مداخل الشيطان على الإنسان

المحاضرة بعنوان مداخل الشيطان على الإنسان، وكانت بمسجد السنة بالحامي الجمعة ٤ محرم ١٤٣٥هـ ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

عداوة الشيطان لبني آدم ومداخله لإغوائهم

يتناول هذا الفصل عداوة الشيطان لبني آدم منذ خلق آدم عليه السلام، وطرق إغوائهم كما ورد في كتب العلماء مثل 'تلبيس إبليس' و'إغاثة اللهفان'. يوضح أن الشيطان عدو حقيقي يستخدم طرقًا مختلفة لإغواء بني آدم.

الخطوات المتدرجة لإغواء الإنسان

يشرح هذا الفصل الخطوات الست التي يستخدمها الشيطان لإغواء الإنسان، بدءًا بالكفر والشرك، ثم البدع، فالكبائر والمعاصي، ثم الصغائر، فالمباحات، وأخيرًا تقديم المفضول على الفاضل. يبين مقاومة الإنسان القوي لهذه المحاولات.

خطورة الشيطان وكيده لإضلال بني آدم

يُنبه هذا الفصل إلى خطورة الشيطان وذكائه في إضلال بني آدم، ويشرح كيف يسعى الشيطان لجعل بني آدم يشاركونه العذاب في النار، ويستخدم طرقًا مختلفة لإضلالهم، أهمها الكفر والشرك بالله.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهدي الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له. أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون. يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالًا كثيرًا ونساءً، واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام، إن الله كان عليكم رقيبًا. يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولًا سديدًا يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم، ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزًا عظيمًا. أما بعد، فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. ثم أما بعد، فكما سمعتم أن المحاضرة بعنوان مداخل الشيطان على الصالحين، والمحاضرة هي لأبي هاشم، وإنما هذه مشاركة فقط، ومدخل لهذا الموضوع، وهو موضوع مداخل الشيطان. فالشيطان كما يعلم الصغير والكبير أنه عدو لنا، ﴿إن الشيطان لكم عدوًا فاتخذوه عدوًا﴾، فالشيطان هو عدو من زمن بعيد منذ أن خلق الله جل وعلا آدم عليه السلام. ومن ذلكم اليوم عندما قال: «يا آدم هل أدلك على شجرة الخلد وملك لا يبلى»، إلى أن تقوم الساعة وهو عدو مع أعوانه ومع حزبه ومع ذريته، يسعى سعيًا حثيثًا لإغواء بني آدم، كما قال: ﴿فبما أغويتني لأقعدن لهم صراطك المستقيم ثم لآتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم ولا تجد أكثرهم شاكرين﴾. فهو يسعى سعيًا حثيثًا لإغوائنا، وهذا الشيطان من عقيدتنا ومن عقيدة أهل السنة أنه حقيقي ليس كما يقول من يقول: هذا الشيطان رمز فقط للشر ورمز للفساد، وبعضهم يقول: هو الفساد الموجود في الأرض هذا هو الشيطان، وبعضهم يقول: هو شيء معنوي، ومنهم من يقول: هذه الجراثيم الموجودة هي الشيطان. هذه أقوال لبعض الناس يقولونها في الشيطان، لكن هذه المسألة مسألة عقدية، مسألة لها تعلق بصميم العقيدة. فالشيطان حقيقي موجود وهو من الجن، خلقه الله سبحانه وتعالى من نار، كما قال الله جل وعلا: ﴿وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس كان من الجن ففسق عن أمر ربه﴾. فالشيطان من الجن وله ذرية وله شياطين كثر، لأكثرهم الله يسعون سعيًا حثيثًا لإغواء بني آدم بشتى الطرق وبشتى الوسائل. وكما جاء في الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ما منكم من أحد إلا وقد وكل له قرينه من الجن ومن الملائكة»، قرينه من الجن وقرينه من الملائكة. قالوا: «وإياك يا رسول الله حتى أنت؟»، قال: «وإياي إلا أن الله أعانني فلا يأمرني إلا بالحق». كل إنسان له قرين من الجن وله قرين من الملائكة، هذا الشيء حقيقي حتى النبي صلى الله عليه وسلم، ولكن كما قال: «إلا أن الله أعانني فلا يأمرني إلا بالحق». فكل إنسان له قرين من الجن يتصارع معه في هذه الحياة، ولهذا قال الله جل وعلا: ﴿قل أعوذ برب الناس ملك الناس إله الناس من شر الوسواس الخناس الذي يوسوس في صدور الناس من الجنة والناس﴾. من الجنة أي من شياطين الجن، والناس كذلك هناك شياطين من بني آدم يأمرونك بالشر ويأمرونك بالفساد. فمن عقيدة أهل السنة أن الشيطان حقيقي وموجود، ليس كما يقول من يقول ممن انحرف عن الصراط المستقيم أن الشيطان هذا رمز الفساد أو رمز الشر أو هذه الجراثيم أو إلى غير ذلك من هذه التراهات ومن هذه الأقوال البعيدة عن عقيدة أهل السنة. فالشيطان حريص على إغواء بني آدم، وله طرق وله مصائد وله خطوات، ولهذا قال: ﴿ولا تتبعوا خطوات الشيطان إنه لكم عدو مبين﴾. ولهذا فإن علماء الإسلام اهتموا بمداخل الشيطان وبمصائد الشيطان وبخطواته، فبينوها للمسلمين، فصنفوا المصنفات في بيان مكايد الشيطان ومداخل الشيطان ومصائده. فهناك كتاب لابن أبي الدنيا اسمه «مكايد الشيطان»، وهناك كتاب لابن الجوزي عليه رحمة الله، كتاب عظيم حافل في مداخل الشيطان على كثير من الناس من أهل الكفر والإلحاد ومن أهل البدع، بل ومن أهل الصلاح الذين هم من أهل السنة، كيف دخل عليهم الشيطان في كثير من المسائل، اسمه هذا الكتاب «تلبيس إبليس». هذا كتاب قيم بين فيه ابن الجوزي عليه رحمة الله تلبيس إبليس على أهل الكفر والإلحاد، وبعد ذلك على الفرق الضالة التي ضلت، فمنها من خرج عن الإسلام، ومنهم من بقي في الإسلام على البدع الموجودة التي عنده. وهكذا على تلبيس إبليس على العباد وعلى الزهاد، تلبيس إبليس على كثير من الناس في أمر الطهارة وفي أمر الصلاة وفي كثير من مسائل الدين، بيّن عليه رحمة الله حتى دخول إبليس على الصالحين، فله مداخل وله طرق على الصالحين، إن نجوا من أبواب كثيرة فدخل عليهم من أبواب أخرى، لبس عليهم في بعض المسائل واستدرجهم في بعض المسائل، فبينها عليه رحمة الله. وجاء بعده ابن القيم الجوزية عليه رحمة الله، فألّف ذلكم الكتاب الفذ، ذلكم الكتاب العظيم «إغاثة اللهفان في مصايد الشيطان»، هذا كتاب عظيم جدًا، بيّن فيه ابن القيم عليه رحمة الله كيف يأتي الشيطان للإنسان، وكيف يدخل عليه، وكيف يتدرج معه أحيانًا باسم الدين، باسم الدين يضلّه، يدخله في أمور، فيأتي له من باب الدين. وهكذا الشيطان يأتي لبعض الناس بما يناسبه، فيأتي للزاهد من باب الزهد، ويأتي للعالم من باب العلم، ويأتي للجاهل من باب الجهل، له خطوات، ولهذا نهانا الله جل وعلا عن اتباعها: ﴿ولا تتبعوا خطوات الشيطان إنه لكم عدو مبين﴾. وذكر ابن القيم عليه رحمة الله في كتابه الذي ذكرناه «إغاثة اللهفان» أن للشيطان ست مداخل لبني آدم، فيأتي هذا الشيء الخطوة الأولى يأتيه من باب الكفر والشرك، من باب الكفر والشرك، لكن إذا كان هذا الإنسان من المسلمين فلا يطعه هذا الإنسان، يأمره بالكفر ويأمره بالشرك فيعصاه يعصي هذا الشيطان. فإن لم يطعه في هذه الخطوة تدرج إلى الخطوة الثانية، يأتيه من باب البدعة، أن يبتدع في دين الله، وأن يفعل البدع والمحدثات، ولكن إذا كان هذا الإنسان من أهل السنة فإنه لا يطعه في ذلك، لأنه من أهل السنة يعلم أن البدعة خطيرة في الإسلام، وأن النبي عليه الصلاة والسلام حذر من البدع، فقال: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد»، كما جاء ذلك في مسلم من حديث عائشة. وقال: «إياكم ومحدثات الأمور»، فهذا السنع يعلم أن الدين كامل، وأنه ما مات عليه الصلاة والسلام حتى أكمل الله به هذا الدين وأتم به النعمة علينا، ﴿اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينًا﴾. فالشيطان ما استطاع على هذا الإنسان أما في باب الكفر والشرك فهو أبعد، جاء لهم من باب البدع ما استطاع. وقد يستطيع لبعض الناس، لكن هو يتدرج، ما استطاع من باب البدع، هذا الإنسان محصن يعلم أن البدع خطيرة في الإسلام، جاء له الخطوة الثالثة من باب الكبائر والمعاصي، يأتي له من باب الكبائر، يبتليه بالمعاصي الكبيرة، يفتح له أبوابًا للمعاصي الكبيرة، إما أن يوقعه في زنا أو يوقعه في عقوق للوالدين أو يوقعه في ربا أو يوقعه في الغيبة والنميمة، كل هذه كبائر. لكن ما استطاع هذا الإنسان، أتى له من باب الكفر ما استطاع، من باب البدع ما استطاع، من باب كبائر الذنوب ما استطاع، ما استطاع له عصمه الله، وإن وقع أناب ورجع، إن وقع فهو سريع الرجوع إلى ربه سبحانه وتعالى، لأنه غير معصوم: ﴿والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم ومن يغفر الذنوب إلا الله ولم يصروا على ما فعلوا وهم يعلمون﴾. ما استطاع لهذا الإنسان، انتقل إلى الخطوة الرابعة، هكذا ما يمل الإنسان، ما يمل الشيطان أبدًا، ما يمل يحاول على إغواه بني آدم، فيأتيه من باب الصغائر، الصغائر إلا اللمم، يأتيه من باب الصغائر، صغائر الذنوب وهي غير الكبائر، وهي محرمة، الصغائر وهذه لها كفارات، الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان، مكفرات لما بينهن إذا اجتنبت الكبائر. يأتيه من باب الصغائر، يقع هذا الإنسان، عصمه الله سبحانه وتعالى من كبائر الذنوب، جاء له من باب الصغائر، هذه صغائر يا أخي، أنت تصلي وتصوم رمضان إلى رمضان، فأنت صمت من رمضان إلى رمضان، والصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة، افعل هذه الصغائر وستكثرها، هذه الأمور الصيام والصلاة والجمعة إلى الجمعة. وهكذا يتدرج يا أخي، ما يضرك افعل هذه الصغائر، وهي خطيرة لأن هذه الصغائر إذا ما وجد التوبة منها فإنها يجتمعن على العبد فيهلكنه، لكن ما استطاع هذا الشيطان، حاول وأتى له بالحديث، يأتي بالأدلة من القرآن، آيات وأحاديث حتى يوقعه، يقول لك يا أخي هذه الصغائر تكثرها، ما استطاع هذا الإنسان قوي، إذا هنا هو قوي، إذا ما استطاع الشيطان على أن يتغلب على هذا الإنسان حتى في الصغائر هو قوي لا زال. لكن لا تغتر انتبه، طيب هذا الشيطان الآن حاول بأربع خطوات ما استطاع على هذا الإنسان، طيب نأتي لهذا الإنسان من أين يشغله بالمباحات، إذن الآن أنت هذا الشرك والكفر والبدع والكبائر والصغائر، يا أخي لابد أن تفرج عن نفسك، لابد من الفسحة في الإسلام، هكذا يعني يناقشك ويصارعك، لابد من الفسحة فيشغله بالمباحات، مباحات صحيح هو ما يقع في المعاصي، لكن يشغله بالمباحات دائمًا مضيع لوقته. ليس فقط ليس في المحرمات لا صغائر ولا كبائر، لكن مباحات لعب ومباح وتضييع للأوقات، وثمر مثلا في أمور ما تنفعه، مع قيامه لصلاة الفجر، وإلا لو كان ما يقوم لصلاة الفجر نقول له هذا الآن، لكن مع محافظته على الفرائض، لكن يشغله عن المباحات، عن المباحات كأن يبعده عن حلقات العلم، وقل له اجلس على جهاز الكمبيوتر يلعب ويفعل أشياء ما تنفعه، ذلكم النفع فيشغله بالمباحات. وهكذا يدخل الشيطان على كثير من الناس، وقت هذا الإنسان يقول لك: «أنا مشغول»، إيش مشغول بماذا مشغول؟ المهم «أنا مشغول»، مشغول بمباحات يتوسع في أمر المباحات، وإذا أتيت له يناقشك: «يا أخي هذا مباح هذا ليس بمحرم هذا كذا»، فهذه الخطوة الخامسة ما استطاع الشيطان على هذا الإنسان، هذا الإنسان قوي حتى في باب المباحات ما استطاع عليه، ممكن يعني مباحات بحدود، ولكن يحنظل ساعة وساعة من هذا الباب، لكن محافظ على وقته. له برنامج في القرآن، له برنامج في حفظ السنة، له في حلقات العلم، محافظ على كذلك الصلوات في جماعة في الصف الأول، له فسحة يسيرة لا بأس بذلك، لا بأس، وهذا أمر مطلوب شرعًا، ولكن يحنظل ساعة وساعة، فهذا الشيطان ما استطاع على هذا الإنسان، ما زال هذا الإنسان يحافظ على وقته. طيب كيف نأتي لهذا الإنسان؟ هذا إنسان صعب، ما هي الخطوة الأخيرة؟ الخطوة الأخيرة يشغله بالمفضول عن الفاضل، يشغله بالمفضول عن الفاضل، ما استطاع في أمر المباحات، وهذه يعني تأتي أحيانًا أعمال للإنسان كيف يتصرف في هذه الأعمال؟ هذا طيب وهذا أطيب، هذا طيب وهذا أطيب، فيريد الشيطان حتى يرضى بالشيء اليسير، يريد أن ينقص أجر هذا الإنسان، يريد أن ينقص أجر هذا الإنسان فيشغله بالمفضول. حتى تأتي إليه تقول له: «يا أخي هذا العمل أفضل»، يقول لك: «يا أخي هذا عمل يعني طيب وفيه حسنات وفيه كذا»، وهذا من مداخل الشيطان، هذا من مداخل الشيطان على بني آدم، فإذا هذا هو الأمر السادس، هذا هو الأمر السادس، أنه يشغل هذا الإنسان بالأمر المفضول عن الفاضل. والتمييز بين الفاضل والمفضول يحتاج إلى ثقة، وإذا فقهه الإنسان فإنه قد أدرك بابًا عظيمًا من أبواب العلم، كيف يميز بين الفاضل والمفضول؟ متى تقدم الفاضل على المفضول؟ ومتى تقدم المفضول على الفاضل؟ ليس على إطلاقه أن الفاضل يقدم مطلقًا على المفضول، هناك مواضع تجعل المفضول في هذا الوقت في هذا الزمن أو في هذا المكان تجعل المفضول أفضل من الفاضل في مواضع. ولكن هذا يحتاج إلى ثقة، فالمهم أن الشيطان إذا ما استطاع للإنسان أن يأتي له من باب المباحات، أتاه من باب تقديم المفضول على الفاضل، فهذه ست طرق يتبعها الشيطان لإغواء بني آدم بشكل عام لجميع الناس، هذه الخطوات وهناك خطوات خاصة للصالحين، وكذلك هي عامة للمسلمين. فنترك المجال لأبي هاشم حفظه الله يبينها، وجزاكم الله خيرًا. إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فهو المهتد ومن يضلل فلن تجد له وليًا مرشدًا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، فسمعنا إخواني في الله في كلمة أخينا أبي حذيفة حفظه الله تعالى ورعاه الخير الكثير والنصح العميم الذي أجاد فيه وأفاد حول ذكر ما يتعلق بالموضوع أولًا، وهو التحذير من مداخل الشيطان. لا يخفى إخواني في الله علينا معشر المسلمين بأن الله جل وعلا أمرنا باتخاذ الشيطان عدوًا: ﴿إن الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدوًا﴾. لكن العجب كل العجب أن يصل الجهل بأحد من أهل الإسلام ممن كانوا يظن أنه قد اعتنق دين الله جل وعلا حقًا وصدقًا، فتغيب عليه مثل هذه المعالم البارزة في الدين والملة، فيصل به التواصل مع الشيطان والتعامل مع الشيطان إلى عبادته، وليس هذا من باب المجاز، لا عبادة حقيقية. ولا أظن من كان متتبع للأحداث الأخيرة التي جرت في بعض البلدان العربية وأعني بها مصر، حيث تم القبض على جماعة للمسلمين زعموا يعبدون الشيطان نهارًا جهارًا عيانًا، لهم شعائر يزعمون أن الشيطان يظهر عليهم ولهم وله يتقربون بالقرابين، إما بحيوانات متعددة من بهائم ومن قطط ومن كلاب، لكن بلون أسود، ثم يسفكون فيها الدم وهي كما يفعلون من فواحش ورذائل من زنى ولواط وشرب الخمور والمخدرات. فسبحان الله، فالمسلم إخواني في الله في هذا الباب بين إفراط وتفريط، فلا تظنن عبد الله بأنك مسلم استشعرت بعظمة هذا الدين أنك في حماية عن الشيطان، الشيطان ذكي، الشيطان ذكي، كم لك يا عبد الله أنت من كم لك من السنين ومن السنوات في هذه الدنيا حتى تعرفت على الشيطان؟ لك ستون سنة سبعون سنة، فما ظنك بشيطان وجد منذ المعمورة منذ من قبل خلق آدم ولا زال موجود؟ كم التجارب التي مرت عليه؟ كم من أمم قد أهلكها بذكائه بفطنته؟ فهو يعرف فجعل لكل واحد مفتاح، وكما سمعتم في كلمة أخينا أبي حذيفة يعرف مفتاح الزهاد، كيف يوقعهم في المصائب، العلماء كيف يوقعهم في الفواحش، ناهيك عن عامة الناس، يعرف. فالشيطان إخواني في الله من أذكى المخلوقات، فما ينبغي إخواني في الله أن نتجاهل الأمر، نتجاهل الأمر، بل علينا أن نتمعن في حال هذا المخلوق الذي بلغ من الشر مبلغًا عظيمًا، لا أحد في الشر مثله، يضرب به المثل في الشر. فإخواني في الله، فهذه المواضيع من المواضيع المهمة أن المسلم يتمعن في هذا المخلوق، ما هيته، ما هي قدرته، ما هي أفعاله، ما هي أعماله حتى يحذرها. فإن هذا مما يعطيك الدافع لكي تدافع عن نفسك، كيف تهرب من عدو أنت لا تهرب ما هو العدو؟ من هو العدو؟ أنت لا يمكن وقد لك يا عبد الله خلف هذا الباب عدو، كيف ستتعامل معه؟ لن تهجم عليه هجوم ما يدريك من هذا العدو؟ قد يكون رجلًا كمقدار الفيل، وقد يكون حقيرًا كبعوضة. فلابد أن تتعرف على ما هي العدو، وأخواني في الله والآيات في هذا الباب كثيرة وكثيرة جدًا، امتلأ كتاب ربنا جل وعلا، وهكذا على غراره السنة النبوية، جاءت الأحاديث وقبل ذلك الآيات الموضحة لحال الشيطان، وذلك حتى يكون للمسلم الدراية الكافية والتامة عن هذا المخلوق، وكيف التعامل معه. الشيطان إخواني في الله كما سمعتم في كلمة إخواننا في مقدمة المحاضرة، وفي كلمة أبي حذيفة أن الشيطان منذ الوهلة الأولى قد أعلن الحرب على آدم عليه السلام وعلى ذريته من بعده، بل قبل أن يخلق آدم ولو لازال في طور الخلق، في طور الخلق والشيطان قد أضمر في نفسه العدام. ثبت في صحيح مسلم من حديث أنس رضي الله تعالى عنه قال عليه الصلاة والسلام: «أن الله جل وعلا لما صور آدم صور آدم تركه ما شاء الله أن يتركه، تركه على حالته قبل نفخ الروح، قال تركه الله ما شاء أن يتركه، فجاء إبليس سمع عن مخلوق قد خلق، فجاء إبليس يطوف يطوف بهذه الصورة بهذه الجثة، فطاف به إبليس فقال النبي يطوف به إبليس لينظر ما هو أيش هذا المخلوق؟». قال: «فلما رآه أجوف رآه أجوف، قال علم أنه مخلوق غير متماسك، علم أنه مخلوق غير متماسك، علم هذا الشيطان على وجود نقطة ضعف في بني آدم أو في آدم، علم أن هذه نقطة ضعف، فاكتنها في نفسه». بعد ذلك عندما نفخ ربنا جل وعلا الروح في آدم، ففتحت عين آدم عليه السلام على هذا التبجيل، فتح عينه على سجود الملائكة أما ربنا جل وعلا بالملأ الأعلى جميعًا أن يسجد لآدم. فننظر آدم لمن حوله، وهذا الإهلال وهذا الإجلال وهذا الإكرام من ربنا جل وعلا لهذا المخلوق العظيم، من الذي انتنع الشيطان الذي احترق قلبه حقدًا وحسدًا لهذه الحفاوة التي كانت لآدم ولم تكن له، خلقتني من نار قال: «أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين»، استخدم القياس الفاسد، فكان من أمره لمخالفة لأمر ربه أن الله جل وعلا أخرجهم من الجنة. حين خروجه من الجنة لمن أعطى اللامة لمن لام هذا المصير؟ لام إبليس آدم أنه السبب في إخراجه من الجنة، إخراجه من الملأ الأعلى، كونه يخرج وتتلى عليه لعائن الله إلى يوم الدين، خرج مذمومًا، خرج ملعونًا، فجعل أن السبب في هذه المهانة الذي هو فيها والذي هو عليها إلى يوم الدين أن ذلك يرجع إلى ذاك إلى آدم. ولهذا أقسم وكرر القسم في أكثر من موضع على أنه قد توعد آدم وتوعد ذريته بالانتقام بالانتقام: ﴿فبعزتك لأغوينهم أجمعين﴾، ما يترك أحد انتقام لما وقع لهم يلمهانة، فإخواني في الله فالشيطان بهذا الحقد من ذاك الزمن إلى هذا الزمن ولا زال همه هذا الهم، ما همه؟ قصده يجمل في أمر واحد في قوله تعالى: ﴿إنما يدعو حزبه ليكونوا من أصحاب السعير﴾، هذا مراده. مهما سار يمنة يسرة وأضاع الأوقات والأنفس والأموال لإضلال بني آدم، همه يريد أن يكثر من يكون معه في نار جهنم، لا يريد أن يبقى في جهنم لوحده، بل يريد أن يستكثر من بني آدم ما يستطيع، يدعو حزبه ليكونوا من أصحاب السعير. الشيطان إخواني في الله في هذه المعركة التي خاضها اتخذ عدة طرقات حتى يسحب من يسحب من الناس من بني آدم إلى جهنم. وأعظم الطرق الذي اتخذه الشيطان لهذه المسألة أنه جند نفسه أولًا لأمر عظيم ألا وهو أن يوقع الناس في الكفر والشرك، هذا أهم ما يطلبه، لماذا؟ لأن ما حكم الكافر؟ ما حكم المشرك؟ أنه يبقى في نار جهنم خالدًا مخلدًا فيها، والشيطان أين محله؟ في نار جهنم خالدًا مخلدًا فيها، فالشيطان يريد من يؤنسه في هذه المدة الأبدية، يريد من يؤنسه أصحاب المعاصي لو دخلوا سيخرجون، أصحاب ترك الواجبات سيدخل ثم سيخرج، ما سيبقى لوحده أين الأنيس؟ أين الجليس؟ ما أحد يؤنسه في هذه المدة الأبدية إلا من كان من أهل الكفر من أهل الشرك من أهل الردة من أهل الإلحاد. ولهذا كان من أعظم مهامه التي وطن نفسه عليها أن يدعو الناس إلى الكفر بالله، كما قال ربنا جل وعلا: ﴿مثله كمثل الشيطان إذ قال للإنسان كفر﴾، يأمره بالكفر، وثبت في صحيح مسلم في الحديث القدسي قال عليه الصلاة والسلام قال الله تعالى: «إني خلقت عبادي حنفاء»، إني خلقت عبادي حنفاء، فاجتالتهم الشياطين وأمروهم بأن يشركوا به ما لم أنزل به سلطانًا. فهذا أعظم ما يريده الشيطان أن يدخل الناس إلى الكفر والشرك، فاجتالتهم الشياطين، ولهذا الشيطان له طرق، وهذا طبعًا نحن نتكلم في باب الإجمال، وإلا تحت كل باب مواضيع طويلة جدًا، لكن نعلم إخواني في الله أن الشيطان اتخذ لأمر الكفر لأهميته اتخذ مسالك عظيمة، من ذلكم التغرير، من ذلكم تزييف الحقائق، من ذلكم أن يتشكل إذا احتاج أن يتشكل. تشكل لربما لجأ إلى الناس بصوته أو إلى شكل يتخذه حتى يضلل الناس، قصة ذكرها جاءت في السنة النبوية بإسناد صحيح، وذكرها شيخنا مقبل رحمه الله تعالى في «الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين»، نبينا عليه الصلاة والسلام أو نبينا عليه الصلاة والسلام أرسل خالد بن الوليد إلى عزة، عزة عبارة عن صنم وثن كان يعبد من دون الله، وكان في أنحاء الجزيرة، وهو كان عبارة عن شجرات مسور بسوار. فكان الناس يعتقدون في هذا البناء ويعتقدون في الشجرات، لماذا يعتقدون؟ لأن هناك أصوات سمعوا أصوات تخرج، يأتي الواحد عند عزة يدعيها: «يا عزة»، يسمع صوت: «ماذا تريد؟ إيش تريد؟ وقد أجيب طلبك»، فكانت عزة هذا الصنم تتلاعب ببني آدم بأهل مكة خاصة، وكانت لها السدنة، السدنة هم الحراس على الباب، يجمعون الزكوات، يسمعون الشكاوى إلى غير ذلك. وهذا يقع إلى أزمائنا هذا عند عباد القبور من أهل الحجابة، الحاصل أرسل نبينا خالد بن الوليد إلى عزة أمر بهدمها، ذهب خالد وأخذ معه كتيبة حتى دخل إلى عزة فكسرها وقطع تلكم النخلات، فرجع خالد إلى نبينا وأخبره الخبر، قال له: «ماذا صنعت؟»، قال: «يا رسول الله هدمت عزة»، قال: «ماذا رأيت؟»، قال: «لا أرى شيئًا»، قال: «ما صنعت شيئًا ارجع ارجع عزة ما هي هذه العزة؟». فذهب خالد بن الوليد ورجع بكتيبته إلى هذا المكان، لما جاء ماذا وجد عن بعد؟ وجد أن السدنة ينظرون إلى مكان مرتفع، ينظرون إلى مكان مرتفع ويتكلمون ويقولون بعدما رأوا خالد قد جاء، قالوا: «يا عزة عوريه يا عزة خبليه»، ينادون عزة، فلما قارب خالد ماذا رأى؟ رأى امرأة سوداء عارية ناشرة شعرها، فقام وعلاها بالسيف وقطعها، فرجع إلى نبينا مرة ثانية فأخبر بما رأى، فقال: «رأيت كذا وكذا»، قال: «تلك العزة شيطانة، شيطانة كانت تلاعب ببني آدم». فهذا إخواني إذا نعلم أن الشيطان يضطر إلى أن يحدث أصواتًا، أن يظهر بأشكال، يأتي بأنوار، وهذا الذي نسمعه عنده من يذهب إلى القبور ويتعلق بالقبور، يقول: «يا أخي أنا سمعت صوت»، ما ننكر الأصوات موجودة عند التوابيت عند القباب عند الأضرحة، لكن أصوات من هذا؟ أصوات الشياطين يا عبد الله، أصوات الشياطين. والشيطان يحاول وخاصة أنه يتشبث الناس بهذا الكفر، طيب الشيطان قد ما يستطيع أن يوقعك في الشرك المباح والكفر الظاهر، لكن لا يستكثر عليك أنه يشككك في دينك وفي عقيدتك، إذا ما استطاع يجعلك من جنده كافرًا، الكفر الأحمر، فلا أقل أنه يأتيك عن طريق الوسواس إلى معتقدك إلى عقيدتك. روى الإمام أحمد في مسنده بإسناد صحيح قال عليه الصلاة والسلام: «إن الشيطان يأتي لأحدكم فيقول له من خلق السماء؟»، أنت رجل جالس في غرفة تتأمل في ملكوت السماء والأرض، فيأتيك هاجس يأتيك هاجس يهجم عليك: «من خلق الله؟ من خلق السماء؟»، تقول: «الله»، يقول: «من خلق من خلق الأرض؟»، فتقول: «الله»، يقول: «من خلق الله؟»، فحين طبعًا أنت تستضيق هذا السؤال، لكن هذا من استرسال الشيطان. ماذا قال نبينا؟ قال عليه الصلاة والسلام: «فإن أحس منكم شيئًا من ذلك فليقل آمنت بالله ورسله»، فليقل: «آمنت بالله ورسله»، ومن هذا نعلم إخواني في الله أن شيطان أعظم ما يريد أن يسلب منك المعتقد الصحيح، يجعلك على عقيدة كفرية، عقيدة شركية، عقيدة إلحادية، فإن لم يغفر فلا أقل أن يجعلك في شك، يجعلك في ريب، يملي عليك الوساوس ما يسمى بالتخرصات. فعبد الله احذر احذر من هذا الباب، لا تسترسل في هذا الباب، إذا جاءتك مثل هذه الخواطر العظيمة المتعلقة بالله وبذات الله، فإياك أن تخوض، وإنما تستعذ بالله، كان في بعض الروايات وفي بعض أنك تنتهي، تقطع التفكير، تشتغل بشيء آخر، أو أنك تقول: «آمنت بالله ورسله»، كذلك إخواني في الله من الأعمال التي يقوم بها الشيطان حتى يجمع من يجمع تحت لوائه أنه يدخل الناس في الذنوب والمعاصي. يدخل الناس في الذنوب والمعاصي عن طريق الشهوات، عن طريق الملذات، كما قال ربنا جل وعلا: ﴿إنما يأمركم بالسوء والفحشاء وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون﴾، جميع المنهيات الشيطان يحرص على أنك تدخل فيها، سواء كانت الكبائر، البدع، المحرمات، الحرمات، بل حتى المكرهات، بل حتى المكرهات يرضاها منك الشيطان. وقد سمعتم فيما نقله أخونا عن ابن القيم رحمه الله تعالى أن من مراتب طلب الشيطان لك أنه يطلب منك أن تؤدي مكرهات، يرضى منك ذلك، بل جاء ذلك مصرحًا في السنة، قال عليه الصلاة والسلام: «إن الشيطان يأس أن يعبده المصلون في جزيرة العرب، ولكن رضي بما تحقرون من أعمالكم»، ولكن رضي بما تحقرون من أعمالكم، هو انقطع أمله، انقطع أمله في تلك اللحظة على أنه لا يعبد، ولا تعبد الأصنام ولا الأوثان، هذا كان على ظنه. لكن بماذا رضي؟ قال: «إن كنت ولابد ما وجدت أحد يعبدني فلا أقل أني أجد من يفعل ما يكون من مكرهات الأعمال»، ولكن رضي بما تحقرون من أعمالكم، محقرات الذنوب، فلتات اللسان، النظرات هنا وهناك، خواطر النفس التي تؤيدها العمل، فإن ذلك مما يرضاه الشيطان. وطبعًا الشيطان إخواني في الله تحت هذا الباب، كونه يستدرج الناس إلى الذنوب والمعاصي له بذلك خطوات وخطوات طويلة، ولا يسع هذا المقام لذكرها، ننتقل إلى المسألة الثالثة أو من أهداف الشيطان حتى يستكثر ببني آدم في جهنم أنه يأمرهم بترك الواجبات، بترك الواجبات. ونعلم إخواني في الله وهذا على مذهب أهل السنة والجماعة على أن ترك الواجبات أعظم عند الله من فعل المعاصي والمنهيات، وقد تكلم العلماء ومن ذلكم المقيم رحمه الله تعالى في كتابه «الفوائد وبدائع الفوائد»، ذكر أوجه كثيرة تدل على أن في مقياس الشريعة أن من ترك الواجب من ترك الفرض أمره ذنبه وزره إثمه أعظم عند الله من فعل المعاصي والذنوب. وهذه مسألة إخواني في الله الناس في هذه الأزمان نرهم على خلاف القاعدة، تجد أن بعض الناس إذا فعل معصية لربما تندم أيما ندم ويحق له ذلك، لكن بالمقابل إذا ترك واجب لربما يرى أن الأمر يسير، لا بالعكس، من ترك واجب من الواجبات فأمره أفدح، ومثل المقيم رحمه الله تعالى في كتاب «الفوائد» مثل بفعل آدم، ما الذي جرى لآدم؟ وما الذي جرى لإبليس؟ في فعل آدم أنه