الدرس في التعليق على كتاب التوحيد 53، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يبرأ النبي ﷺ من اتخاذ خليل من أمته لأن الله اتخذه خليلاً كما اتخذ إبراهيم، والخلة أعلى مراتب المحبة ولا تثبت إلا لإبراهيم ومحمد عليهما السلام. ويستدل بفضيلة أبي بكر بأنه أحب الرجال إلى النبي ﷺ ولو جاز اتخاذ خليل لاتخذه.
ينهى النبي ﷺ عن اتخاذ القبور مساجد تحريماً عاماً لكل القبور سواء لأنبياء أو صالحين أو غيرهم، ويتحقق اتخاذ القبر مسجداً بالصلاة عنده أو البناء عليه أو إدخاله في المسجد. وهذا التحريم سداً لذريعة الشرك، والمصلي عند القبر يدخل في اللعن الوارد حتى لو لم يُبنَ عليه مسجد.
توضح عائشة رضي الله عنها أن خشية اتخاذ القبر مسجداً تعني الصلاة عنده والتحرّي له، وكل موضع صُلي فيه يسمى مسجداً. ويستدل بحديث ابن مسعود أن من شرار الناس من يتخذون القبور مساجد بالبناء أو الصلاة، وفاعل ذلك ملعون متشبه باليهود والنصارى.
يشير المقطع إلى أن بعض الناس يصلون عند بعض القبور وهذا داخل في النهي الوارد، ويختتم الدرس مع تأجيل مسائل الباب للدرس القادم.
الحمد لله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. وبعد، قال الشيخ المجدد محمد بن عبد الوهاب -رحمه الله تعالى-: قال ولي مسلم عن جندب بن عبد الله -رضي الله عنه- قال: سمعت النبي -صلى الله عليه وسلم- قبل أن يموت بخمس وهو يقول: «إني أبرأ إلى الله أن يكون لي منكم خليل، فإن الله قد اتخذني خليلا كما اتخذ إبراهيم خليلا، ولو كنت متخذًا من أمتي خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا. ألا وإن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد، فإني أنهاكم عن ذلك». ومعنى الحديث: أن جندب بن عبد الله البجلي -رضي الله عنه- سمع النبي -صلى الله عليه وسلم- قبل أن يموت بخمس. قال المختصرون للحديث: أي بخمس ليال. فهذا يدل على أن النبي -عليه الصلاة والسلام- في آخر حياته وهو يحذر من الشرك ومن وسائله. ومن وسائله -كما مر معنا في حديث عائشة -رضي الله عنها- أنه لما نزل برسول الله -صلى الله عليه وسلم- طفق يطرح خميصة -يعني إلى آخر لحظات حياته- وهو يدعو -عليه الصلاة والسلام- إلى التوحيد ويحذر من الشرك، ويحذر من الشرك. قال: «وهو يقول: إني أبرأ إلى الله». البراء: يعني التخلي، أتخلى إلى الله أن يكون لي منكم خليل. والخلة هي أعظم وأعلى مراتب المحبة، تسمى الخلة. والله -عز وجل- أعلى وأعظم مراتب المحبة تسمى الخلة. والله -عز وجل- ذكر لنا في كتابه أنه اتخذ نبيين خليلين له: إبراهيم ونبينا محمد -صلى الله عليه وسلم- بنص هذا الحديث. قال الله -عز وجل-: ﴿وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا﴾. وهذا الحديث أيضًا ينص على أن الله -عز وجل- اتخذ نبينا محمدًا -صلى الله عليه وسلم- خليلًا. لذلك خطأ العلماء أن تقول: محمد حبيب الله. قالوا: هذا خطأ، هذا تنقص في حق النبي -عليه الصلاة والسلام-. والصواب أن تقول: خليل الله. لا تقول: حبيب الله؛ لأن كثيرًا من البشر يحبهم الله -صلى الله عليه وسلم-، فالحب ثابت من الله -عز وجل- لكثير من خلقه، لكن الخلة ليست ثابتة لأحد من الخلق إلا لإبراهيم ونبينا محمد -عليهما الصلاة والسلام-. فهذا معنى قوله: «إني أبرأ إلى الله أن يكون لي منكم خليل»، لأن الله اتخذه خليلا، فأتخلى أن يكون لي منكم خليل. فهو خليل الله -عليه الصلاة والسلام-. قال: «فإن الله قد اتخذني خليلا كما اتخذ إبراهيم خليلا». وهذا تعليل، الفصحاء سموها تعليلية أو سببية، يعني: لماذا يبرأ النبي -عليه الصلاة والسلام- إلى الله أن يكون له من أمته خليل؟ السبب: لأن الله قد اتخذه خليلا، فلا يجوز أن يكون له خليل آخر. واضح. فهذا معنى قوله: «فإن الله قد اتخذني خليلا كما اتخذ إبراهيم خليلا». «ولو كنت متخذًا من أمتي خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا». بمعنى: أن من أحب الناس إلى النبي -عليه الصلاة والسلام- هو أبو بكر -رضي الله عنه-. فلو كان يصح للنبي -عليه الصلاة والسلام- أن يتخذ من أمته خليلا لاتخذ أبا بكر، لكنه لا يصح ولا يجوز له أن يتخذ -عليه الصلاة والسلام- خليلا من أمته. لكن على الفرضية: لو كان يجوز له ذلك لاتخذ أبا بكر خليلا. وهذا فيه فضيلة لأبي بكر، واستدل بهذا الحديث على أفضلية أبي بكر على سائر الصحابة، وأن أبا بكر -رضي الله تعالى عنه- أحب إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- من علي، لا كما تزعمه الرافضة أن عليًا أحب إلى النبي -عليه الصلاة والسلام- من أبي بكر. فهذا الحديث واضح في أن أحب الناس من الرجال إلى النبي -عليه الصلاة والسلام- هو أبو بكر. فلما سئل -عليه الصلاة والسلام-: من أحب الناس إليك؟ قال: عائشة. وقيل له: من الرجال؟ قال: أبو بكر. قال أبو بكر: نعم، حب حب رسول الله، يعني ممن يحبهم رسول الله، لكن ليس هو أحب. واضح هذا الآن. يعني الإنسان قد يحب كثيرين، والمحبة درجات، فأنا أحب فلانًا أكثر من فلان، وفلانًا أكثر من فلان، وكلهم أحباء لي. واضح هذا الآن. فأبو بكر من أكثر الناس محبة إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بدليل هذا الحديث حيث قال -عليه الصلاة والسلام-: «ولو كنت متخذًا من أمتي خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا». ثم قال: «ألا وإن من كان قبلكم» يعني من الأمم السابقة، من الأمم السابقة كانوا يتخذون قبور أنبيائهم مساجد. وقد تقدم معنا كيف يكون اتخاذ القبور مساجد: إما بالصلاة عندها كما سيأتي من كلام شيخ الإسلام -رحمه الله- أي ابن تيمية، وإما بإدخالها في المسجد، أو ببناء المسجد عليها. كل ذلك يسمى اتخاذ القبور مساجد. «ألا فلا تتخذوا القبور مساجد». «ألا» هذا يؤتى بها للتنبيه، يؤتى بها للتنبيه. «فلا تتخذوا»: لا هنا ناهية، وفيه النهي عن اتخاذ القبور مساجد. «فإني أنهاكم عن ذلك». هذا فيه التصريح، قالوا: ومن أقوى أنواع النهي أن يؤتى بلفظه، يعني: أنهى عن كذا وكذا. فهنا أتى أولًا بلا الناهية: «فلا تتخذوا»، ثم صرح بهذا النهي ليتوكد هذا النهي، وقال: «فإني أنهاكم عن ذلك». وهذا الحديث فيه النهي عن اتخاذ أي مسجد قبرًا، اتخاذ أي قبر مسجدًا. بخلاف حديث عائشة المتقدم في قولها: «يحذر ما صنع، ولول ذلك أبرز قبره». فهذا خاص به، لكن هذا الحديث عام، عام في كل قبر، في كل قبر. «فلا تتخذوا القبور مساجد»، سواء كان قبر أنبياء أو من هو دونهم. فالأحاديث المتقدمة جاءت خاصة في قبور الأنبياء وكذلك الصالحين، وهذا في عامة القبور. ولو كان هذا القبر ليس قبر صالح، أي قبر؛ لأنه قال: «ألا فلا تتخذوا القبور مساجد». «القبور» فأل هنا للاستغراق، للاستغراق، فيدخل فيها أي قبر، ولو كان هذا القبر قبر إنسان فاسق فاجر، فيدخل في هذا العموم. وما هو وجه الشاهد من إراد هذا الحديث للترجمة «فلا تتخذوا القبور مساجد»؟ ولو كان تصلي فيها لله، سدًا لذريعة الشرك. فهذا فيه التغليظ فيمن عبد الله عند قبر رجل صالح، فكيف إذا عبد؟ كما تقدم: قد يقول قائل: «مالي وما للقبر؟ نعم هذا المسجد في قبر، لكن أنا ما سأصلي لهذا القبر، أنا سأصلي لله». هل نقول له: «إذن، نيتك هكذا، لا بأس، تصلي في هذا المسجد»؟ هل نقول له ذلك؟ لا. لماذا؟ لأن هذا الفعل يؤدي إلى الشرك. أنت تقول هذا، لكن غيرك لا يقول ذلك، وربما بعد فترة أنت تكون ممن يعبد هذا القبر. إذًا لماذا تتحرى الصلاة في هذا المسجد؟ فإذا لا يصلى في المسجد الذي فيه قبر؛ لأنه ذريعة إلى الشرك. فيه التغليظ فيمن عبد الله عند قبر رجل صالح، فكيف بمن عبد؟ قال: «ثم إنه لعن». هذا الكلام نقل عن شيخ الإسلام ابن تيمية. ثم إنه لعن، وهو في السياق من فعله، لأنه قال: ماذا؟ لعنة الله. الحديث الذي قبله: «لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد». قال: «ثم إنه لعن». وفي السياق من فعله: والصلاة عندها من ذلك. الصلاة عند القبر من اتخاذ القبور مساجد، فيدخل في هذا اللعن. «وإن لم، وإن لم يبن مسجد». ومعنى «وإن لم يبن مسجد»: يعني لو في قبر ما فيه مسجد، لكن الناس يأتون يصلون عند هذا القبر، هل يدخل في هذا النهي؟ نعم، يدخل في هذا النهي؛ لأن العبرة: لماذا أدخل المسجد؟ لأن المسجد يصل فيه. تمام. وهذا القبر وإن لم يكن عليه مسجد، طالما أنه يصلى عنده فهو يدخل في هذا النهي: «اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد». لذلك قلنا: من معنى اتخاذ القبور مساجد الصلاة عندها، ولو لم يبن عليها مسجد. واضح. ولو لم يبن عليها مسجد. لذلك قال: «ثم إنه لعن، وفي السياق من فعله، والصلاة عندها من ذلك، وإن لم يبن مسجد». وهو معنى قولها: «خشية أن يتخذ مسجدًا». فإن الصحابة لم يكونوا يبنوا حول قبره مسجدًا. يعني: لماذا هنا عائشة قالت: «ولول ذلك أبرز قبره، غير أنه خشية أن يتخذ مسجدًا»؟ هل مراد خشية أن يبنى عليه مسجد؟ لا، ليس هذا المراد. لماذا؟ لأن المسجد أصلًا قائم في عهد الصحابة. المسجد قائم، والنبي -صلى الله عليه وسلم- دفن في حجرة عائشة، وحجرة عائشة ليست من المسجد. فكيف سيبنون على حجرة عائشة؟ معناه: سيبنون مسجدًا آخر. عرفتم هذا الآن. فإذن ما مراد عائشة: «خشية أن يتخذ مسجدًا»؟ يعني: خشية أن يتحرى الناس الصلاة عند قبره. تمام. ففيه هذا المعنى: أن المسجد، أن القبر ولو لم يبنَ عليه مسجد، إذا صلي عنده يدخل في عموم هذا النهي، يدخل في عموم هذا النهي. فهو معنى من معاني اتخاذ القبور مساجد. فهو معنى من معاني اتخاذ القبور مساجد. عرفتم هذا الآن. وهذا معنى قوله: وهو معنى قوله: «أخشي أن يتخذ مسجدًا». فإن الصحابة لم يكونوا ليبنوا حول قبره مسجدًا، وإنما المراد: خشية أن يصلَ عند قبره. واضح. قال: «وكل موضع قُصِدَت الصلاة فيه فقد اتخذ مسجدًا، فيسمى مسجدًا». ولذلك ماذا قال النبي -عليه الصلاة والسلام-؟ قال -عليه الصلاة والسلام-: «أعطيت خمسًا لم يعطهن نبي قبلي»، وذكر منها ماذا؟ «وجعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا». ما معنى «مسجدًا»؟ يعني: تستطيع أن تصلي في أي مكان من الأرض، وكل مكان صليت فيه يسمى مسجدًا. واضح هذا الآن. ولذلك قال: «وكل موضع قُصِدَت الصلاة فيه فقد اتخذ مسجدًا». بل كل موضع يصلى فيه يسمى مسجدًا، كما قال -صلى الله عليه وسلم-: «جعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا». واضح هذا الآن. إذن وجه الشاهد من كلام المؤلف هنا: أن أيضًا مما يغلظ فيه الصلاة عند القبر، ولو لم يبنَ عليه مسجد. واضح هذا الآن. ولو لم يبنَ عليه مسجد. قال: «ولأحمد بسند جيد عن ابن مسعود -رضي الله عنه- مرفوعًا». ومعنى «مرفوعًا»: يعني إلى النبي -عليه الصلاة والسلام-، يعني كأن قال: عن النبي -عليه الصلاة والسلام- قال: «إن من شرار الناس من تدركهم الساعة وهم أحياء، والذين يتخذون القبور مساجد». وهذا الحديث يصححه العلامة الألباني -عليه رحمة الله-. إيش عندك يا قوله: «إن من شرار الناس من» هنا للتبعيد، يعني: من شرار الناس، من أشر الناس عند الله -عز وجل-: «من تدركهم الساعة وهم أحياء». بمعنى: من تقوم عليهم الساعة؛ لأن الساعة لا تقوم إلا على أشر الناس. طيب، قد يستشكل أحدكم فيقول: ألم يقل النبي -عليه الصلاة والسلام-: «لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين لا يضرهم من خالفهم ولا من خذلهم حتى يأتي أمر الله»؟ في رواية: «حتى تقوم الساعة». فإذا كيف الجمع؟ هذه الطائفة المنصورة تبقى إلى آخر الزمان، فكيف الجمع؟ قالوا: الجمع المراد: «حتى تقوم الساعة» يعني: حتى يقرب وقت قيام الساعة، وحتى يأتي أمر الله يعني: حتى يقرب أمر الله في قيام الساعة، فتأتي ريح فتقبض أرواح كل إنسان صالح في آخر الزمان، فيموت كل الصالحين، فما يبقى إلا أراذل الناس، وما يبقى إلا شرار الناس، فتقوم عليهم الساعة. واضح هذا الآن. فيحمل الحديث على هذا، يحمل الحديث على هذا. وقوله: «والذين يتخذون القبور مساجد». وذكرنا فيما مضى ما معنى الذين يتخذون القبور مساجد: إما ببناء المساجد عليها، وإما بالصلاة عندها، ولو لم يبنَ مسجد. واضح. ولو لم يبنَ مسجد. هذا كله من معاني اتخاذ القبور مساجد. فإذن هذا الحديث فيه التغليظ، فيه التغليظ. إذن من عبد الله عند قبر فهو ملعون، وهو متشبه باليهود والنصارى، وكذلك فإن النبي -عليه الصلاة والسلام- قد نهى عن ذلك، وهكذا يعد من يفعل ذلك من شرار الخلق. أليس هذا كله تغليظ في هذا؟ بلى، هذا تغليظ في اتخاذ القبور مساجد. فإذن يحذر المسلم من ذلك. وللأسف كما تقدم أن عباد القبور يخالفون صريح هذه الأحاديث، فهم يعاندون أحاديث النبي -عليه الصلاة والسلام-. فما من مسجد، ربما من مساجدهم، إلا وتجد فيه القبر أو الضريح. وهكذا ربما يتحرون الصلاة عند بعض القبور، عند بعض القبور، وكل ذلك يدخل في هذا النهي، يدخل في هذا النهي. نكتفي بهذا، ومسائل الباب نؤجلها -إن شاء الله- إلى الدرس القادم. إلى هنا.