الدرس في التبيان في آداب حملة القرآن 47، ألقاها
أجمع العلماء على استحباب تحسين الصوت بالقرآن، واستدلوا بأحاديث نبوية تشجع على ذلك. تحسين الصوت بالقراءة مستحب وندب إليه الشرع.
يستحب تحسين الصوت بالقراءة ما لم يخرج عن حدها بالتمطيط، فإن أفرط فيه حتى زاد حرفًا أو أخفاه كان ذلك حرامًا. القراءة بالألحان لها تفصيل عند الشافعية.
القراءة بالألحان إذا جاوزت الحد كرهت، وإلا فلا. يفرق بين القراءة التي تخرج عن صيغة القرآن وتعتبر حرامًا، وبين القراءة التي تحسن الصوت دون إخراج عن الصيغة الأصلية وتعتبر مباحة.
يُنهي النص بالدعاء والبركة ويظهر الاحترام والتقدير للنبي والآل والصحابة. يُوجّه للصلاة على النبي محمد صلى الله عليه وسلم وعلى آله وصحبه.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا. من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم أما بعد، قال النووي رحمه الله تعالى في كتابه «التبيان في آداب حملة القرآن»: فصل في استحباب تحسين الصوت بالقراءة. قال رحمه الله تعالى: أجمع العلماء رضي الله عنهم من السلف والخلف، من الصحابة والتابعين ومن بعدهم من علماء الأمصار أئمة المسلمين، على استحباب تحسين الصوت بالقرآن. وأقوالهم وأفعالهم في نهاية الشهرة، فنحن مستغنون عن نقل شيء من أفرادها. ودلائل هذا من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم مستفيدة عند الخاصة والعامة، كحديث: «زينوا القرآن بأصواتكم»، وحديث: «لقد أوتيت مزمارًا»، وحديث: «ما أذن الله»، وحديث: «لله أشد أذنًا، لله أشد أذنًا». وقد تقدمت كلها في الفصل السابق. قال: وقد تقدم في فصل الترتيل حديث عبد الله بن مغفل في ترجيع النبي صلى الله عليه وسلم القراءة، وكحديث سعد بن أبي وقاص، وحديث أبي لبابة رضي الله عنهما: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من لم يتغن بالقرآن فليس منا». رواهما أبو داود بإسنادين جيدين، وفي إسناد سعد اختلاف لا يضر. قال الجمهور: معنى «لم يتغن» لم يحسن صوته، أي لم يحسن صوته بالقراءة. وهذا هو الشاهد من الأحاديث السابقة: «زينوا القرآن بأصواتكم»، وقوله صلى الله عليه وسلم لأبي موسى: «لقد أوتيت مزمارًا من مزامير آل داود». وكان حسن الصوت، أبو موسى الأشعري رضي الله عنه وأرضاه، كان حسن الصوت حتى قال له النبي صلى الله عليه وسلم هذه المقالة. قال: فقال له لو رأيتني وأنا أسمع إلى قراءتك البارحة. وجاء في بعض الرواية أنه قال: لو علمت بذلك يا رسول الله لحبرته لك تحبيرًا -أو كما قال- أي لجمل القراءة، لجمل القراءة؛ لأن ذلك كان مما يحبه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهو يحب ما يحب رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال رحمه الله تعالى: قال جمهور العلماء معنى «لم يتغن» لم يحسن صوته، فدل هذا الحديث، وكذلك دلت الأحاديث السابقة على استحباب تحسين الصوت بقراءة القرآن، وأن هذا الأمر من الأمور المستحبة التي ندب إليها الشرع. قال: وحديث البراء بن عازب رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ في العشاء ﴿والتين والزيتون﴾، قال: فما سمعت أحدًا أحسن صوتًا منه -أي من رسول الله صلى الله عليه وسلم- رواه البخاري ومسلم. هو الشاهد: ما رأيتم أو ما سمعت أحسن... ما سمعت أحدًا أحسن صوتًا منه، أي من رسول الله صلى الله عليه وسلم. ففيه استحباب تحسين الصوت بالقراءة، وأن هذا الأمر كان معلومًا من فعل النبي صلى الله عليه وسلم، كما أنه معلوم من أقواله وحثه على ذلك صلى الله عليه وسلم. قال رحمه الله تعالى: قال العلماء رحمهم الله: فيستحب تحسين الصوت بالقراءة وتزيينها، ما لم يخرج عن حد القراءة بالتمطيط. فإن أفرط حتى زاد حرفًا أو أخفاه فهو حرام. هذا التنبيه الأول. يعني: بعد أن ذكر الإمام النووي رحمه الله تعالى ما ذكر من استحباب تحسين الصوت بالقراءة، ذكر أو نبه على خطأ يقع فيه كثير من الناس ممن يظن أن تحسين القراءة هو التمطيط المخرج للقراءة عن حقيقتها وعما أنزلت. وهذا للأسف حال كثير من الجهال من القراء، فكثير من القراء أشد ما يعتنون بأصواتهم، لا ينظرون إلى تلك الأصوات: هل هي موافقة لما أراده الشرع أم أنها خرجت عن المقصود الشرعي؟ المقصود الشرعي أن يحسن الإنسان صوته بالقراءة ما استطاع إلى ذلك سبيلًا، لكن بحيث لا يخرج الكلمات عن معانيها إما بزيادة وإما بنقصان. فإن حصل منه ذلك كما هو حال بعض الناس يقرأ القراءة، فإذا سمعه معتدل الطباع فضلًا عن أهل الإيمان ممن عندهم نصيب من معرفة ألفاظ القرآن، يشمئز من تلك القراءة الفاحشة التي تدل على أن صاحبها أعظم ما اعتنى به هو جذب الأسماع إليه بالأصوات، وإن خرج عن معنى القراءة وعن حقيقتها، فهذا محرم، وهذا منكر. قال: وأما القراءة بالألحان، فقد قال الشافعي رحمه الله تعالى في موضع: أكرهها، وقال في موضع: لا أكرهها. قال أصحابنا -أي من الشافعية- يقول النووي: قال أصحابنا: ليست على قولين، أي ما ذكر عن الشافعي ليس هو قولان للشافعي، ليس هو عبارة عن قولين للشافعي، وإنما هو قول باعتبارين. قال أصحابنا: ليست على قولين، بل فيه تفصيل. فإن أفرط في التمطيط فجاوز الحد، فهو الذي كرهه -أي كرهه الإمام الشافعي رحمه الله- وإن لم يجاوز فهو الذي لم يكرهه. فالأمر كما ذكر: إن جاوز هذا مكروه، إن خرج عن حد المجاوزة بأن زاد حرفًا أو نقص حرفًا وقع في الحرام، وقع في الحرام. قال: وأما أقضى القضاء في كتاب «الحاوي»: وأراد بذلك الماوردي رحمه الله قال: القراءة بالألحان موضوع للأغاني، إن أخرجت لفظ القرآن عن صيغته بإدخال حركات فيه أو إخراج حركات منه، أو قصر ممدود أو مد مقصور، أو تمطيط يخفى به اللفظ أو يلتبس به المعنى، فهو حرام. هذا تفصيل دقيق من هذا الإمام رحمه الله، قال: هو حرام، يفسق به القارئ، ويأثم به المستمع أين استمع لتلك القراءة، وهذا حالها فهو آثم؛ لأنه يكون مستمعًا للزور وللمنكر؛ لأن الواجب النهي عن مثل هذا. قال: لأنه عدل به عن نهجه القويم إلى الإعوجاج، والله تعالى يقول: ﴿قرآنًا عربيًا غير ذي عوج﴾. قال: وإن لم يخرجه اللحن عن لفظه وقراءته على ترتيبه كان مباحًا؛ لأنه زاد بألحانه في تحسينه. قال: وهذا القسم الأول من القراءة بالألحان محرمة، مصيبة تلحق بها بعض العوام والجهلة والطغام -أي الظلمة- الذين يقرأون على الجنائز، وفي بعض المحافل على الجنائز -أي بأجرة- أو في المحافل كذلك بأجرة -كما في بعض البلاد الإسلامية- إذا مات عندهم الميت استأجروا من يقرأ لهم، وكذلك في وقت المحافل يستأجرون من يقرأ لهم، وربما مطمط في القراءة حتى أخرجها عن أصلها. قال: ويأثم كل قادر على إزالتها وعلى النهي عنها إذا لم يفعل ذلك. وقد بذلت فيها بعض قدرتي، وأرجو من فضل الله الكريم أن يوفق لإزالتها من هو أهل لذلك، وأن يجعله في عافية. وهي يدلنا على أن النووي رحمه الله تعالى كان ممن ينهى عن مثل تلك الأفعال. قال الشافعي في «مختصر المزني» رحمه الله تعالى: ويحسن صوته بأي وجه كان. قال: وأحب ما يقرأ: حذرا وتحزينًا. قال أهل اللغة: يقال: حذرت القراءة إذا أدرجتها ولم تمططها، ويقال: فلان يقرأ بالتحزين إذا أرق صوته بالتحزين -أي بصوت حزين- إذا أرق صوته. وقد روى ابن أبي داود بإسناده عن أبي هريرة رضي الله عنه: أنه قرأ ﴿إذا الشمس كورت﴾ فحزنها شبه الرثاء. وفي سنن أبي داود: وقيل لابن أبي مليكة: أرأيت إذا لم يكن حسن الصوت؟ قال: يحسنه ما استطاع. ومعنى هذا أنه لا يكلف الله نفسًا إلا وسعها، كل يحسن صوته بما استطاع، ولا يخرج بذلك التحسين عن المقصود المطلوب من القراءة. والله تعالى أعلم. وصلى الله وسلم وبارك على نبيه الكريم، وعلى آله وصحبه أجمعين.