الدرس في التبيان في آداب حملة القرآن 25، ألقاها
ينبغي لطالب العلم أن يتأدب مع رفقائه وحاضرين المجلس، ويجلس جلسة المتعلمين، ويتحلى بالأدب في مجلس العلم. كما يجب عليه أن يتجنب الحركات غير الضرورية وأن يكون منتبهًا ومصغيًا إلى كلام الشيخ.
يُنصح الطالب باختيار الوقت المناسب لقراءة العلم على الشيخ، وتجنب قراءة العلم عليه في حال شغله أو ملله أو غضبه. كما يجب عليه أن يصبر على ذل التعليم ليبلغ عزة العلم.
ينبغي لطالب العلم أن يحتمل جفوة الشيخ وسوء خلقه، ويتأول أفعاله وأقواله تأويلات صحيحة. يُختم الدرس بالصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم والترحم على آله وصحبه.
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادئ له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم أما بعد، قال الإمام النووي رحمه الله في كتابه التبيان في آداب حملة القرآن: فصل في آداب طالب العلم مع رفاقه. وهذا تسلسل جيد في الأبواب أو في هذه الفصول، فبعد أن ذكر فصلًا في آداب الدخول إلى مجلس العلم، ذكر هذا الفصل، وهو فصل في آداب طالب العلم مع رفاقه، أي ما هي الآداب التي ينبغي أن يتحلى بها طالب العلم مع شيخه، مع مجلس العلم، مع جلسائه ورفقائه ممن يتلقى معهم العلم. قال رحمه الله تعالى: وينبغي أن يتأدب أيضًا مع رفقته وحاضر مجلس الشيخ، أي سواء كان من رفقته الذين يعرفهم ويعرفون، أو كانوا حاضرين مجلس الشيخ ممن لا يعرفهم، ينبغي له أن يتأدب مع الجميع، يتأدب صيانة للعلم الذي يطلبه، وصيانة للعلم في مجلس العلم. قال رحمه الله تعالى: فإن ذلك تأدب مع الشيخ، أي ذلك الأدب مع الرفاق في مجلس العلم هو تأدب مع الشيخ، وصيانة لمجلسه، وكذلك تأدب مع العلم، تأدب مع شيخه، وتأدب مع العلم الذي يطلبه، وتأدب كذلك، وصيانة لذلك المجلس مما يشينه، مما قد يحصل من اللغط والكلام الذي يذهب هيبة العلم ومجالس العلم. قال رحمه الله: ويقعد بين يدي الشيخ قعدة المتعلمين لا قعدة المعلمين. وهذا تنبيه وأدب يكاد يكون مفقودًا عند الطلبة مع مشايخهم، ولا سيما مع بعد العهد وتطاول الزمان، وحضور من لا يعرف آداب العلم. ربى طالب يجلس مع شيخه جلسة الشيخ مع طالبه، بحيث إن الحاضر أو الداخل إذا رأى المجلس ظن أن ذلك الطالب بسبب الهيئة والمجلس هو الشيخ، والعكس، ويظن أن الشيخ هو الطالب. وهذا خطأ ينبغي للطالب أن يحرص غاية الحرص على أن لا يشين نفسه، ولا يشين شيخه، ولا يشين كذلك مجلس العلم، يجلس جلسة متأدب، جلسة متواضع، يعرف للعلم قدره، وكذلك يعرف لأهل العلم قدرهم. قال رحمه الله تعالى: لا قعدة المعلمين، ولا يرفع صوته رفعًا بليغًا من غير حاجة. هذا كذلك إذا كان في مجلس العلم، ليس من الأدب أن يرفع صوته رفعًا بليغًا من غير حاجة، يعني إن كان هناك تنبيه مثلًا ينبه بأدب وباستئذان من الشيخ إن أذن له بها، ونعمة ما أذن، لا يرفع صوته. وهذا يختلف كذلك في مسألة الكلام في مجلس العلم مع الشيخ، يختلف باختلاف المشايخ، فبعض المشايخ ربما يأذن بالكلام، وبعضهم لا يأذن أصلًا، أي ولو وقد خطأ يكتب كتاب وتنبيه بأسلوب مؤدب، بأسلوب مؤدب. فهذا كذلك من هذا الباب، أما من غير حاجة أن يرفع صوته من غير حاجة فهذا ليس من أدب العلم. قال: ولا يضحك، وهذا كذلك لا يكن في مجلس العلم، الشيخ يتكلم ويعلم ويبين وهو يضحك أو وهو يتكلم أو كما ذكر. قال: ولا يكثر الكلام من غير حاجة، ولا يعبث بيده ولا بغيرها، لا بيده ولا بغيرها، بغيرها ماذا؟ كان يحرك رجليه لغير حاجة، كان يحرك رقبته رأسه يمينًا وشمالًا من غير حاجة، أن يحرك عينيه لغير حاجة، هذا كله مما لا ينبغي أن يفعله الطالب في مجلس العلم، أدبًا مع العلم وأدبًا مع أهله. قال: ولا يلتفت يمينًا ولا شمالًا من غير حاجة، بل يكون متوجهًا إلى الشيخ، مصغيًا إلى كلامه. والقليل من يوفق لذلك، القليل من يوفق إلى مثل هذه الأخلاق. ولو أن الطلبة تأدبوا بمثل هذه الآداب لرأوا ثمرة عظيمة على أخلاقهم أولًا، وعلى كذلك انتفاعهم بالعلم ثانيًا، وعلى ما يجدونه من هيبة العلم ومجالسه ثالثًا ورابعًا، ما يذكره العلماء رحمهم الله تعالى من أن الجزاء من جنس العمل، من جلس في أدب في مجالس العلم وتأدب مع مشايخه وعرف لهم قدرهم وعظمهم التعظيم اللائق بهم، الجزاء من جنس العمل غدًا إذا صار معلمًا، فإن الجزاء من جنس العمل يجد من الطلبة من يكون كذلك، والعكس بالعكس، الجزاء من جنس العمل. فهذه آداب ينبغي أن يتحلى بها الطالب مع رفاقه وفي مجالس العلم، لا يضحك معهم، لا يتكلم معهم لغير حاجة، لا يرفع أصواتهم هو وغيره لغير حاجة، لا يلتفت لغير حاجة، إلى غير ذلك، إلى غير ذلك، ينبغي أن يكون مستجمعًا في مجلس العلم لقلبه، مستحضرًا لعظمة العلم وأدب هذا المجلس. هذه آداب ينبغي أن يتحلى بها، آداب ينبغي أن يتحلى بها كل مسلم، وبخاصة طالب العلم. قال رحمه الله تعالى: فصل في اختيار أفضل أوقات الشيخ وفي الصبر على المعلم. قال رحمه الله: ومما يتأكد الاعتناء به أن لا يقرأ على الشيخ في حال شغل قلب الشيخ وملله واستفازه وغمه وفرحه وجوعه وعطشه ونعاسه وقلقه ونحو ذلك، ونحو ذلك، ونحو ذلك مما يشق عليه أو يمنعه من كمال حضور القلب والنشاط، وأن يغتنم أوقات نشاطه. هذا كذلك مما ينبغي أن ينتبه له الطالب، بمعنى أنه إذا رأى من حال شيخه ومعلمه السآمة أو الضيق أو الشغل، فلا ينبغي له أن يكثر عليه، لماذا؟ لأنه غالبًا في مثل هذه الحال لا يكون مستجمعًا لما يسمعه ولا لما يقوله. وتعرفون ما جاء في صحيح البخاري وغيره من حديث أبي بكرة رضي الله عنه وأرضاه، أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم قال: «لا يقضي القاضي وهو غضبان». قال علماء: لأجل أنه إذا كان كذلك فإنه لا يكون مستجمعًا للفكر، فربما حكم بحكم لا يطابق الصواب. وفرع عليه العلماء رحمهم الله تعالى كذلك: كل شغل يطرأ على الحاكم من شدة فرح، من شدة حزن، من كآبة، من شدة جوع أو عطش أو حاجة إلى قضاء حاجة، فجعل العلّة إنشغال القلب وعدم استجماع الفكر. فكذلك ينبغي للطالب أن يكون مع شيخه ومعلمه، إذا رأى منه حضورًا استغل ذلك الحضور، أي وجد نشاطًا ووجد أنه مقبل ويظهر على وجهه كذلك النشاط، فيستغل هذا الوقت ويغتنم تلك الفرصة. والعكس بالعكس، إذا رأى من شيخه ما يظهر السآمة والملل أو الهم أو الحزن أو ما شابه ذلك مما لا يسلم منه الإنسان من مناغصات الحياة ومكدراتها، فإنه يكتفي بما يسمعه منهم ولا يكثر عليه لما تقدم ذكره. قال رحمه الله تعالى: ومن آدابه أن يحتمل جفوة الشيخ، أي إذا رأى جفاء من الشيخ فإنه يحتمله. قال: أن يحتمل جفوة الشيخ وسوء خلقه، ولا يصدّه ذلك عن ملازمته واعتقاد كماله، ويتأول لأفعاله وأقواله التي ظاهرها الفساد تأويلات صحيحة، فما يعجز عن ذلك إلا قليل التوفيق، أي لا يعجز عن تخريج ما يصدر من الشيخ من غضاضة وجفوة مع التلميذ، ينبغي للطالب أن يحمل ذلك على أحسن المحامل وأحسن التأويلات، يقول: لعله ما أراد، لعله قصد كذا، لعله اليوم حاله مغضب، لعله، لعله يخرج تخريجات، هذا أفضل. لذا يقول الإمام النووي رحمه الله: فما يعجز عن ذلك إلا قليل التوفيق أو عديمه. وإذا جفاه الشيخ، ابتدأه هو بالاعتذار إلى الشيخ وأظهر أن الذنب له والعتب عليه، فذلك أنفع له في الآخرة والدنيا، وأنقى لقلب شيخه له. وهذه آداب رفيعة وأخلاق عظيمة لا يوفق لها إلا عظماء الرجال. قال الله جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾، فهذه لا يلقاها إلا من كان هذا حاله، ادفع بالتي هي أحسن السيئة، فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم، ﴿وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾. فإذا كان هذا في حق البشر في حق الناس بعضهم مع بعض، فكيف بين التلميذ وشيخه؟ كيف بين التلميذ وشيخه؟ ألا يدفع بالتي هي أحسن السيئة؟ هذا مما ينبغي أن يكون ومما ينبغي أن يحرص عليه الطالب. قال: «وما يلقاها إلا الذين صبروا وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم». لذا الإمام النووي رحمه الله تعالى أشار إلى هذا المعنى، قال: فما يعجز عن ذلك إلا قليل التوفيق. «وما يلقاها إلا الذين صبروا وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم». قالوا: عديمه. وإذا جفاه الشيخ ابتدأه هو بالاعتذار إلى الشيخ وأظهر أن الذنب له والعتب عليه، فذلك أنفع له في الآخرة والدنيا، وأنقى لقلب شيخه، لأن الشيخ إذا علم أنه هو الذي صدرت منه الجفوة ومع هذا وجد من التلميذ الاعتذار وإرجاع الخطأ عليه، رجع إلى صوابه وعرف قدر ذلك التلميذ وازداد له محبة وإجلالًا لما رأى عليه من الأخلاق العظيمة التي هي من ثمار العلم النافع. قال رحمه الله تعالى: وقد قالوا: من لم يصبر على ذل العلم، من لم يصبر على ذل التعليم، بقي عمره في عماية الجهل. ومن صبر عليه ساعة، آل أمره إلى عزة الآخرة والدنيا. ومنه الأثر المشهور عن ابن عباس رضي الله عنهما: «ذللت طالبًا فعززت مطلوبًا». والجزاء من جنس العمل، الجزاء من جنس العمل، ذل نفسه في طلب العلم فعزه الله جل وعلا بالعلم، لأنه أراد العزة من الله وبذل أسبابها. فطالب العلم يحتاج إلى صبر، ويحتاج إلى مجاهدة، ويحتاج إلى عناية، ويحتاج إلى سكينة، ويحتاج إلى تواضع، ولا سيما مع معلميه ومع مشايخه. وكما قيل: من كانت بداياته مشرقة، أو من كانت بداياته محرقة، كانت نهاياته مشرقة، نهاية تكون ماذا؟ مشرقة بالخير والنور، لماذا؟ لأنه صبر وذل لأجل العلم، فيرفع الله جل وعلا بذلك العلم، والجزاء من جنس العمل. نسأل الله تبارك وتعالى لنا جميعًا التوفيق والسداد. والله تعالى أعلم، صلى الله وسلم وبارك على نبيه الكريم وعلى آله وصحبه أجمعين.