مأخوذ من قوله تعالى: ﴿قل هو الله أحد﴾، وقوله: «منعوت بصفات الفردانية» من قوله تعالى: ﴿الله الصمد﴾، وقوله: «ليس في معناه أحد من البرية» من قوله تعالى: ﴿ولم يكن له كفوا أحد﴾. قال رحمه الله: وليس كمثله شيء، أكمل في التنزيه من قوله: «ليس في معناه أحد من البرية»، تعالى عن الحدود والغايات والأركان والأعضاء والأدوات، لا تحويه الجهات الست كسائر المبتدعات. قال الشارح رحمه الله: أذكر بين يدي الكلام على عبارة الشيخ رحمه الله مقدمة، وهي أن الناس في إطلاق مثل هذه الألفاظ ثلاثة أقوال: وطائفة تنفيها، وطائفة تثبتها، وطائفة تفصل، وهم المتبعون للسلف. فلا يطلقون نفيها ولا إثباتها إلا إذا تبين ما أثبت بها فهو ثابت، وما نفي بها فهو منفي. لأن المتأخرين قد صارت هذه الألفاظ في اصطلاحهم فيها إجمال وإبهام، كغيرها من الألفاظ الاصطلاحية. فليس كلهم يستعملها في نفس معناها اللغوي. ولهذا كان النافون ينفون بها حقا وباطلا، ويذكرون عن مثبتيها ما لا يقولون به. وبعض المثبتين لها يدخلون لها معنى باطلا مخالفا لقول السلف ولما دل عليه الكتاب والميزان. ولم يرد نص من الكتاب ولا من السنة بنفيها ولا إثباتها. وليس لنا أن نصف الله بما لم يصف به نفسه، ولا وصفه به رسوله: نفيا ولا إثباتا. وإنما نحن متبعون لا مبتدعون. فالواجب أن ينظر في هذا الباب -أعني باب الصفات- فما أثبته الله ورسوله أثبتناه، وما نفاه الله ورسوله نفيناه. والألفاظ التي ورد بها النص يعتصم بها في الإثبات والنفي. فنثبت ما أثبته الله ورسوله من الألفاظ والمعاني، وننفي ما نفاه نصوصهما من الألفاظ والمعاني. وأما الألفاظ التي لم يرد نفيها ولا إثباتها، فلا تطلق حتى ينظر في مقصود قائلها. فإن كان معناها صحيحا قبل، لكن ينبغي التعبير عنها بالألفاظ النصوص دون الألفاظ المجملة إلا عند الحاجة، مع قرينة تبين المراد. والحاجة مثل أن يكون الخطاب مع من لا يتم المقصود معه إن لم يخاطب بها، ونحو ذلك. والشيخ رحمه الله أراد الرد بهذا الكلام على المشبهة.