الدرس في التبيان في آداب حملة القرآن 70، ألقاها
النصيحة لكتاب الله تشمل الإيمان به وتعظيمه وتلاوته حق تلاوته والعمل بمحكمه. تتضمن أيضًا تفهم علومه والاعتبار بمواعظه والتفكر في عجائبه.
تعظيم القرآن واجب على كل مسلم، ويتضمن تدبره والعمل بمقتضاه والإيمان بأخباره. المسلمون أجمعوا على وجوب تعظيم القرآن وتنزيهه.
من استخف بالقرآن أو جحد حرفًا منه فهو كافر بإجماع المسلمين. وكذلك من جحد التوراة والإنجيل أو كفر بها فهو كافر.
من لعن المصحف بقصد لعن القرآن فهو كافر ويقتل، أما إذا قصد لعن المعلم فإنه يؤدب. الحكم يعتمد على نية الشخص وراء اللعن.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضل فلا هادئ له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم أما بعد، قال النووي رحمه الله تعالى وغفر له: الباب السابع في آداب الناس كلهم مع القرآن. قال: ثبت في صحيح مسلم رحمه الله عن تميم الداري رضي الله عنه قال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «الدين النصيحة» قلنا: لمن؟ قال: «لله ولكتابه ورسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم». والحديث كما ذكر رحمه الله تعالى في صحيح مسلم، وفيه النصيحة لكتابه، فما هي النصيحة لكتاب الله تبارك وتعالى؟ قال النووي رحمه الله: قال العلماء رحمهم الله تعالى: النصيحة لكتاب الله تعالى هي الإيمان بأنه كلام الله تعالى وتنزيله، لا يشبهه شيء من كلام الخلق، ولا يقدر على مثله الخلق بأسرهم، أي لا يقدرون على أن يأتوا بمثله، الله جل وعلا: ﴿قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرًا﴾. قال رحمه الله تعالى: ثم تعظيمه، أي من النصح لكتاب الله تبارك وتعالى تعظيم كتاب الله تبارك وتعالى، وتلاوته حق تلاوته وتحسينها والخشوع عندها، قال: وإقامة حروفه في التلاوة، والذب عنهم لتأويل المحرفين وتعرض الطاغين، والتصديق بما فيه، والوقوف مع أحكامه، وتفهم علومه وأمثاله، قال: والاعتبار بمواعظه والتفكر في عجائبه، والعمل بمحكمه والتسليم بمتشابه، والبحث عن عمومه وخصوصه وناسخه ومنسوخه، ونشر علومه والدعاء إليه وإلى ما ذكرناه من نصيحته. فالحاصل من هذا أن النصيحة لكتاب الله تبارك وتعالى تدخل فيها أولًا الإيمان بكتاب الله وأنه كلام الله جل وعلا المنزل الذي نزل به جبريل عليه السلام من ربه تبارك وتعالى على محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، وبلغه نبينا صلى الله عليه وسلم لأمته، وهو حروف وكلمات أنزله الله جل وعلا بلسان عربي مبين، وأن هذا الكلام هو أعظم الكلام وأنه من صفات الله رب العالمين جل وعلا، وأنه أعظم الكلام وأجل الكلام وأبين الكلام وأصح الكلام، فهو كله خير ونور وبركة وهداية. ومن النصيحة لكتاب الله جل وعلا أن يتلى كتاب الله جل وعلا وأن يتدبر وأن يُعمل بمقتضاه وما دلَّ عليه، وأن يُصدَّق ويُؤمَن بأخباره، وغير ذلك من المعاني التي تدل على المحبة والإجلال والتعظيم والدعوة إلى كتاب الله جل وعلا، والدعوة إلى الصدور من كتاب الله جل وعلا، فيكون العبد يأخذ دينه من كتاب الله جل وعلا ومن سُنَّة رسوله، وكذلك يعظم هذا الكتاب العظيم الذي جعله الله جل وعلا سببًا للهداية وسببًا للنور وسببًا لبعد المشكلات والمدلهمات والريب والشك إلى غير ذلك. قال الله جل وعلا: ﴿الم ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم بالآخرة هم يوقنون﴾ إلى آخر الآيات. فالله جل وعلا سمى هدى، قال الله جل وعلا في كتاب الكريم: ﴿شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان﴾، فهو فرقان وهو نور وهدى وبيان وخير كله وخير كله، فالنصيحة لكتاب الله جل وعلا تتضمن ذلك كله وتدعو إلى ذلك كله. قال رحمه الله تعالى: فصل في وجوب تعظيم القرآن. قال: أجمع المسلمون على وجوب تعظيم القرآن العزيز على الإطلاق وتنزيهه وصيانته، لأنه كلام الله جل وعلا، لأنه صفة الله جل وعلا، أي من صفات الله جل وعلا، فيعظم تعظيمًا لله رب العالمين جل وعلا ولصفات الله جل وعلا ولأسماء الله جل وعلا ولأفعال الله جل وعلا، فهو يعظم لأنه صفة لله جل وعلا. قال رحمه الله تعالى: وأجمع على أن من جحد منه حرفًا مما أجمع عليه أو زاد حرفًا مما لم يقرأ به وهو عالم بذلك فهو كافر. هذه مسألة، كذلك من مسائل تعظيم القرآن، وهي أن المسلمين أجمعوا على أن من جحد منه حرفًا مما أجمع عليه، لو جاء إنسان فقال في «ألف لام ميم» في سورة البقرة هذا ليس من كتاب الله جل وعلا، أو قال في قول الله جل وعلا مثلًا: ﴿قل هو الله أحد﴾ قال: «قل» ليس من كلام الله جل وعلا، وهي حروف مجمع عليها، فهذا كافر بإجماع، هذا كافر بإجماع، أيضًا لو زاد في القرآن ما ليس منه، لو زاد في القرآن ما ليس منه فهو كذلك كافر، كافر بإجماع. قال رحمه الله تعالى: قال الإمام الحافظ أبو الفضل القاضي عياض رحمه الله تعالى، القاضي عياض أحد الأئمة المشهورين من أئمة المالكية، من أئمة أهل المغرب رحمه الله تعالى وغفر له، وإن كان عنده بعض التأويل في صفات الباري جل وعلا على مذهب الأشاعرة. قال رحمه الله تعالى: اعلم أن من استخف بالقرآن أو بالمصحف أو بشيء منه أو سبهما أو جحد حرفًا منه أو كذب بشيء مما صرح به فيه بحكم أو خبر أو أثبت ما نفاه أو نفى ما أثبته وهو عالم بذلك أو شك في شيء من ذلك، أي من كلام الله جل وعلا، قال: فهو كافر بإجماع المسلمين. وكذلك إن جحد التوراة والإنجيل أو كتب الله المنزلة أو كفر بها أو سبها أو استخف بها فهو كافر، وهذا كما رأيتم وسمعتم محل إجماع، فيقول: «فهو كافر بإجماع المسلمين». قال رحمه الله تعالى: قال أي القاضي عياض: قال: وقد أجمع المسلمون على أن القرآن المتلو في جميع الأقطار المكتوب في المصحف الذي بين أيدي المسلمين مما جمعه الدفتان من أول «الحمد لله رب العالمين» أي من أول سورة الفاتحة إلى آخر «قل أعوذ برب الفلق» كلام الله ووحيه المنزل على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم، أن جميع ما فيه حق، وأن من نقص منه حرفًا قاصدًا لذلك أو بدله بحرف آخر مكانه أو زاد فيه حرفًا مما لم يشتمل عليه المصحف الذي وقع عليه الإجماع وأجمع على أنه ليس بقرآن عامدًا لكل هذا فهو كافر كذلك. قال أبو عثمان بن الحداد: قال: جميع من ينتحل التوحيد أي جميع المسلمين متفقون على أن من جحد بحرف من القرآن كفر، متفقون على أن من جحد بحرف من القرآن كفر. قال: وقد اتفق فقهاء بغداد على استتابة ابن شنبوذ المقرئ أحد أئمة المقرئين المتصدرين بها مع ابن مجاهد لقراءته وإقرائه بشاذ من الحروف مما ليس في المصحف، وعقدوا عليه للرجوع عنه والتوبة منه سجلًا أشهد فيه على نفسه في مجلس الوزير أبي علي بن مقلة سنة 323، إلا أن هذا المقرئ كما ذكر الذهبي رحمه الله تعالى في «السير» بل وغيره ذكر أنه وقف على بعض القراءات التي لم يقف عليها غيره، فظن غيره أنه زادها من عنده، وإنما هي قراءات وقف عليها، لكن هي من القراءات الشاذة التي وقع فيها الخلاف. قال: وقد أفتى قال: وأفتى أبو محمد بن أبي زيد فيمن قال لصبي: «لعن الله معلمك وما علمك» يعني أنظروا إلى هذه التعبيرات التي قد يتساهل بها بعض الناس، يقول: لو قال إنسان لصبي: «لعن الله معلمك وما علمك» أي والذي علمك، قال: وقال: «أردت سوء الأدب» أي أنه ما أدبه، قال: «ولم أرد القرآن» قال: «يؤدب القائل» يؤدب القائل. قال: وأما من لعن المصحف فإنه يقتل، أي إذا قال: «لعن الله معلمك وما علمك» وأراد بذلك القرآن فإنه يكفر ويقتل، وإن أراد أنه لعن المعلم لأنه ما أحسن تأديبه فإنه كذلك يؤدب، فإنه كذلك يؤدب، يؤدب. قال: هذا آخر كلام القاضي رحمه الله تعالى وغفر له. والله أعلم، وصلى الله وسلم وبارك على نبيه الكريم وعلى آله وصحبه أجمعين.