الدرس في التبيان في آداب حملة القرآن 31، ألقاها
يُنصح بقراءة القرآن في الليل لفضله الكبير، وقد وردت آيات وأحاديث تدعم هذا الفضل. كان السلف الصالح يخافون الله ويكثرون من قيام الليل.
قيام الليل له فضل كبير حيث يكون القلب أجمع للعبادة، وقد وردت أحاديث نبوية تبين فضله ودعاء الله فيه. نزول الله تعالى إلى سماء الدنيا في الثلث الأخير يزيد من قرب العبد من ربه.
قيام الليل عبادة تقرب العبد إلى ربه وتشعره بلذة العبادة، وقد وردت أحاديث نبوية تحث عليه وتدل على فضله باختلاف عدد الآيات التي يقرأها المصلي. ينبغي لحامل القرآن أن يستعين بالله بقيام الليل.
بسم الله الرحمن الرحيم. والحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا. من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادئ له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم أما بعد، قال الإمام النووي رحمه الله تعالى في كتابه «التبيان في آداب حملة القرآن»، فصل في المحافظة على القراءة في الليل: قال ينبغي أن يكون اعتناؤه بقراءة القرآن في الليل أكثر، وفي صلاة الليل أكثر. قال الله تعالى: ﴿مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ﴾ ﴿يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُولَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾. وثبت في الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «نعم الرجل عبد الله لو كان يصلي من الليل»، والحديث متفق عليه. قال وروى الطبراني وغيره عن سهل بن سعد رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «شرف المؤمن قيام الليل». وهذا الحديث حسن بمجموع طرقه. وعلم أن شرف المؤمن قيامه بالليل، وعزه استغناؤه عن الناس. قال رحمه الله تعالى: والأحاديث والآثار في هذا كثيرة. وقد جاء عن أبي الأحوص القشم قال: إن كان الرجل ليطرق بالفسطاط طروقًا -أي لا يأتيه ليلًا- فيسمع لأهله دويًا كدوي النحل. قال: فما هؤلاء يأمنون ما كان أولئك يخافون؟! أي أن السلف الأول كانوا يخافون من الله تبارك وتعالى ومن عذابه ومن سطواته، فأزعج ذلك مضاجعهم، فكانوا قليلًا من الليل ما يهجعون، وبالأسحار هم يستغفرون. وأما من جاء بعدهم فحصل له شيء من الأمن -قد يكون بسبب الغفلة- فكان ذلك سببًا لترك هذه الفضيلة العظيمة التي هي قيام الليل. قال رحمه الله تعالى: وعن إبراهيم النخعي كان يقول: «اقرأوا من الليل ولو حلب شاة»، أي ولو بهذا المقدار -مقدار أن تُحلب الشاة-. قال: وعن يزيد الرقاشي قال: «إذا أنا نمت ثم استيقظت ثم نمت، فلا نامت عيناي» -إذا أنا نمت ثم استيقظت أي في الليل، ثم نمت أي بعد هذه الحالة- قال: «فلا نامت عيناي» يدعى على نفسه بهذا الدعاء إذا فوت قيام الليل. قال قلت -أي الإمام النووي رحمه الله-: وإنما رجحت صلاة الليل وقراءته لكونها أجمع للقلب، وأبعد من الشاغلات والملهيات والتصرف في الحاجات، وأبعد من الرياء وغيره من المحبطات، مع ما جاء الشرع به من فضائل الخيرات في الليل. فإن الإسراء برسول الله صلى الله عليه وسلم كان ليلًا. وحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ينزل ربكم في كل ليلة إلى سماء الدنيا حين يمضي شطر الليل، فيقول: هل من داعٍ فأستجيب له». واللفظ المروي من طرق أكثر: «حين يبقى ثلث الليل، فيقول: هل من داعٍ فأستجيب له؟ هل من مستغفرٍ فأغفر له؟ هل من سائلٍ فأعطيه؟». قال: وفي الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «في الليل ساعةٌ يُستجاب فيها الدعاء كل ليلة». أي لفظه: «إن في الليل لساعةٌ لا يوافقها رجلٌ مسلمٌ يسأل الله خيرًا من أمر الدنيا والآخرة إلا أعطاه إياه، وذلك كل ليلة». والحديث في صحيح مسلم. وقد ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى لطيفًا في هذا المعنى، وهي أن الإنسان في قيام الليل يشعر بما يشعر به من الأنس والقرب من الله تبارك وتعالى، ويشعر كذلك بلذة الطاعة والعبادة والتقرب من الله تبارك وتعالى. قال: فناسب ذلك نزول الرب تبارك وتعالى في الثلث الآخر من الليل. فلما قرب العبد من ربه تبارك وتعالى بالطاعة، قرب منه ربه تبارك وتعالى. وهذا كذلك مصداق لقوله صلى الله عليه وسلم: «إذا تقرب إلي العبد شبرًا، تقربت إليه ذراعًا، وإذا تقرب إلي ذراعًا، تقربت إليه باعًا، وإذا أتاني يمشي، أتيته هرولة». الحديث. ففي هذا المعنى أن الإنسان كلما كان أقرب من الله تبارك وتعالى، كلما كان منه ربه تبارك وتعالى أقرب وأقرب. ما يقول عبد لربه جل وعلا وهو ساجد، ولا سيما في وقت الخلوات الذي لا يراه أحد من الخلق، ولا يعلم به إلا ربه تبارك وتعالى، فيشعر بهذه اللذة العبادة والتقرب إلى الله تبارك وتعالى. قال: وروى صاحب «بهجة الأسرار» بإسناده عن سلمان الأنماطي قال: رأيت علي بن أبي طالب في المنام يقول: «لولا الذين لهم مرد يقومون، وآخرون لهم سرد يصومون، لا دُقْدِقَتْ أَرْضُكُمْ مِنْ تَحْتِكُمْ سَحَرًا؛ لأنكم قوم سوء لا تطيعون». قال رحمه الله: قال: وعلم أن فضيلة القيام بالليل والقراءة فيه تحصل بالقليل والكثير، وكلما كثر كان أفضل، إلا أن يستوعب الليل فإنه مكروه الدوام عليه، وإلا أن يضر بنفسه. بمعنى أنه لا يداوم على قيام الليل كله، لكن إذا قام أحيانًا لا بأس، كما كان يفعله النبي صلى الله عليه وسلم. والأفضل أن يقوم كما جاء في حديث عبد الله بن عمرو بن العاص: كقيام داود عليه السلام -وسيأتي-. قال: ومما يدل على حصوله بالقليل حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من قام بعشر آيات لم يكتب من الغافلين، ومن قام بمائة آية كتب من القانتين، ومن قام بألف آية كتب من المقنطرين». رواه أبو داود وغيره، وإسناده صحيح. وكذلك جاء في صحيحي البخاري ومسلم من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص حينما حثه النبي صلى الله عليه وسلم على أن يقوم الليل قيامًا معتدلًا، فأخبره بقيام داود: أنه كان ينام نصف الليل، ويقوم ثلثه، وينام سدسه. وهذا أفضل القيام، أي أن يقسم الليل على هذه التقسيمات: النصف الأول ينام فيه، ثم ثلث يقوم يصلي فيه، ثم سدسه ينام فيه، ثم يستمر على هذه الحالة. قال رحمه الله تعالى: وحكى الثعلبي عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: «من صلى بالليل ركعتين، فقد بات لله ساجدًا وقائمًا». وهذا الأثر ذكره البغوي وغيره. فالحاصل أن مما ينبغي أن يحرص عليه حامل القرآن أن يستعين بالله تبارك وتعالى على نفسه الأمارة بالسوء بقيام شيء من الليل. فنسأل الله تبارك وتعالى أن يعيننا جميعًا على ذلك. والله تعالى أعلم. صلى الله وسلم وبارك على نبيه الكريم، وعلى آله وصحبه أجمعين.