باب الوضوء 8

الدرس في باب الوضوء 8، ألقاها الشيخ أبو العباس محمد جبريل

اختيار الإمام النووي لنقض الوضوء بلحم الإبل

يناقش المقطع اختيار الإمام النووي القول بنقض الوضوء بأكل لحم الإبل مخالفاً للمذهب الشافعي المشهور، مستدلاً بالحديث النبوي. يبرز النص منهج النووي في اتباع الدليل دون تعصب، والإشكال الفقهي حول اعتبار قول المجتهد المخالف للمذهب المشهور داخلاً في المذهب أم خارجاً عنه.

اختلاف العلماء في نقض الوضوء بلحم الإبل ودليل الجمهور

يتناول المقطع اتهام الإمام علاء الدين العطار بكثرة الخروج عن المذهب، ثم يستعرض خلاف الفقهاء في حكم أكل لحم الإبل. يبين أن الحنابلة يرونه ناقضاً بينما لا يراه الجمهور مستدلين بحديث جابر، مع مناقشة علل الحديث إسناداً ومتناً والتأكيد على أدب الخلاف.

مناقشة حديث الوضوء مما مست النار واضطراب متنه

يناقش المقطع حديث «كان آخر الأمرين من رسول الله صلى الله عليه وسلم ترك الوضوء مما مست النار»، مبيناً ضعف واضطراب متنه عند أبي حاتم وغيره. يوضح أن القصة الأصلية تروى بتفصيل يكشف توهم النسخ، ويرى ابن القيم وابن تيمية أن الحديث يحكي واقعة معينة لا حكماً عاماً.

الصلاة والسلام على النبي ﷺ ختاماً

يختتم المتحدث كلامه بالصلاة والسلام على النبي محمد ﷺ وعلى آله وصحبه. وهي دعاء ختامي شائع في الخطب والدروس الشرعية يختم به المجلس العلمي.

  • 15 جمادى الآخرة 1442هـ - 28/01/2021مـ
التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. لازمنا في هذه المنظومة النافعة «صفوة الزبد فيما عليه المعتمد» للعلامة أحمد بن الحسين بن رسلان المتوفى سنة أربع وأربعين وثمانمائة للهجرة، ولازلنا في نواقض الوضوء التي ذكرها في هذا الكتاب في أول مبحث الوضوء وبابه. قال الناظم رحمه الله تعالى وغفر له: «واختير من أكل للحم الجزور مع يقين حدث أو طهري إذا ترى شك بضده عمل هكذا عندي وهو جائز كما سيأتي ويجوز إذا ترى شك بضده عمل بضم العين يقينه وسابق إذا جهل خذ ضد ما قبل يقين حيث لم يُعلم بشيء فالوضوء ملتزم» هذه الثلاثة الأبيات فيها مسألتان، المسألة الأولى: قول الناظم رحمه الله «واختير من أكل للحم الجزور». الجزر المراد بها الإبل، جمع جزور، جمع جزور مراد بها الإبل. واختير ساقه بالصيغة المغيرة، بالصيغة؛ فإن هذا ليس مذهب الشافعية الذي استقر عليه القول الجديد والمذهب المشهور، إنما هذا اختيار الإمام النووي رحمه الله، هذا اختيار الإمام النووي رحمه الله تعالى. أما الشافعية في المشهور عنهم وفي المذهب الجديد فإنهم يرون أن أكل لحم الجزور ليس بناقض للوضوء، أكل لحم الجزور ليس بناقض للوضوء. هكذا يرى الشافعية في المذهب المشهور. يقول النووي رحمه الله تعالى في المجموع: «وفي لحم الجزور بفتح الجيم وهو لحم الإبل قولان: الجديد المشهور لا ينتقض وهو الصحيح عند الأصحاب» أي عند الشافعية، «والقديم أنه ينتقض وهو ضعيف عند الأصحاب». بل ردوه، رد هذا المذهب، هذا المذهب ردوه لأنه من أفراد مذهب الحنابلة كما سيأتي. قال رحمه الله تعالى: «وهو ضعيف عند الأصحاب». يقول النووي رحمه الله: «ولكنه هو القوي» أو الصحيح من حيث الدليل. قدمنا مراراً أن الإمام النووي رحمه الله محقق في المذهب وهو رأس فيه، وهو رجل متجرد ينظر إلى الحجة والدليل. في هذه المسألة خالف أصحاب مذهب الشافعي رحمه الله وأخذ بالدليل. قال: هم يضعفون المسألة لكن الدليل أقوى أو أصح في المسألة. هذا التجرد الذي ينبغي أن يكون عليه طالب العلم. ولهذا أجمع العلماء على أن المقلد ليس بعالم ولا طالب علم، كما قال الإمام الشافعي رحمه الله ونقله ابن عبد البر: الذي يقول مذهبي كذا يتعصر، وقال له: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم كذا، وقال الله جل وعلا كذا يتعصر للمسائل، هذا ليس بطالب علم وليس بعالم. فالنوي رحمه الله يشير، يشير الناظم «واختير» هذا الموضع. كم منذ مر بنا في الأبيان؟ مر بنا موضع أيضاً آخر في باب النجاسات، مر بنا موضع آخر. هذا الموضع الثاني في المنظومة الآن يذكر اختيار النووي. العلماء أولاً المتأخرون من الشافعية اختلفوا: من فرد به النووي عن المذهب، هل هو من المذهب؟ إذا وجدنا المذهب يمشي على جادة، فيأتي إمام كالنووي فيرد المذهب بكامله ويأخذ بالدليل والحجة والحديث، فهل يعتبر قوله من المذهب؟ أم يعتبر قوله خروجاً عن المذهب؟ هذه المسألة من المسائل الشائكة عند الشافعية. هذه المسائل التي هي شائكة، يرد نفس الكلام على الإمام ابن المنذر أبي بكر، ويرد نفس الكلام على الإمام المزني تلميذ الشافعي. قدمنا كذا وكذا مسألة منذ قرأنا الكتاب، يأتي المزني فيخالف المذهب، يخالف المذهب. وهذا يدل على التجرد فيما يتعبدون لله عز وجل، دون حرج، دون تهاجر، دون تعصب، دون بغضاء، دون عداوة، إلا عند أهل الجهل. قد جرى للإمام تلميذ النووي أيضاً، بلى، وهو الإمام علاء الدين العطار. هذا الرجل عالم جليل، وكان سلفي العقيدة رحمه الله، وكان مفتي الشافعية أو من كبار مفتيهم في بلاد الشام. ورفع أمره إلى قاضي القضاة الأحناف الحنفية: ما قضيته؟ ما تهمته؟ قالوا: كثير الخروج عن المذهب. هذه تهمة الإمام علاء الدين العطار رحمه الله تعالى وغفر له، تلميذ النووي الذي حفظ التنبيه وغيره. فالشاهد: التجرد يرفع الله به الإنسان. و«اختير» فيه إشارة إلى أنه قد لا يختاره، يسوقه بصيغة المغيرة للصيغة، إشارة من ابن رسلان إلى أنه قد لا يوافق هذا المذهب لكنه يذكره وينبه عليه في ضمن منظومة يذكر فيها المعتمدة في مذهب السادة الشافعية رحمه الله تعالى. و«اختير» قلنا: الذي اختاره النووي رحمه الله تعالى من حيث الدليل. قال النووي رحمه الله: «وهو الأقوى أو الصحيح من حيث الدليل، وهو الذي أعتقد رجحانه». هكذا يقول النووي رحمه الله: «وهو الذي أعتقد رجحانه». وقد أشار البيهقي، أبو بكر، أبو بكر البيهقي، قيل فيه: «إن لكل أحد ينتسب إلى مذهب الشافعي في عنقه منة للإمام الشافعي إلا الحافظ البيهقي، فإن في عنقه منة عند الشافعي؛ لأنه حفظ مذهبه في كتابه السنن الكبرى والسنن الصغرى، وفي كتاب معرفة السنن والآثار، حفظ أقوال الشافعي بالإسناد إلى الإمام الشافعي رحمه الله». البيهقي في هذه المسألة يخالف الشافعية ويخالف المذهب في هذه المسألة، ويرى أن أكل لحم الإبل ناقض من نواقض الوضوء. يقول النووي رحمه الله: «وهو الصحيح والقوي من حيث الدليل، وهو الذي يعتقد رجحانه، وقد أشار البيهقي إلى ترجيعه واختاره وذب عنه» أي دافع عن هذا القول. المباحثات العلمية لا توجب عداوة، ولا توجب أخطاء، ولا توجب تهاجراً، ولا توجب شتاماً، ولا توجب فرقة، إلا عند من لم يفهم فقه الأئمة. كلهم إخوان. قدمنا هذا مراراً في مقدمة الشرح: كلهم إخوان، الشافعي وأحمد ومالك، وكذلك أبو حنيفة والليث بن سعد والثوري والأوزاعي وغيرهم، كلهم إخوان، كلهم يبحث عن الحق والهدى. هذا المذهب هو المشهور في مذهب الحنابلة، وهو مذهب أهل الحديث: أن أكل لحم الإبل ينقض الوضوء، أكل لحم الإبل ينقض الوضوء. جمهور أهل العلم من الحنفية والمالكية والشافعية وغيرهم من أهل العلم يرون أن أكل لحم الإبل ليس بناقض للوضوء، يرونه ليس ناقضاً للوضوء. عمدة الجمهور حديث، هو أقوى ما يستدلون به على مذهبهم، هذا أقوى ما يستدلون به على مذهبهم، وهو ما رواه أبو داود في سننه من طريق محمد بن المنكدر عن جابر. أنا أذكر الإسناد لأمر، من طريق محمد بن المنكدر عن جابر قال: «كان آخر الأمرين من رسول الله صلى الله عليه وسلم...» هذا عمدة القائلين وهم الجمهور بأن لحم الإبل إذا أكل فليس بناقض من نواقض الوضوء، هذا عمدتهم في الباب. لكن هذا الحديث أعله الأئمة الحفاظ في إسناده وأعلوه أيضاً في متنه، فهو معل إسناداً ومتناً. العلة الإسنادية: أن محمد بن المنكدر لم يسمع من جابر هذا الحديث، ففيه انقطاع. والأمر الآخر: أن الحديث فيه اختصار أوقع في اللبس. الحديث كما يقول الحفاظ والأئمة كالبخاري وغيرهم من أهل العلم: الحديث وقع في متنه اختصار أدى إلى إشكال. فهذا لم يقله النبي صلى الله عليه وسلم، ولا هو المفهوم فيما سيأتي من هذا الحديث: «كان آخر الأمرين من رسول الله صلى الله عليه وسلم ترك الوضوء مما مست النار». هذا يقول أبو حاتم رحمه الله تعالى، البخاري يقول أيضاً: محمد بن المنكدر لا يصح، قال: سمعت جابراً لا يصح، أي هذا الموضع منقطع. والواسطة في هذا الإسناد هو عبد الله بن محمد بن عقيل، وعبد الله بن محمد بن عقيل فيه خلاف، والراجح أنه من مراتب الشواهد خلافاً لبعض محدثي هذا الزمان. الرجل من مراتب الشواهد كما قال الأئمة. يقول أبو حاتم، قال ابن أبي حاتم في العلل: سمعت أبي يقول: هذا الحديث مضطرب المتن. انظروا إلى كلام أهل الشأن: هذا الحديث مضطرب المتن، إنما هو أن النبي صلى الله عليه وسلم أكل كتفاً ولم يتوضأ. كذا رواه الثقات عن ابن المنكدر عن جابر. يعني أصل الحديث: أن النبي صلى الله عليه وسلم دُعي في عزومة، فجيء بلحم، جيء بلحم، فأكل صلى الله عليه وسلم، ثم جاءت صلاة الظهر، فقال: أين الماء؟ فتوضأ صلى الله عليه وسلم، توضأ صلى الله عليه وسلم، ثم ذهب يصلي. فلما عاد من المسجد قالوا: يا رسول الله، إن في الطعام بقية، فهل... لا، عاد، فعاد صلى الله عليه وسلم فأكل، فجيء له بالوضوء، فقال: لا أحتاج، أو بهذا المعنى. فاختصر جابر رضي الله عنه هذه القصة، فقال: «كان آخر الأمرين من رسول الله صلى الله عليه وسلم ترك الوضوء مما مست النار». فغلط الأئمة الراوي في هذا الموضع، وأن القصة ليس فيها لحم الجزور، ليس فيها لحم جزور، ولا فيها أمر من أمري يعني طبخه ولا غير ذلك. إنما هذا فهم الراوي، فهم الراوي للحديث. وإلا ليس في الحديث كونه صلى الله عليه وسلم توضأ، يحتمل أن يكون غير متوضئ أصلاً؛ لأن الأكل كان قبل صلاة الظهر في هذه الرواية، كان قبل صلاة الظهر، فيحتمل أنه ليس من أجل الطعام. من أين لنا أنه من أجل هذا الأكل؟ ثم توضأ ثم ذهب إلى المسجد، صلى الله عليه وسلم، ثم أتي له بعد الصلاة ودعي صلى الله عليه وسلم إلى أن الطعام فيه بقية، فعاد وأكل، فقرب له الماء، فقال: لا أحتاج. وهذا ليس به أن الحكم السابق منسوخ بالحكم الجديد. فإن الأصل في النسخ كما قدمنا أمس: لا يكون النسخ إلا بيقين. قدمنا أمس أنه لا يصار للنسخ إلا عند التعارض. هذا أمر أول، والأمر الثاني عندك يقين، فقل عند عدم إمكان الجمع، عند تعذر الجمع. هذه القاعدة عند أهل العلم: فإذا أمكن الجمع لم يجز أن يدعي مدعٍ أن هذا ناسخ لهذا. هكذا قال أهل العلم في أصول الفقه. فلهذا الجمع متيسر. الحفاظ من الأئمة، إلى ابن تيمية، إلى ابن القيم في المتأخرين، كلهم على أن هذا وهم، على أن هذا وهم في هذا الموضع. يقول ابن القيم رحمه الله في زاد المعاد متعقباً: لفظ «كان آخر الأمرين من رسول الله صلى الله عليه وسلم ترك الوضوء مما مست النار». يقول ابن القيم: «ليس فيه حكاية لفظ عام»، يعني جعل هذه المسألة كقاعدة. يقول ابن القيم: «ليست بصواء، ليس فيه حكاية لفظ عام عن صاحب الشرع، وإنما هو إخبار عن واقعة، عن واقعة فعل في أمرين، أحدهما متقدم على الآخر، كما جاء ذلك مبيناً في نفس الحديث، وأنهم قربوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم لحماً فأكل، ثم حضرت الصلاة فتوضأ فصل، ثم قربوا إليه فأكل، ثم صلى ولم يتوضأ، فكان آخر الأمرين منه ترك الوضوء مما مست النار». هكذا جاء في هذا الحديث. فاختصره الراوي لمكان الاستدلال. أطال ابن القيم رحمه الله في بيان هذه المسألة. يقول أيضاً شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: المنقول عنه الترك في قضية معينة، عندها كلام. فهذه قضية معينة، وليس الترك عاماً ومطلقاً. كما قال أبو حاتم رحمه الله وأبو زرعة، كما قال أبو حاتم: الحديث معل، مضطرب، مضطرب المتن، ضعيف. الإسلام، لازمنا في هذه المسألة، لم نكملها بعد، نكملها بعد الصلاة إن شاء الله. وإذا كان لكم شيء، وإلا وقفنا هاهنا. وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.