ذم الاستعجال

المحاضرة بعنوان ذم الاستعجال، وكانت بمسجد الحبش بالديس الشرقية الجمعة ١٢ ربيع أول ١٤٣٦هـ ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

الابتلاء وسنة الله في عباده

يتناول هذا الفصل مفهوم الابتلاء كسنة كونية وحكمة الله في ابتلاء عباده على قدر إيمانهم. يشرح أن الابتلاء يأتي بدرجات متفاوتة حسب قوة الإيمان.

الاستعجال وآثاره السلبية في الحياة

يناقش هذا الفصل ظاهرة الاستعجال وعواقبها الوخيمة مستندًا إلى الأحاديث النبوية والأقوال الحكيمة. يشدد على أهمية التأني والصبر في مواجهة الابتلاءات.

تأثير الاستعجال على العبادة والتعاملات

يتناول هذا الفصل خطورة العجلة في العبادة وتأثيرها السلبي على أدائها، مع التركيز على أهمية التأني في العبادات وطلب العلم والتعامل مع الآخرين.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله. يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون، يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء، واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام، إن الله كان عليكم رقيبا، يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولا سديدا يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم، ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزا عظيما. أما بعد، فإن خير الكلام كلام الله جل وعلا، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وإن شر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. عباد الله، حديثي وإياكم في هذا المقام، في هذه الليلة المباركة، وفي هذا المسجد المبارك، حول حديث من أحاديث الرسول صلوات ربي وسلام عليه، نتأمل في معانيه، نستخلص منه العبرة والعظة والمسائل والنقاط. هذا الحديث رواه البخاري في صحيحه، من حديث خباب بن الأرد رضي الله تعالى عنه، أنه أتى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو متوسد بردة له في ظل الكعبة، فقال خباب: يا رسول الله، ألا تستنصر لنا؟ ألا تدعو لنا؟ فقال عليه الصلاة والسلام: إنه من كان قبلكم يؤتى بالرجل فيحفر له في الأرض، ثم يجعل فيه، ثم يؤتى بالمنشار فيجعل على رأسه فيشق بذلك نصفين، ويمشط بأمشاط الحديد ما دون لحمه وعظمه، ما يصده ذلك عن دين الله. فوالله ليتمن الله هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله والذئب على غنمه، ولكنكم تستعجلون. هذا الحديث العظيم، إخواني في الله، قد احتوى على فوائد جليلة، حسبنا أن نشير إلى بعضها. من أعظم ما يلتفت إليه المسلم، وهو ينظر ويتأمل ويستحضر هذا الحديث، يظهر له وحدة ما كان عليه أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم من عظيم البلاء، من عظيم المحنة التي وقعت عليهم رضي الله تعالى عنهم. أتى خباب بن الأرد إلى نبينا صلى الله عليه وسلم شاكيا، يستنصر له، ألا تدعو لنا؟ ألا تستنصر لنا؟ وبلال الحبشي لا يقف على أحد منا مبتل، هذا الصحابي الجليل، وكان في عبودية من أيدي الكفرة، فكانوا يتفننون في تعذيبه. وكان يربط بسلسلة أو بحبل في رقبته، ثم يرسل مع الصبيان ومع المجانين، وكان يطحن في برحاء مكة الحارة، ويجعل على صدره تلك الصخرة العظيمة التي لا يستطيع التفلت منها رضي الله تعالى عنه. وحفظ على حرج عن آل ياسر، ذلكم الأسرة الكريمة التي دخلت في دين الله جميعا، فما كان من الكفار إلا أن أوقعوا عليهم أنواعا من العذاب حتى قتل من قتل، وذلك تحت وطأة التعذيب. وقد ماتت الأم سمية رضي الله تعالى عنها إثر طعنة حربة رمى بها أبو جهل عليها، فأرداها قتيلة رضي الله تعالى عنها وأرضاها. كم نحدث إخواني في الله عن عظم البلاء الذي تعرض له أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، تركوا ديارهم، تركوا أموالهم، تركوا أوطانهم، كل ذلك في سبيل الله. حتى وصفهم ربنا جل وعلا بالرجال الذين صدقوا ما عاهدوا الله عليه، فمنهم من قضى نحبه، ومنهم من ينتظر، وما بدلوا تبديلا. فهذا الجيل، إخواني في الله، فاق على كل مسلم، متى ما سمع عنه أن يترضى عنه، وأن يسمع عليه ليل نهار، ولا يجوز في حال من الأحوال أنك تطعن أو أنك تغمز في عرضهم أو في دينهم، كما يفعل أهل الزيغ من الرافضة ومن الشيعة ومن غيرهم ممن يلهجون بسبهم وبلعنهم، قبحهم الله أن يؤفكون. فأصحاب رسول الله عليه الصلاة والسلام ينبغي أن يكون لهم في كل لسان الذكر الحسن والثناء الحسن، لأن الله جل وعلا رضي عنهم ورضوا عنه. وأيضا، إخواني في الله، لما يستفاد من هذه الفقرة ما يتعلق بالبلاء، وأن الابتلاء، إخواني في الله، سنة كونية، أمر قضاه الله سبحانه وتعالى. فخباب بن الأرد ومن معه ابتلوا في جنب الله، ومن كان قبلهم ممن حكى عنهم نبينا صلى الله عليه وسلم من أهل الإيمان أيضا ابتلوا في جنب الله، ومن سيأتي بعدهم إلى قيام الساعة سيبتل كل منا في جنب الله سبحانه وتعالى. قال ربنا جل وعلا: ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ﴾. أحد يظن هذا الظن أنك تترك يا عبد الله، أنت تتلفظ بدين الله وأنت تنتسب للإسلام ولدينه ولشرعه، ثم تترك إلى فتنة لا تنتسب إليها؟ ليس هذا من الإيمان، بل هو امتحان لدينك، هل أنت ممن تلبس بهذا الدين لمصلحة أو لشهرة؟ أم أنه كان انتسابك لهذا الدين حبا لدين الله وتقربا لله سبحانه وتعالى؟ إخواني في الله، لا محالة، ولكن من رحمة الله ومن لطف الله سبحانه وتعالى أنه حين يوقع البلاء على عباد الله، فإن الله سبحانه وتعالى يوقعه على قدر الإيمان. كل على قدر إيمانه، ولهذا ثبت في مسند الإمام أحمد بإسناد صحيح، قال عليه الصلاة والسلام: أشد الناس بلاء الأنبياء، ثم الأمثل فالأمثل، يبتل الرجل على قدر دينه. فإن كان في دينه صلبا اشتد بلاؤه، وإن كان في دينه رفقة ابتلي على قدر دينه. معنى ذلك، يا عبد الله، أنك لا تكاد تنجو من البلاء الكل يأتيك، وهذا له حكم عظيمة. وليس هذا المقام مقام ذكر الحكم من البلاء، لكن يبتليك ربنا سبحانه وتعالى، ولكن من رحمة الله ومن لطفه أن ابتلاؤك يا عبد الله يكون على قدر إيمانك. الناس يختلفون، فابتلاء الأنبياء ليس كابتلاء غيرهم، فالأنبياء أشد الناس بلاء، ثم من بعدهم. فمن الناس من يبتليهم ربنا جل وعلا بالفقر، ومن الناس من يبتليهم ربنا جل وعلا بالمرض، ومن الناس من يبتليهم ربنا جل وعلا بالطاعون. نعم، يا عبد الله، لأن بعض الناس إذا سمع بأن البلاء والابتلاء سنة كونية، ينظر ويسأل: أين البلاء؟ وهو ما يدري أنه من الابتلاء. الفقر والضيق الذي تعيشه، ابتلاء من الله عز وجل، كما قال نبينا عليه الصلاة والسلام: أشد الناس بلاء الأنبياء، ثم الصالحون. وإن كان أحدهم ليبتلا في الفقر، فالفقر يا عبد الله ابتلاء يحتديك ربك سبحانه وتعالى به. وهكذا يا عبد الله الأمراض والأسقام وما يعتريك من الوجع والألم، هذا كله ابتلاء من الله سبحانه وتعالى يحتديك ربك. ففي مسند الإمام أحمد، من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، أن رجلا أعرابيا قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فسأله نبينا صلوات ربي وسلام عليه، قال: في معنى الحديث، قال: أصبت بحمى، وقال: أصابني صداع. فقال الرجل الأعرابي: وما صداعك يا رجل؟ ما يعرف صداعا؟ فقال نبينا عليه الصلاة والسلام: نار بين الجلد والنحن. فقال: ما أصبت بها، فذهب الرجل. أنظر إخواني في الله بحق، هذا الرجل ما يعرف الأمراض ولا يعرف الأسقام، ما تعب بصداع قط، وما عرف الحمى قط. فكل من أراد الله به خيرا ابتلاه، فهذا الرجل لا يعرف شيئا من الأمراض، يعيش فرحان في هذه الدنيا لا آلام ولا أوجاع. أنظر إلى تمام الحديث، لما قال هذا الرجل: ويل أصحابه، من سره أن ينظر إلى رجل من أهل النار، قال: فلينظر إلى هذا. فهذا من أهل النار، إذا كنت بهذه المثابة، لا يا عبد الله، فالفاعل أن الأمراض والأسقام التي تعتريك أو تكون فيك أو في أهلك أو في ذريتك، هذا ابتلاء قضاه الله سبحانه وتعالى. فإننا نعلم إخواني في الله أن الابتلاء من السنن الكونية التي قضاها الله سبحانه وتعالى على عباده. وكذلك مما يستفاد من هذا الحديث، إخواني في الله، ما يتعلق بما هو الواجب الذي ينبغي أن يكون عليه المسلم من هذا البلاء والابتلاء إذا وقع. قال نبينا عليه الصلاة والسلام، عندما ذكر أنواع البلاء في هذا الحديث التي وقعت على الصالحين، قال: ما يصده ذلك عن دين الله. إذن البلاء، إخواني في الله، يواجه بالصبر والاستبرار، قال ربنا جل وعلا: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ * أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾. هكذا ينبغي يا عبد الله أن نواجه الابتلاء، أن نواجه الشدائد، ما يعتريك من المنغصات في هذه الدنيا، أن تصبر وتحتسب. ليس الخير يا عبد الله في أنك تتصخبط على حكم الله جل وعلا، بعض الناس لربما بلسان الحال، وبعضهم بلسان المقال: لما يا رب؟ لما يا رب؟ تنتر وجهودا لحكم الله سبحانه وتعالى. يا عبد الله، عليك بالصبر، عليك بالاحتساب، بعض الناس لربما إذا استمسك بدين الله ودخل على دين الله وكان من الخيرين، أقبل على الصلاة، أقبل على الصيام، أقبل على حلقات العلم، أقبل على حلقات الذكر. لربما مع مواكبة لهذا الخير تأتيه المصائب، فإذا به يرى أن الخيرية في ترك هذا الخير، لا يا عبد الله، هذا ليس من الخير، هذا من الضعف، هذا من الانهزامية. وإنما هذا ابتلاء من الله سبحانه وتعالى ليرى صدقك في التزامك وفي ثباتك على الخير. وأيضا، إخواني في الله، مما يستفاد من هذا الحديث من الفوائد، ذم العجلة، لقوله عليه الصلاة والسلام: ولكنكم تستعجلون. ونقف عند هذه الظاهرة، إخواني في الله، وهي من فوائد هذا الحديث، نأخذ بعض المسائل المتعلقة بهذه الظاهرة، الاستعجال. إخواني في الله، والعجلة تعتبر من الظواهر المشينة، ومن الآداب الردية، والتي ينبغي على كل مسلم ومسلمة أن يتنزه عنها، وأن يترفع منها، وأن لا يتخلق بها. وليعلم كل واحد منا أنه متى ما اتصف بهذا الخلق الذميم، فلا تسأل يا عبد الله حينها عن اضطراب أمره، وعن انتكاسة أحواله، بل وعن سرعة مهلكه وهلاكه. سرعان ما سيهلك، ولا أبعد إخواني في الله من التحذير من هذا الخلق الذميم، تلكم الأدلة الكثيرة الدالة على منعه وعلى تحريمه. روى الإمام البيهقي رحمه الله تعالى بإسناد حسن عن أنس رضي الله تعالى عنه، قال: قال عليه الصلاة والسلام: التأني من الله، والعجلة من الشيطان. قال أهل التفسير في معنى قوله عليه الصلاة والسلام: والعجلة من الشيطان، قالوا: أي الباعث لها والدافع لها هو الشيطان بوسوسته. أن الشيطان ما وجد شيئا بمثل ما يوسوس به على عباد الله بمثل الوسوسة على العجلة، يؤزك أزا إلى الدخول في الأمور. ومعنى العجلة، يقول علماء اللغة: العجلة تدور معانيها على طلب الشيء وتحريه قبل أوانه. ويأتي كذلك بمعنى ترك التثبت وترك التبين، إذن هذه معاني العجلة، طلب الشيء وتحريه قبل أوانه. وأدلتنا كثيرة من شرعنا، تدل على منعه وعلى تحريمه، وعلى عدم جواز التخلق به. وأيضا، يدلك على خطورة هذا الخلق، العواقب الوخيمة التي ستنزل بكل فرد متى ما تحلى بهذا الخلق وعاشر به الناس. يقول ابن القيم رحمه الله تعالى، مبينا قطور وآثار ونتائج هذا الخلق: العجلة من الشيطان، أنها خفة وطيش وحدّة في العبد تمنعه من التثبت والسكينة والوقار. وتوجب عليه وضع الأشياء في غير موضعها، وتجلب عليه أنواعا من الشرور، وتمنعه أنواعا من الخير، وهي ملازمة للندم. قل من استعجل إلا ندم، هكذا يقول ابن القيم رحمه الله تعالى، معددا لآفات العجلة: حدة، طيش، خفة العبد، وهذه كلها صفات منبوذة. ما ينبغي لأحد في حق مسلم عاقل أن يكون قاسي الطبع أو أن يكون متهورا أو أن يكون له حدة الطبع، هذه موجودة في أصحاب العجلة. لا تنفك عنهم هذه الأخلاق الزميمة، وتستوجب على صاحبها وضع الأشياء في غير موضعها. ما يمكنه أن يضع الشيء في موضعه لأنه مستعجل في أمره، متى ما واجه أمرا رمى به دون تأني، لا يرمي به حيث ما وقع، قد يسقط هذا الأمر في غير محله. وقد يسقط بجانبه، وقد يسقط بعيدا عنه، يسقط يرمي بالأمور رميا لأنه ما يضع الأمر في موضعه للعجلة التي تضيع به. وتجلب عليه أنواعا من الشرور، وسيأتي منا بعضها، وبالمقابل تمنعه أنواعا من الخير. والمستعجل دائما يتندم، دائما يندم: يا الله، الله ما استعجلت، الله ما شاء الله، يا أخي، موضوع الفلاني طيب، يش يستعجل؟ وما تأتي الأيام تراه متندما. يشفعك نفس القصة ثاني يوم، بعد السنة، حياته كلها قل من استعجل إلا ندم، حياته كلها ندم لأنه ابتلي بهذا الخلق الذميم. ويقول كذلك أبو إسحاق القيرواني رحمه الله تعالى: قال بعض الحكماء: إياكم والعجلة، فإن العجلة تسميها أم الندامة. لأن صاحبها يقول قبل أن يعلم، ويجيب قبل أن يفهم، ويعزم قبل أن يفكر. إياكم والعجلة، فإن العجلة تكنيها أم الندامة، أم الندامة هي العجلة. إذا أردت أن تتعرف على الندامة، وما كدت أن تتعرف عليها، مستعجل في أمورك يا عبد الله، سرعان ما ستستشعر بالندم طيلة حياتك. وأنت في ندم، إياكم العجلة، فإن العجلة تكنيها أم الندامة. ومن صورها، قال: لأن صاحبها يقول قبل أن يعلم، سرعان ما يتكلم عن علم؟ عن غير علم؟ سرعان ما يتكلم جاهلا على طرف اللسان، صاحبها يتكلم قبل أن يعلم، ويجيب قبل أن يفهم. ربما يطرح السؤال، وأنت لا تزال في شطر السؤال، في ذاك الوقت عند الإجابة: طب ما أكملت السؤال يا عبد الله؟ على كيف تجيب؟ عجلة؟ يجيب قبل أن يفهم؟ ما استحضر حتى السؤال؟ ما استوعب السؤال حتى يجيب عليه؟ وكذلك يعزم قبل أن يفكر، عنده إقدام على الأمور، يخوض غمارها، لكن على عجلة، لأنه ما يتفطن إلى مآلات الأمور. هذا الإقدام الذي ظهر منه وبدأ منه، ما هي مآله؟ ما هي نتائجه؟ ما يفكر في العواقب؟ هذه يا عبد الله صفات العجلة. ومن هنا، إخواني في الله، لما جاءت من الآثار النبوية في التحذير من العجلة، وأيضا من نتائج الناتجة من المستعجل، لهذا كله ذهب جماعة من العلماء إلى أن العجلة تعتبر من كبائر الذنوب. انتبه إلى أن العجلة عدت من كبائر الذنوب، فالأمر ليس بالسهل، ليس بالهين، وهذا يجعلنا نطرق في باب الأخلاق بشكل عام. باب الأخلاق، إخواني في الله، وهذا الباب الذي ينبغي أن يعتني به كل مسلم، لأن كثيرا من الناس ستناولون باب الأخلاق بطرف أصابعهم. يرى أن باب الخلق هو فيه بالخيار، إن أحب أن يتخلق بالآداب السليمة والأقوال السديدة فعل، وإن لا ترك. فبعض الناس مثلا إذا كان عنده شيء من الأخلاق الزميمة، حد في الطبع، حد في الغضب، استعجال في الأمور، إلى غير ذلك. فإذا قيل له: يا عبد الله، غير من طبعك، غير من خلقك، يقول: أخي، والله هذا طبعي، يعني ويشترط من إيجابي، يعني يخبرك أن هذا طبع أنا ألف عليه وتربيت عليه، فدعني، لا يعني قال لي: مو الأمر دعك، هذا فيه جنة أو نار، سويا. نبينا عليه الصلاة والسلام، عن أكثر ما يدخل الناس الجنة، قال عليه الصلاة والسلام: تقوى الله وحسن الخلق. فالأخلاق الحميدة تدخل أصحابها الجنة، والعكس بالعكس، فمفهوم الحديث أن بالأخلاق الزميمة تدخل النار، يا عبد الله، تدخل النار. يفتليك ربك بأنواع من الفتم العقوبات إذا كنت بلا أدب أو كنت قليل أدب أو كنت عديما أدب، ومن ذلك الاستعجال. فلا تظن أن خلق العجلة ما دام أنه يصب في مصب الآداب، فأنت فيه بالخيار، إن أحببت أن تكون متأنيا فذاك، وإن لا تبقى على طبيعتك، تستعجل في أمورك، في تفكيرك، في تصوراتك، لا يعبد الأمر ليس هكذا هوى ومزاج، بل أمر حكم شرع. جماع العلماء صرحوا بأن الاستعجال كبيرة، كبيرة من ذلك معنى كبيرة، أن يجب وجوبا شرعيا أن تقلع عنه، وأن تندم عليه. وهذا، إخواني في الله، يجعلنا نعتني بهذا الموضوع بشكل عام، بموضوع الآداب، وبشكل أخص هذا الخلق الذي بين أيدينا، أن نتأمل فيه، وهو خلق العجلة. وهذا الخلق، إخواني في الله، من تمعنا في أوساط المسلمين، يجد أنه انتشر انتشارا عظيما، تجد كما سيأتي من صور العجلة: عجلة في السلوكيات، عجلة في الأفكار، عجلة في الأخلاق، عجلة في الأفهام، عجلة في الأطوار، عجلة في الأفعال. تجد الكثير من الناس عندهم عجلة، وما تأتي من المصائب هنا وهناك، يمتاً ويسرى، مصائب في الدين، مصائب في الدنيا. تجد أن جاءت لنا من بغرة العجلة، لو أن الناس كانت عندهم شيئا من التأني، لخففت، لا في الابتلاء من الله سبحانه وتعالى. ومن الأسباب التي جعلت انتشار هذا الخلق بين الناس، أن خلق العجلة من مقتضى الشهوة البشرية، هي طبيعة موجودة في البشر. قال ربنا سبحانه وتعالى: ﴿خُلِقَ الْإِنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ﴾، وقال جل في علام: ﴿وَكَانَ الْإِنْسَانُ عَجُولًا﴾. فهذا من طبعه، هذا من مقتضى البشرية الذي فيه أنه ابتلي بهذا النمط، أنه عنده عجلة، كما قال علماء اللغة. وكان الإنسان عجولا، أن يبادر للأشياء قبل وقوعها، فهو عنده عجلة في الأشياء، هذا من أصل فطرته. ومن هنا تجد أن القليل من الناس من استطاع أن يمنع نفسه من هذا الذي طبع عليه، وأما الغالب، الناس تركوا طباعهم على ما جبلوا عليه. تركوا طباعهم على العجلة التي قد بطنوا عليها، وهذا ليس بصحيح، فإن الله جل وعلا أمرنا بترك العجلة، وأنبهنا. إخواني في الله، من المسائل المهمة في هذا المقام، أن ننبه على بعض المواقف، وعلى بعض المواقع التي أمر الشرع فيها بأن نتأنى فيها. هناك مواقف ومواقع، وإن لم ينبغي أننا نكون على عجلة في أمورنا جميعا، لكن هناك مواقف الشرع حددها ودقق فيها، وألزم الناس بضرورة أن يتركوا العجلة فيها. إما لأنها تذهب بنتائج الشيء فلا تستشعر بنتيجته، أو كذلك أنه يأتيك بالإثم ويأتيك بالوزر. قال من قال من علمائنا: من استعجل الشيء قبل أوانه، عوقب بفواته. من أعظم الأبواب، تأني وترك العجلة فيها، ما يكون من ترك العجلة في باب العبادة والتعبد. الإنسان، إخواني في الله، إذا قام لله متعبدا، عليه أن يستشعر مقام العبودية لله سبحانه وتعالى، يؤدي العبودية وكله خشوع، وكله وجلا، وقبل هذا وذاك، وكله إعظام لمقام الرب سبحانه وتعالى. وأول ما ينبغي أن ننبه عليه، أن العجلة في العبادة، ليست بمعنى المسابقة والمسارعة في العبادة، لا، فرق بين هذا وبين أن المسلم يطلب أن يسارع وأن يسابق. ومعنى المسارعة والمسابقة للطاعة، المبادرة إليها، هذا أمر محمود، يا عبد الله، تبادر إلى طاعة الله، تبادر إلى الطاعة، إلى السنن، إلى المستحبات، إلى الفارات، إلى الواجبات، هذه الأشياء المبادرة فيها تعتبر من المسابقة والمسارعة. لكن فرق بين المبادرة بمعنى المسارعة، وبين العجلة، العجلة أنك تؤدي العبادة على غير تؤدة، تؤديها على سرعة، أو أنك تريد أن تنتهي منها قبل وقتها، هذا مذموم. ففرق بين العجلة في العبادة والمسابقة والمسارعة في العبادة، فهذا محمود، وأما ذاك فمذموم. وأول ما ننتهي إليه، العبادات عند الحضور والإقدام على بيوت الله، لأداء الصلاة، عند مشهد الصلاة، عند إقامة الصلاة. دع عنك العجلة، دع عنك الخبب، عليك أن تأتيها وعليك السكينة والوقار. جاء في الصحيح، من حديث أبي قتادة رضي الله تعالى عنه، قال: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في صلاة، قال: فسمع رسول الله صوت جلبة، صوت جلبة رجال، أي جري. فلما انتهى نبينا من صلاته، التفت وقال لهؤلاء: ما شأنكم؟ يعني ما الذي صار لهذه الجلبة التي أحدثتموها؟ قال: يا رسول الله، استعجلنا الصلاة، استعجلنا الصلاة، فقال عليه الصلاة والسلام: عليكم بالسكينة، قال: لا تفعلوا، عليكم بالسكينة، فما أدركتم فصلوا، وما فاتكم فأتموا. ما في إشكال في هذا الموضوع، تأتي وعليك السكينة، فما أدركت من الصلاة قد أدركت، وما فاتك فعليك أن تتم. الشاهد أنهم قالوا: استعجلنا، فما أقرهم نبينا على الاستعجال هنا، استعجال مذموم، كونك تأتي للصلاة، وهذا يا إخواننا في الله نسمعه، وخاصة في لحظة الركوع، إذا قال الإمام: الله أكبر، فلا تسارع يا عبد الله. جري أصوات الجري تنطلق من أطراف الحمامات، جري بمعنى الكلمة، من أطراف الحمامات إلى داخل المسجد، صياح وجري، وكذلك إزعاج وقلقل في بيت من بيوت الله، هذا لا يجوز. نبي لما سمع هذه الجلبة، قال: لا تفعلوا ذلك، وهذا يدلك على تحريم الفعل. فمن آتى يا إخواني في الله إلى بيوت من بيوت الله، ولو ركع الإمام، تأتي على طبيعتك، تأتيه وعليك السكينة، ثم أنت بعد ذلك، فإن أدركت فصل، وما فاتك فأتم. إذن هذه من العبادات التي تحتاج منك إلى تأني وعدم عجلة. وكذلك من الأمور التي تحتاج إلى تأني، عند الدعاء، إذا أردت يا عبد الله أن ترفع كفة الضراعة إلى الله سبحانه وتعالى. ومن صور العجلة في باب الدعاء، أنك تستعجل، بعض الناس لو ربما يأتينا بطلب معين، يدعو الله: يا الله، يا الله، في جوف الليل، في أدبار الصلوات، وفي سجوده، في أوقات السحر، وفي أوقات الاستجابة، يدعو ويدعو، نشاط في الدعاء. لكن لو ربما إذا رأى أن الشيء الذي يؤمله ما وقع ولا حصل، حينها يفتر فيترك الدعاء. لم تركت الدعاء؟ ما في نتيجة، قال: ليش ما في نتيجة؟ هذا استعجال منك، هذا استعجال في الدعاء. قال عليه الصلاة والسلام: يستجاب لأحدكم ما لم يعجل، يقول: دعوت فلم يستجب لي، هذا استعجال منك. إذا كان المرء يظن هذا الظن أنه دعا ثم دعا ثم دعا، رجل أراد أن الله يمتعه بالذرية الصالحة، أو أراد أن يمتعه بالذرية، ابتلاه الله بالعقم، ما عنده أولاد ولا عنده ذرية. فيدعو الله بالدعاء أن الله يرزقه بالأولاد، أو كذلك فقير يسأل ربه أن يمن عليه بالمال الحسن، وغير ذلك، فيدعو، فتمر من الزمن، ثم يفتر، يترك. لم تركه؟ ما في نتيجة، هذا استعجال منك، ادع ما تخسر شيئا، الهج بالدعاء، فإن الله يحب المنعمين في الدعاء، الحاح في الدعاء، مما يحبه الرب سبحانه وتعالى. ربنا ينظر إلى عبده إذا قال: يا الله، يا الله، يا ربنا، يفرح بهذا، يعلم أن هذا العبد له مولى يدعوه ويرجوه، هذا بسر يا عبد الله، فلا تيأس. ادع الله سنة، سنتين، وحتى لو كبر سنه ولم يتحقق شيء من ذلك، فما أنت خسران، بل الدعاء تؤجر عليه، الدعاء بحسنة تؤجر عليه، فضلا عن ذلك، دلالة على توحيدك وعلى إعظامك لربك سبحانه وتعالى. فانتبه يا عبد الله، فالدعاء لا يترك، وإنما يتركه أهل العجلة. وأيضا، إخواني في الله، من المواطن التي تقع فيها الاستعجال، ما يقع عند طلب العلم، وعند طلبة العلم، خاصة. وهذه ثمرة موجودة، تجد بعض الناس إذا دخل في مضمار العلم، يأتيه من أول وهلة الحماس في تحصيل العلم، ويحسب له حسابا، يعني ضيق، يظل أنه خلال سنة أو سنين معدودة، سيكون مرجعا للأمة، ويكون مثلا يحتذى به، وقدوة يؤتسى به. فإذا به يطلب العلم، فلا يجد ثمرة المتجوة، فيترك العلم، أو بعضهم يستعجل الفهم، فيدخل من هذه الحلقة، فما أن يستكملها، إلى حلقة ثالثة، في منشطر فيها، حلقة، حلقة، حلقة، وما استكمل درسا واحدا. لم؟ عجلة، يستعجل في طلب العلم، أو أنه يخفف في الأولويات، بدل ما يبدأ بالمتون في أصول العلوم، يبدأ في ذلك كبار العلوم. وقد قال العلماء: من حرم الأصول حرم الوصول، ما ستصل يا عبد الله؟ هذه عجلة. وكثير من العلماء تحدثوا أن من أعظم آفات العلم العجلة، يبتل بها طالب العلم، والعجل يا عبد الله ما تنبغي أن تكون في طلب العلم. قال ربنا جل في علاه: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ * إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ﴾. قال ابن القيم رحمه الله تعالى، في تبيان القرآن، قال: هذا أدب من آداب الرب، أدب به نبيه صلى الله عليه وسلم بترك الاستعجال عند تلقي الوحي. هذا أدب من ربنا جل وعلا لنبينا عليه الصلاة والسلام، بترك الاستعجال عند تلقي الوحي. ثم قال ابن القيم رحمه الله تعالى: فعلى هذا، فينبغي لطالب العلم، ولسامعه، أن يصبر على معلمه. وكذا الذي ينبغي، يترك العجلة، يا عبد الله، في طلب العلم، لا تتقفز من حلقة إلى حلقة، ولا يصيبك الملل. متى ما قام بعض المدرسين في الانتهاء من كتاب، ثم أراد أن يعيد الكتاب مرة أخرى، لعموم الفائدة، من ترى بعمل يتبرم، مع أن الطالب ما يهمه التكرار أصلا. فيه إشكال يا عبد الله، ولو أن يعاد عدة مرات، كانت تثمر الصالح، من حبهم للعلم، ولأنهم أرادوا أن يهضموا العلم إهضماما تاما. وكان يكررونه، ذكر عن إمام أحمد أنه أخذ تسع سنين في دراسة كتاب الحي، تسع سنين، عمره أفناه، لكن حتى يستخدم هذا الباب، ينفع المسلمين. وكم كان من مشايخنا من يذكر عن نفسه أن بعض المتون كررها عدة مرات، هو هذا المثل، المرة الأولى والثانية والثالثة والرابعة، هو هو يدرس مكانا واحدا. لم؟ الصبر، ما يستعجل الأمور، قمة أن يفهم هذا الكتاب، وأن يهضم هذه المادة، ثم بعد ذلك ينتقل من باب إلى آخر، وهكذا أهل العلم الربانيون، بدءوا بهذه الحالة. إذن، إخواني في الله، من الآفات أو من الأبواب التي ينبغي أن لا يتعجل فيها، عند طلب العلم. وأيضا، إخواني في الله، من الأبواب التي ينبغي المسلم أن يترك العجل فيها، ما يكون في الطعن في الآخرين، أو قل: الطعن في الأعراض، انتقاص المسلمين، رميهم بأعراضهم، في ذواتهم، في عقولهم، في تدينهم، رميهم بفجور، رميهم بكفر، رميهم بفسق، رميهم بجاهلية، ردة، هذه آفة عظيمة. وكثير من الناس من ابتلي بهذا الباب، وهم من أهل العجلة، لا يا عبد الله، حرمات المسلمين وأعراض المسلمين على شفا جرف هار. من وقع فيه، كاد أن يقع في النار، إن الله جل وعلا حرم حرمات المسلمين وأعراض المسلمين، فلا ينبغي يا عبد الله أن تلوك أعراض المسلمين بلسانك. وذلك من خلال تحرصات أو تخرصات أو كم يقولون: أراجيف، أو إشاعات، لا، ليس أعراض المسلمين تلوى في هذا، هذا ليس بحيز أنك تلوك في أعراضهم. لا تلوث العجل يا عبد الله، قال ربنا جل وعلا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمْ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغ