الدرس في التبيان في آداب حملة القرآن 7، ألقاها
يتناول هذا الفصل معايير اختيار الإمام في الصلاة، حيث يرى بعض العلماء أن الأحفظ لكتاب الله يقدم على غيره، بينما يرى آخرون أن الفقيه يقدم على الحافظ. كما يبين فضل قراءة القرآن على غيرها من الأذكار.
هذا الفصل يشرح ترجيح قراءة القرآن على الأذكار عند عدم التعارض، مستندًا إلى آراء العلماء مثل الإمام النووي وشيخ الإسلام، حيث يرى أن قراءة القرآن أفضل من التسبيح والتهليل وغيرهما.
يفصل هذا الفصل في فضل تلاوة القرآن وتقديم القارئ على غيره، حيث يبين أن تلاوة القرآن هي أفضل الذكر في الأوقات غير المقيدة بأذكار معينة، ويستدل على ذلك بآراء العلماء.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. ثم أما بعد، قال الإمام النووي رحمه الله تعالى في كتابه «التبيان في آداب حملة القرآن»، الباب الثاني في ترجيح القراءة والقاري على غيرهما. وهذا الباب عقده الإمام النووي رحمه الله تعالى فضل قراءة القرآن على غيرها من الأذكار، وكذلك فضل قارئ القرآن على غيره من الناس، ففيه كما ذكر رحمه الله تعالى ترجيح القراءة والقارئ على غيره من الذكر. قال: ثبت عن أبي مسعود الأنصاري البدري رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «يؤم القوم أقرأهم لكتاب الله»، رواه مسلم. وأبو مسعود الأنصاري هو عقبة بن عمرو من الخزرج من الأنصار رضي الله عنه وأرضاه. وقولهم البدري: هل هو بدري لأنه شهد بدرا أم أنه بدري لأنه سكن في بدر؟ قولان للعلماء رحمهم الله تعالى. والأشهر أنه قيل له البدري لأنه سكنها، أي سكن بدرا، لا أنه شهد بدرا، وإن كان الإمام البخاري رحمه الله تعالى ذكره ممن شهد بدرا، إلا أن غيره من العلماء رحمهم الله تعالى رجحوا القول الآخر. وقولهم: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يؤم القوم أقرأهم لكتاب الله»، هذا فيه دليل واضح لترجيح قارئ القرآن على غيره، لأن الحديث في الحديث تتمة الحديث قال: «فإن كانوا في القرآن سواء فأعلمهم بالسنة»، الحديث يعني: فإن كانوا في القرآن سواء، فأعلمهم بالسنة، فدل هذا على أن قارئ القرآن يرجح عند حصول المشاحة مع غيره في أعمال الخير والبر، ومنها الإمامة، أن قارئ القرآن يقدم على غيره لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «يؤم القوم أقرأهم لكتاب الله»، رواه مسلم. وتحت هذا الحديث ذكر العلماء رحمهم الله تعالى مسائل وأحكاما فقهية، منها: هل قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يؤم القوم أقرأهم لكتاب الله» معناه: ما معنى أقرأهم؟ ما معنى قول رسول الله صلى الله عليه وسلم أقرأهم؟ هل معناه أكثرهم حفظا أو أكثرهم إتقانا أو أعلمهم بكتاب الله جل وعلا؟ أقوال للعلماء رحمهم الله تعالى في ذلك. ولا شك ولا ريب أن من اجتمع فيه ذلك كله فهو مقدم على غيره، بمعنى أنه إذا وجد القارئ الحافظ، ووجد القارئ الذي ليس بحافظ للقرآن، أي: دونهم أحدهم يحفظ القرآن كله، والآخر لا يحفظ القرآن كله، وهما متفقان في بقية الأمور، أي: في الإتقان، في الفهم والعلم، فيقدم الأحفظ. لكن الكلام إذا حصل التعارض، إذا حصل التعارض: هل يقدم الأحفظ أو يقدم الأتقن؟ لأن قوله صلى الله عليه وسلم: «أقرأهم» هل معناه الأول أو الثاني؟ فلأجل هذا وقع ما سمعتموه من خلاف في المسألة. والأظهر الذي ذهب إليه جماعة من العلماء رحمهم الله تعالى أن المقصود به الأحفظ، المقصود به الأحفظ، بمعنى أنه لو وجد إنسان حافظ للقرآن وهو متقن، ووجد آخر يحفظ الشيء الكثير من القرآن إلا أنه دون الأول، وهو أتقن، يعني: الأول أحفظ والثاني أتقن، يشتركان في الحفظ ويختلفان في ماذا؟ يشتركان في الحفظ إلا أن أحدهما أحفظ، ويشتركان في الإتقان إلا أن أحدهما أتقن، فأيهما يقدم؟ يقدم الأحفظ. بقي: إذا وجد العالم بالقرآن، ووجد القارئ الذي لا يعلم من القرآن إلا القراءة، أيهما يقدم؟ كذلك وقع فيه خلاف بين العلماء رحمهم الله تعالى أيضا، بناء على فهم هذا المعنى. فمنهم من أخذ بالظاهر، وقال: المعتبر الأحفظ في الإمامة، وإن كان الأعلم أجل الأعلم بكتاب الله جل وعلا أجل، لكن عند القراءة عند الصلاة يقدم ماذا؟ الأعلم الأحفظ. ومنهم من قال: يقدم الأعلم ولو كان في الحفظ دون الأول. قالوا: هذا الحديث يدل على هذا، من أين؟ قالوا: لأن الذين خاطبهم النبي صلى الله عليه وسلم بهذا الخطاب هم أصحابه رضي الله عنهم وأرضاهم، وهم كانوا أعلم الناس، وهم كانوا أعلم الناس بكتاب الله جل وعلا، فهم يحفظون الكتاب ويعلمون معانيه، فإذا اشتركوا في الحفظ والفهم، وكان الميزة التي ميز بها النبي صلى الله عليه وسلم إماما من يكون أحفظ، أن يكون أقرأ من غيره، فلأجل هذا قدم الأقرأ مع اشتراكهما في الفقه، مع اشتراكهما في الفقه. قالوا: لكن إذا حصل ما تقدم ذكر: فقيه ليس بحافظ، أي: للقرآن كله، وحافظ ليس بفقيه، أيهما يقدم؟ قالوا: يقدم الفقيه، يقدم الفقيه. والأظهر كذلك، والله أعلى وأعلم. القول الأول: وهو أنه يقدم الأحفظ في إمامة القرآن، أي: في إمامة الصلاة، لأنه أحفظ لكتاب الله جل وعلا. والإمام مطالب بأن يعلم أو أن يتعلم أحكام الإمامة، بل هذا يكون من العلم الواجب، الإمامة أحكام الإمامة، معرفة ما يصح به الصلاة، وما لا تصح به الصلاة، ومسائل الواجبات، الأركان والشروط، مسائل سجود السهو وأسباب ذلك، وما شابه ذلك، هذا يكون من علم الواجب، يكون من العلم الواجب على الإمام. لكن لو وجد هذا وهذا الآن، ظهر أن قوله صلى الله عليه وسلم: «يؤم القوم أقرأهم لكتاب الله» أي: أحفظهم، أكثرهم قراءة لكتاب الله جل وعلا. ويدل على هذا القول أنه الراجح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «فإن كانوا في القراءة سواء فأعلمهم بالسنة»، فدل على أن إنسانا لو كان أعلم بالسنة، وغيره أقرأ لكتاب الله جل وعلا، يقدم الأقرأ في الصلاة، لكن في الفتوى في التعليم يقدم الأعلم، ويرجع إلى الأعلم. ومن هذا يعلم ذكر الإمام النووي رحمه الله تعالى لهذا الحديث تحت هذا الباب، إذ أن فيه ترجيح قراءة القرآن وقارئ القرآن على غيره. ويدخل في قوله: على غيره كل ما تضمنوا هذا المعنى، كل ما تضمنوا هذا المعنى، والله تعالى أعلى وأعلم. وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: «كان القراء أصحاب مجلس عمر رضي الله عنه ومشاورته، كهولا كانوا أو شبانا»، والحديث كما سيأتي معنى، رواه البخاري. قال: رواه البخاري في صحيحه، وسيأتي في الباب بعد هذا أحاديث تدخل في هذا الباب. أيضا أثر ابن عباس رضي الله عنهما فيه كذلك هذا المعنى، يقول ابن عباس رضي الله عنهما: «كان القراء كان القراء»، والقراء في الزمن الأول يراد بهم العلماء، يراد بهم العلماء، لأن الصحابة كما سمعتم: أنهم كانوا يحفظون كتاب الله جل وعلا ويفقهونه، فحفظ أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم للقرآن ليس كحفظ المتأخرين، ولا كحفظ من جاء بعدهم. يدل على هذا ما جاء أو ما ثبت عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه حفظ القرآن في نحو عشر سنين، أحفظ سورة البقرة في نحو عشر سنين. قال علماء: وهذا يدل على أنهم كانوا يحفظون ويعلمون. وأصرح من هذا ما جاء في مسند أحمد، وجاء كذلك في الطبقات لابن سعد، وجاء كذلك عند غيرهما عن أبي عبد الرحمن السلمي التابعي الشهير، إمام القراءة في زمنه، ومنه تخرج أكثر القراء، يقول: «كان الذين يقرؤوننا القرآن من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، كان الرجل منهم يحفظ العشر الآيات من كتاب الله جل وعلا»، قال: «ثم يتعلمها يتعلم معانيها»، قال: «ثم يعمل بها»، قال: «ثم يقرأ عشر آيات أخرى». كذلك الأثر بمعنى الشاهد من هذا: أنهم يحفظون العشر الآيات، ثم ماذا يفعلون؟ يتعلمون فقه هذه الآيات ومعاني هذه الآيات، فحفظهم للقرآن لم يكن كحفظ من جاء بعدهم، فهم أعلم الناس بكتاب الله جل وعلا، فالحافظ منهم لكتاب الله جل وعلا لا يكون حافظا إلا وهو عالم بكتاب الله جل وعلا. لذا قال ابن عباس رضي الله عنهما قال: «كان القراء أي: قراء القرآن، وهم العلماء، أصحاب مجلس عمر رضي الله عنه ومشاورته، أصحاب مجلس عمر ومشاورته، كهولا كانوا أو شبانا». ويدل على هذا أيضا ما جاء في صحيح البخاري من حديث ابن عباس رضي الله عنهما: أن عمر رضي الله عنه وأرضاه كان أدخلهم في الشورى الذين يستشيرهم عمر، فوقع في أنفس بعضهم من ذلك، أي: أن ابن عباس كان شابا، وكان عمر رضي الله عنه وأرضاه يدخله بين أشياخ بدر، فقال بعضهم: «لنا أولاد مثله»، أي: لماذا لا تدخلهم مثله؟ فقال عمر رضي الله عنه وأرضاه: «هو من حيث علمتم»، ما معنى: من حيث علمتم؟ أي: ما أدخلته إلا لماذا؟ لأنه عالم، وإن كان صغير السن. ثم فعل عمر رضي الله عنه وأرضاه نبههم على هذا المعنى، على فقه ابن عباس وعلى علم ابن عباس، فسألهم قال: «ما تقولون في قول الله جل وعلا: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللهِ وَالْفَتْحُ وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللهِ أَفْوَاجًا فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾»، ما تقولون في هذه السورة؟ فقال فيها من قال، وسكت عنها آخرون، أمسك آخرون، فقال حينها عمر رضي الله عنه وأرضاه ابن عباس: «ما تقول فيها يا ابن عباس؟» قال: «يا أمير المؤمنين، هذا نعي من الله جل وعلا لرسوله، فإذا جاء ذلك الأمر، ورأى النبي صلى الله عليه وسلم ذلك الأمر، أي: الفتح، فأمره ربه تبارك وتعالى بأن يستغفر ربه وأن يتوب إليه»، بمعنى فقال عمر: «والله لا أعلم إلا ما تعلم، والله ما أعلم إلا ما تعلم»، فدل هذا على ماذا؟ على علمه، على أن القراء كانوا ماذا؟ المقصود بهم العلماء رحمهم الله تعالى وغفر الله لهم. والشاهد من هذا: أن في هذا الأثر أيضا معنى من معاني ترجيح القراء على غيرهم، بأن يكونوا من أهل المشورة، وأن يكونوا من أهل المجالس المحترمة التي يرجع إليهم فيما يحصل في مجتمعات الناس. قال الإمام النووي رحمه الله تعالى: «واعلم أن المذهب المختار الذي عليه من يعتمد من العلماء أن قراءة القرآن أفضل من التسبيح والتهليل وغيرهما من الأذكار». قوله رحمه الله تعالى: «واعلم»، هذا الأسلوب العربي يؤتى به للشيء العظيم الذي يحتاج معه إلى انتباه، فإذا سمعت في القرآن إذا قرأت في القرآن قول الله جل وعلا: «فاعلم»، فاعلم أنه لأمر عظيم يحتاج إلى انتباه وتيقظ وتدبر وتفكر، لذا قال الله جل وعلا لنبيه صلى الله عليه وسلم: «فاعلم أنه لا إله إلا الله»، «فاعلم أنه لا إله إلا الله واستغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات»، وآيات أخرى يبتدئها الله جل وعلا بقوله: «فاعلم»، للتنبيه، للتنويه على أمر عظيم مستعظم. وهكذا الإمام النووي رحمه الله سلك هذا الأسلوب، وهو أسلوب سلكه العلماء رحمهم الله تعالى اقتداء بكتاب الله وبسنة رسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم في الأمور العظام، فالنووي رحمه الله تعالى يقول: «واعلم أن المذهب المختار الذي عليه من يعتمد من العلماء»، أي: الأجلاء، «أن قراءة القرآن أفضل من التسبيح والتهليل وغيرهما من الأذكار»، أي: عند التعارض والتشاح، إنسان عنده وقت في وقت غير وقت الأذكار، في منتصف في النهار، في العصر، في المغرب، في العشاء، متردد: يقرأ القرآن أو يذكر أذكار مطلقة، أيهما أفضل؟ الأفضل أن يقرأ القرآن، الأفضل أن يقرأ القرآن. أما عند التشاح والتعارض: فيقدم كل شيء في محله ومحله، يعني: مثال ذلك الإنسان بعد الصلوات، في أدبار الصلوات: ما هو الأفضل في حقه أن يقرأ القرآن أو أن يقرأ أذكار الصلاة؟ الأفضل أن يقرأ أذكار الصلاة. وهكذا في أماكن يكون القرآن فيها أفضل، فكما يقول العلماء رحمه الله تعالى: أن الشيء في محله يكون ماذا؟ الشيء الفاضل في محله فاضل، وقد يكون الشيء الفاضل لكن في غير محله يكون ماذا؟ يكون غيره أفضل، كما ذكر في مسألة ماذا؟ الأذكار عقب الصلوات. لكن في الذكر المطلق، في الذكر المطلق: أيهما أفضل أن تقرأ القرآن أو أن تبقى تسبح وتهلل وتكبر؟ التسبيح والتهليل والتكبير عبادات عظيمة وجليلة، لكن قراءة القرآن أفضل، قراءة القرآن أفضل. يقول شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: يقول: المثال لذلك أن قراءة القرآن أفضل من ذكر بالنص والإجماع، يقول: بالنص والإجماع. أما النص: فقوله: «أفضل الكلام بعد القرآن أربع، وهن من القرآن: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر». قال: «وأما الإجماع على ذلك فقد حكاه طائفة، ولا عبرة بخلاف جهال المتعبدة». قال: «وأما الاعتبار فإن الصلاة تجب فيها القراءة، فإن عجز عنها انتقل إلى الذكر، ولا يجزيه الذكر مع القدرة على القراءة، والمبدل منه أفضل من البدل الذي لا يجز إلا عند العجز عن المبدل»، إلى آخر ما ذكره رحمه الله تعالى. فالشاهد من هذا: أن تلاوة القرآن وقراءة القرآن هي أفضل الذكر، أفضل الذكر، تلاوة القرآن عند ماذا؟ في الأوقات التي ليس فيها ذكر مقيد، كأذكار الصلوات، أي: عقب الصلوات، أو الأذكار الصباح، المساء، النوم، إلى غير ذلك من الأذكار التي في مكانها تكون أفضل، والله تعالى أعلى وأعلم. سبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.