شرح المذكرة - مقرر السنة الأولى 17

الدرس في شرح المذكرة - مقرر السنة الأولى 17، ألقاها

شروط التكليف بالفعل

يشترط لصحة التكليف بالفعل شرعا أن يكون المكلف يعلم به، وأن يكون معلوما كونه مأمورا به من جهة الله تعالى. يتضمن ذلك شرطان أساسيان هما علم المأمور بالفعل وعلمه بأنه مأمور به من الله تعالى.

شروط المأمور به وعدمه وإمكانه

يجب أن يكون المأمور به معدوما عند الأمر به وممكنا، حيث يستحيل الأمر بالموجود أو بالمستحيل. يُستدل على ذلك بأمثلة من القرآن الكريم وتفاسيرها، مثل وجوب الصلاة والصوم.

التكليف بما لا يطاق وآراء الأصوليين

يناقش المقطع مسألة التكليف بما لا يطاق من جهتين: الجواز العقلي والجواز الشرعي، حيث اختلف الأصوليون في جوازه عقلا بينما أجمعوا على عدم جواز التكليف بالمستحيل ذاتيا شرعا.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم قال الإمام الشنقيطي رحمه الله تعالى: قال المؤلف رحمه الله: فأما الشروط المعتبرة لفعل المكلف به فثلاثة، أحدها أن يكون معلوما للمأمور حتى يتصور قصده إليه، وأن يكون معلوما كونه مأمورا به من جهة الله تعالى حتى يتصور به قصد الطاعة والامتثال. وهذا يختص بما يجب به قصد الطاعة والتقرب. إضاح معنى هذا الشرط الأول: أن الفعل المكلف به يشترط في صحة التكليف به شرعا أن يكون المكلف يعلمه. فيشترط لتكليفه بالصلاة علمه بحقيقة كيفية الصلاة، لأن التكليف بالمجهول من تكليف ما لا يطاق. ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾، وقال الله جل وعلا: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾. فلابد من علم المأمور حتى يمتثله. ذكر المؤلف الإمام ابن قدامة رحمه الله تعالى أن الشروط المعتبرة لفعل المكلف ثلاثة، ذكر أولها العلم، أي أن يكون معلوما للمأمور به حتى يتصور قصده إليه، وأن يكون معلوما كونه مأمورا به من جهة الله تعالى. إذن العلم وهو الشرط الأول يتضمن أمرين: الأمر الأول أن يعلم المأمور، والأمر الثاني أن يعلم أنه من الله تبارك وتعالى. قال العلامة الشنقيطي: إضاح معنى هذا الشرط الأول أن الفعل المكلف به يشترط في صحة التكليف به شرعا أن يكون المكلف يعلمه. وهذا ما يقوله الفقهاء: أن شرط التكليف أو من شروط التكليف العلم. «وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا»، وقال الله جل وعلا: «رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ». فلابد من علم المأمور حتى يمتثله. قال رحمه الله: واعلم أن الأحكام الشرعية قسمان. قوله واعلم أن الأحكام الشرعية قسمان هذا تبيين للمعنى الثاني الذي تضمنه العلم. قال رحمه الله: قسم منها تعبدي محض، وقسم معقول المعنى. فالتعبدي كالصلاة والزكاة والصوم فيشترط في التكليف به العلم بحقيقة الفعل المكلف به كما بينا. ويزاد على ذلك العلم بأنه مأمور به من الله تعالى، إذ لابد له من نية التقرب به إلى الله تعالى. قال رحمه الله: التعبدي كما يقول العلماء: الأمر التعبدي هو الذي لا يدرك بالعقل. يعني إذا جاءنا إنسان فقال: يا جماعة لماذا الله جل وعلا جعل صلاة الفجر ركعتين، الظهر أربعا، العصر أربعا، المغرب ثلاثا، العشاء أربعا؟ نقول: الأمر تعبدي. قال رحمه الله: وأما معقول المعنى فلا يشترط في صحة فعله نية التقرب، ولكن لا أجر له فيه البتة إلا بنية التقرب إلى الله تعالى. ومثال ذلك: دل هذا على أن من الأوامر التكليفية الذي يشترط فيها العلم لأجل التصور ما لا يشترط فيه أن يعلم أن ذلك الخطاب من الله. قال رحمه الله: ومثال ذلك: رد الأمانة، والمغصوب، وقضاء الدين، والإنفاق على الزوجة. فمن قضى دينه وأدى الأمانة ورد المغصوب مثلا لا يقصد بشيء من ذلك وجه الله بل لخوفه من عقوبة السلطان مثلا، ففعله صحيح دون النية. قال رحمه الله: قال المؤلف: الثاني أن يكون معدوما. أما الموجود فلا يمكن إيجاده، فيستحيل الأمر به. إضاح معنى هذا الشرط: أن يشترط أن يكون المأمور به معدوما عند الأمر، أما الموجود فلا يمكن إيجاده، فيستحيل الأمر به. قال رحمه الله: إضاح معنى هذا الشر: أنه يشترط في المطلوب المكلف به أن يكون الفعل المطلوب معدوما. فالصلاة والصوم المأمور بهما وقت الطلب لا بد أن يكون غير موجودين، والمكلف ملزم بإيجادهما على الوجه المطلوب. قال رحمه الله: أما الموجود الحاصل على الوجه المطلوب شرعا، فلا يصح التكليف به. كما لو كان صلى ظهر هذا اليوم بعينه صلاة تامة من كل جهاتها. فلا يمكن أمره بإيجاد تلك الصلاة بعينها التي أداها على أكمل وجه. قال رحمه الله: ومن هنا قالوا: تحصيل الحاصل محال، لأن السعي في تحصيله معناه أنه غير حاصل بالفعل. وكونه حاصلا بالفعل ينافي ذلك. قال رحمه الله: تنبيه: مثل قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ﴾. الآية صريح في الأمر بما هو الحاصل وقت الطلب. قال رحمه الله: والجواب: أن أمره بالتقوى يراد به الدوام على ذلك، أو أمر أمته بأمره؛ لأنه قدوة لهم. قال رحمه الله: قال المؤلف: الثالث أن يكون ممكنا. فإن كان محالا كالجمع بين الضدين ونحوه لم يجز الأمر به. وقال قوم: يجوز ذلك بدليل قوله تعالى: ﴿وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ﴾. والمحال لا يسأل دفعه؛ لأن الله تعالى علم أن أبا جهل لا يؤمن، وقد أمره بالإيمان وكلفه إياه. قال رحمه الله: اعلم أن هذه المسألة هي المعروفة عند أهل الأصول بمسألة التكليف بما لا يطاق. وبعضهم يقول: التكليف بالمحال. وفيها تفصيل لا بد منه. قال رحمه الله: يعلم أن حاصل تحقيق المقام بهذه المسألة عند أهل الأصول: أن البحث فيها من جهتين: الأولى من جهة الجواز العقلي، أي هل يجوز عقلا أن يكلف الله عبده بما لا يطيقه أو يمتنع ذلك عقلا؟ الثانية: هل يمكن ذلك شرعا أو لا؟ قال رحمه الله: وأكثر الأصوليين على جواز التكليف عقلا بما لا يطاق. قالوا: وحكمته ابتلاء الإنسان: هل يتوجه إلى الامتثال ويتأسف على عدم القدرة ويضمر أنه لو قدر لفعل؟ فيكون مطيعا لله بقدر طاقته. قال رحمه الله: وأكثر المعتزلة وبعض أهل السنة منعوا التكليف بما لا يطاق عقلا؛ لأن الله يشرع الأحكام لحكم ومصالح، والتكليف بما لا يطاق لا فائدة فيه، وهو محال عقلا. قال رحمه الله: أما بالنسبة إلى الإمكان الشرعي، ففي المسألة التفصيل المشار إليه آنفا. وهو أن المستحيل أقسام. فالمستحيل عقلا قسمان: قسم المستحيل لذاته، كوجود شريك لله سبحانه وتعالى، وكاجتماع النقيضين والضدين في شيء واحد في وقت واحد. قال رحمه الله: وإيضاحه: أن العقل إما أن يقبل وجود الشيء فقط، أو عدمه فقط، أو يقبلهما معا. فإن قبل وجوده فقط ولم يقبل عدمه بحال، فهو الواجب الذاتي. وإن قبل عدمه فقط دون وجوده، فهو المستحيل المعروف بالمستحيل عقلا. وإن قبل العقل وجوده وعدمه، فهو المعروف بالجائز عقلا. قال رحمه الله: فالمستحيل الذاتي أجمع العلماء على أن التكليف به لا يصح شرعا؛ لقوله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾. وقوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾. ونحو ذلك من أدلة الكتاب والسنة. قال رحمه الله: القسم الثاني من قسمي المستحيل عقلا: هو ما كان مستحيلا لا لذاته، بل لتعلق علم الله بأنه لا يوجد. مثل إيمان أبي جهل أو إيمان أبي لهب؛ لأن ما سبق في علم الله أنه لا يوجد مستحيل عقلا أن يوجد؛ لاستحالة تغير ما سبق به العلم الأزلي. قال رحمه الله: والتكليف بهذا النوع من المستحيل واقع شرعا، وجائز حكما وشرعا بإجماع المسلمين؛ لأنه جائز ذاتي لا مستحيل ذاتي. قال رحمه الله: والآية لا دليل فيها على جواز التكليف شرعا بما لا يطاق؛ لأن المراد بما لا طاقة به هي الأصار والأثقال التي كانت على من قبلنا؛ لأن شدة مشقتها وثقلها تنزلها منزلة ما لا طاقة به. سبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، استغفرك وأتوب إليك.

شاركنا على