الدرس في كتاب الحج 18، ألقاها
تناول المقطع الأول مسائل متعلقة بالأضحية، حيث ناقش جواز التضحية بالخصي والبهائم ذات العيوب الطفيفة، وبيّن كيفية تعيين الأضحية بالنية أو اللفظ. المقطع قدم آراء مختلف أهل العلم في هذه المسائل.
ناقش المقطع الثاني حكم الأضحية إذا أصابها عيب بعد تعيينها، حيث أشار إلى أنها تجزئ عند جماهير العلماء إذا لم يكن هناك تفريط أو تعد من صاحبها، مع بيان مسؤولية صاحبها إذا حصل منه تفريط أو تعد.
المقطع الثالث تحدث عن وقت ذبح الأضحية، مبيناً أنه يبدأ بعد صلاة العيد لمن صلاها، وبعد طلوع شمس يوم العيد لمن لم يصلها، ويستمر حتى غروب آخر أيام التشريق، مع الإشارة إلى خلاف الفقهاء حول بداية وقت الأضحية.
تم في المقطع الأخير ختام الدرس بالدعاء والتسبيح، وتأجيل التعقيب على إحدى الفقرات إلى درس قادم.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله حمدا كثيرا مباركا فيه، كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. ثم أما بعد، أخذنا في الدرس الماضي الكلام على العيوب المؤثرة. وكما مضى معنا فيما مضى أن القول الراجح من أقوال أهل العلم أن العيوب المعتبرة هي ما جاءت في حديث البراء بن عازب رضي الله عنهما، وما كان أولى منها، وما كان كذلك في معناها. بقي هناك مسائل كذلك متعلقة بهذه المسألة. من هذه المسائل: هل يجوز التضحية بالخصي؟ يعني هل الخصي عيب أم ليس بعيب؟ وهل يجوز التضحية بالخصي أم لا؟ والجواب: أنه يجوز التضحية بالخصي؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم ضحى بكبشين موجوءين، كما في الصحيحين من حديث أنس رضي الله عنه. ولأن الإخصاء إذهاب عضو غير مستطاب، يطيب اللحم بذهابه ويكثر ويسمن. والإمام ابن قدامة رحمه الله تعالى في المغني يقول: «ولا نعلم فيه خلافا أن يجوز أن يضحي بالخصي، أي الموجوء الخصي الذي قد ذهبت خصيته، إما بقرء وإما بقطع، وإما بغير ذلك». والناس لهم طرائق في إخصاء البهائم، لهم طرق مختلفة متعددة. فالشاهد أنه يجوز. وكما ذكر أن المسألة لا يعلم فيها خلاف. ومن المسائل كذلك المتعلقة بمسألة العيوب: أنه يجزئ -يعني تجزئ كذلك- الجماء، وهي التي لم يخلق لها قرن. جماء لم يخلق لها قرن، يجوز أن يضحى بها. وكذلك الصمعاء، وهي الصغيرة الأذن، كذلك يجوز أن يضحى بها. وكذلك البتراء، وهي التي لا ذنب لها، سواء كانت خلقة أو مقطوعا، على الصحيح من أقوال أهل العلم رحمهم الله تعالى. وبعضهم ذكر في ذلك حديثا جاء عن أبي سعيد رضي الله عنه وأرضاه: أنه اشترى أضحية، فعدا الذئب عليها، فأكل إليتها أو من إليتها، فاستفتى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال له: «ضح بها». قال له: «ضح بها، فإنه لا يضره» أو كما قال صلى الله عليه وسلم في الحديث المروي عنه. والحديث لا يصح؛ لأنه من طريق جابر بن يزيد الجعفي، وهو ضعيف جدا. فالحديث ضعيف جدا. لكن من حيث المعنى يجوز؛ لأن الإلية لا تؤثر في اللحم، ولا يسيء، خاصة بعد أن أوجب. وهذه المسألة تجرنا إلى مسألة أخرى. يعني انتهينا من المسألة الأولى: أن الأضحية إن قطعت إليتها فإنها مجزئة. وعلى هذا -كما سمعتم- أكثر أهل العلم رحمهم الله تعالى. يعني كما سمعتم أن هذه المسألة تجرنا إلى مسألة أخرى: ما هي هذه المسألة الأخرى؟ المسألة الأخرى: إذا أوجب أو عين الإنسان أضحية سالمة من العيوب، عين أضحية سالمة من العيوب، ثم طرأ عليها عيب. يعني مثال ذلك: رجل اشترى أضحية وعينها. وهذه المسألة -كما يقال- داخلها مسألة أخرى. المسألة الأخرى: وهي بماذا يحصل التعيين للأضحية؟ يعني أن نأخذ هذه المسألة، ثم نفرع عنها، ونذكر مسألة أخرى. يعني: بماذا يحصل تعيين الأضحية؟ العلماء رحمهم الله تعالى في هذه المسألة ذكروا قولين. القول الأول: أنه يعين باللفظ، يعين باللفظ بأن يقول: «هذه أضحية» أو «هذه أضحية لله» أو ما شابه ذلك من الألفاظ الدالة على هذا المعنى. قالوا: فمتى عينها باللفظ فهي أضحية. أما إذا لم يعينها باللفظ، وإنما بالنية، فليست بأضحية. هذا قول. والقول الآخر: قالوا: إذا اشتراها بنية الأضحية، إذا اشتراها بنية الأضحية، وإن لم يتلفظ بأنها أضحية، فإنها أضحية. وهذا القول هو قول مالك وأبي حنيفة رحمهم الله تعالى، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله. وهو الأظهر؛ أي أن الإنسان إذا ذهب إلى السوق، لأجل أن يشتري الأضحية، فإذا اشترى تلك الأضحية، فإنها تكون أضحية، وإن لم يقل: «هذه أضحية» لفظا. والقول الأول ذهب إليه الإمام أحمد والشافعي. لكن القول الثاني -كما سمعتم- هو الأقرب والأظهر للقواعد العامة في العقود: وأن العقود تتم بالنية مع القرائن. والأمر ها هنا كذلك. إذن يحصل التعيين للأضحية إما باللفظ -يعني إن كان إنسان عنده مثلا غنم كثيرة- فيقول: «هذه» يعين واحدة منها، يقول: «هذه أضحية». إذا عينها تكون هذه أضحية بتعيين اللفظ. أو يأتي بلفظ هو بمعنى هذا التعبير، يقول مثلا: «هذه لله عز وجل»، «هذه خلاص نخرجها ليوم الأضحى»، «هذه حق يوم الأضحى». المهم: عبارة تدل على ماذا؟ على أنه أراد بهذه الشاة أنها أضحية. فمتى عينها فهذه تكون أضحية. واضح. هذه المسألة تجرنا إلى مسألة أخرى، وهي: إذا عين الأضحية، ثم حصل وطرأ على هذه الأضحية عيب. يعني كانت سليمة، ثم طرأ عليها عيب. مثال ذلك: سقطت فانكسرت رجلها، فصارت لا تستطيع أن تلحق بأخواتها، أو فوقئت عينها وظهر ذلك العور فيها، أو ما شابه ذلك. فما الحكم في هذه الأضحية؟ الجواب: كذلك هذه المسألة مما وقع فيها الخلاف بين العلماء. والذي عليه جماهير العلماء: بأنها مجزئة؛ لأنه حينما عينها، وقال: «هذه أضحية»، نوى أنها أضحية يتقرب بها إلى الله جل وعلا. فبهذه النية وبهذا التعيين صارت هذه أضحية لله عز وجل، وصارت عند هذا الرجل إنما هي أمانة. صارت عند هذا الرجل الذي يريد أن يضحي، صارت عنده إنما هي إيش؟ إنما هي أمانة؛ لأنه عينها أنها أضحية لله عز وجل. لذا لا يجز له أن يبيعها، ولا يجز له كذلك أن يستبدلها بغيرها على الصحيح، خاصة إن كانت دونها أو مثلها. وإنما وقع الخلاف -يعني- في المثلية وفي الأفضل. فلماذا قال العلماء: لا يجزئ؟ قالوا: لأنها خرجت من ذمته بمجرد التعيين، خرجت من ذمته، وصارت ماذا؟ صارت حقا لله جل وعلا. وإنما هو أمين عليها. فمتى وقع فيها -طرأ عليها عيب- من غير تفريط منه، من غير تفريط أو تعد منه، فإنها مجزئة. مجزئة يذبحها على هيئتها. واضح. القاعدة: أن الأمين إذا لم يفرط فلا شيء عليه. طيب. إن حصل منه تفريط أو حصل منه تعد، تفريط بأن يكون مثلا تركها في الليل ترعى، فعد عليها الذئب. أو تعد بأن يكون مثلا حمل عليها شيئا ثقيلا لا تستطيع أن تحمله، فهلكت أو انكسر ظهرها أو رجلها أو ما شابه ذلك. فالقاعدة كذلك: أن الأمين قوله معتبر، وذمته تبرأ ما لم يحصل منه إفراط أو تعد. فإن حصل منه إفراط أو تعد، حصل منه إفراط، حصل من الأمين إفراط أو تعد، فإنه يكون ضامنا. والضمان -كما ذكر العلماء رحمهم الله تعالى- يعني في الضمان ذكروا مسألة: مسألة إن تلفت الأضحية بتعد أو تفريط. واضحة. الجماعة: المسألة الآن الأخيرة: إيش هي؟ بأن الأمين -بأن الأضحية التي عينها صاحبها- عينها صاحبها، إن حصل لها عيب وطرأ عليها عيب من غير تعد ولا تفريط، فإنها مجزئة له أن يذبحها، ولو كان فيها ذلك العيب الذي طرأ عليها بعد أن كانت سليمة. واضح. يا إخوان، الآن نتصور مسألة كما مر معنا في الدرس الماضي: يشترط في الأضحية أن تكون سليمة من العيوب. رجل اشترى بهيمة -نقول شاة- اشترى شاة سالمة من العيوب، اشتراها مثلا في الأول من ذي الحجة، في خمسة ذي الحجة، وقع لها عيب -انكسرت رجلها، فقعت عينها أو ما شابه ذلك- من غير إفراط ولا تعد. واضح. الجماعة: ما الحكم في هذه الأضحية؟ الجواب: أنه له أن يذبحها، وهي أضحية صحيحة. والعيب إنما هو طارئ. العيب إنما هو ماذا؟ طارئ. فيجزئه أن يضحي بهذه الأضحية؛ لأنه بتعيينه لهذه الأضحية صارت الأضحية لله جل وعلا، وصار هو إنما إيش؟ أمينا عليها. واضح يا أخوة أم لا؟ وأما إن حصل منه تفريط أو حصل منه تعد، فإنه يكون ماذا؟ يكون ضامنا. يكون ضامنا. ثم تأتي عندنا مسألة أخرى: من حصل منه هذا الأمر؟ أي تعد أو فرط حتى تلفت تلك الأضحية، فماذا عليه؟ ماذا عليه؟ ذكر بعض أهل العلم أنه عليه القيمة، عليه القيمة قيمة تلك الأضحية يوم أن تلفت. وذهب بعض أهل العلم إلى أنه عليه المثلية، أي أن يأتي بمثلها، أن يأتي بمثلها. والأظهر -والله أعلى وأعلم- وهو مستفاد من تعليل كلا الفريقين: أن الأظهر في هذه المسألة أن عليه الأولى والأفضل، الأولى والأفضل. فإن كانت القيمة أفضل -بمعنى أن قيمتها التي تلفت فيها تساوي هذه القيمة- أن يشتري مثلها وأفضل، القيمة ها هنا مقدمة. وإن كانت القيمة دونها -يعني لا يستطيع أن يشتري بها مثلها أو أفضل- فيرجع إلى ماذا؟ إلى المثلية، يشتري مثلها، يشتري مثلها. وهذا هو الأصل في ماذا؟ في الضمانات. ولا سيما أنها لها مثل. فهذا هو الأظهر من كلام العلماء رحمهم الله تعالى في هذه المسألة. طيب. عندنا مسألة أخرى: إذا لم يعين الأضحية. إذا لم يعين الأضحية، رجل عنده عدة -يعني عنده عدة شياه- يقول: «سأضحي بإذن الله عز وجل»، سأضحي بإذن الله عز وجل في نيته. ويقول: «الحمد لله شياه كثيرة»، «متى ما يسر الله عز وجل سأضحي بواحدة». ثم جعل ينظر إلى واحدة فلم يعينها لفظا، لم يعينها لفظا، ثم تلفت أو حصلها عرج أو عور أو ما شابه ذلك. فهل له أن يضحي بها؟ هيا يا جماعة. الجواب: لا يضحي بها؛ لأنها ما زالت في ماذا؟ إن أراد أن يضحي، فالواجب عليه -كما مر معنا- أن تكون سالمة من العيوب، أن تكون سالمة من العيوب. وهو في هذه الحالة ليست بسالمة من العيوب. إذن قبل التعيين يجب أن تكون سالمة من العيوب. بعد التعيين إن لم يكن بتعد ولا تفريط، لا بأس أن يذبحها على حالها. وإن وقع منه ما وقع من التخصيص -يعني إن وقع منه ما وقع- إن وقع منه تعد أو تخصير، يضمن. أما إذا لم يقع منه تعد أو تخصير، يذبحها على حالها. والله تعالى أعلى وأعلم. طيب. هذه -كما سمعتم- جملة من المسائل المتعلقة بمسألة العيوب الطارئة. فننتقل بإذن الله عز وجل إلى غيرها من المسائل. المسألة الرابعة: قالوا: وقت ذبح الأضحية. قالوا: يبتدئ وقتها من بعد صلاة العيد لمن صلاها، ومن بعد طلوع شمس يوم عيد الأضحى بمقدار ما يتسع لركعتين وخطبتين لمن لم يصلها. لحديث البراء بن عازب رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من صلى صلاتنا ونسك نسكنا، فقد أصاب النسك. ومن ذبح قبل أن يصلي، فليعد مكانها أخرى». طيب. هذه المسألة كذلك من المسائل التي وقع فيها الخلاف بين الفقهاء وبين العلماء رحمهم الله تعالى. وهي متى يبتدئ أول وقت الأضحية؟ أي ذبح الأضحية. فمن العلماء من قال: إنه يبتدئ وقتها -يعني بدخول يوم الأضحى- بدخول يوم الأضحى. متى دخل يوم الأضحى فإنه يجزئ أن يذبحها، سواء صلى أم لم يصل. وهؤلاء يعللون ذلك بأمور من هذه التعاليل. وهذا القول لأبي حنيفة. وعللوا هذا القول بأنهم قالوا: بأن أصحاب البوادي والأماكن البعيدة لا تجب عليهم صلاة العيدين. ومثل هؤلاء لهم أن يذبحوا متى شاءوا. وإذا جاز في هؤلاء، جاز في ماذا؟ جاز في غيرهم. وذهب جماهير العلماء رحمهم الله تعالى إلى القول: بأنهم يذبحون بعد الصلاة. ووقع خلاف في هذا الأمر. أي من قال: بأنه لا يجزئ. ثم وقع بينهم خلاف: في ما هو المجزئ وما هو المعتبر؟ هل المعتبر وقت الصلاة والخطبة لمن لم يصلها؟ أم أن المعتبر وقت الصلاة فقط دون الخطبة؟ أم أن المعتبر بأن يصلي الإنسان ثم ينحر؟ أم أن المعتبر بأن يصلي الإمام وينحر الإمام؟ فإذا صلى الإمام ونحر الإمام نحر. أقوال لأهل العلم. والفيصل في هذا هو ما جاء في هذا الحديث: في حديث البراء بن عازب رضي الله عنه وأرضاه. وهو قوله صلى الله عليه وسلم: «من صلى صلاتنا ونسك نسكنا، فقد أصاب النسك. ومن ذبح قبل أن يصلي». تأمل هذا اللفظ: «من ذبح قبل أن يصلي». قال: «فليعد مكانها أخرى». فالنبي صلى الله عليه وسلم جعل الأمر وقيد الأمر بماذا؟ بالصلاة. فمتى صلى وصلى المسلمون، جاز لهم الذبح. هذا هو الصحيح من أقوال أهل العلم في هذه المسألة. والله تعالى أعلى وأعلم. قالوا: ويستمر وقتها إلى غروب آخر أيام التشريق. لحديث جيعير بن مطعم رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «كل أيام التشريق ذبح». والوقت قد انتهى. ونؤجل التعقيب على هذه الفقرة بإذن الله عز وجل إلى درس لاحق. إلى هنا، سبحانك اللهم وفي حمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليه.