الخطبة بعنوان من حقوق النبي صلى الله عليه وسلم علينا، وكانت بمسجد التقوى بدار الحديث بالشحر ١٤ ربيع الاول ١٤٣٧هـ ألقاها
يشدد النص على أهمية الإيمان بالنبي محمد صلى الله عليه وسلم وطاعته، ويبين أن طاعة الرسول جزء من طاعة الله. يحذر من عواقب عدم الإيمان به أو عصيانه ويؤكد وجوب اتباع سنته.
يجب على المسلمين اتباع النبي لتحقيق محبة الله والمغفرة، وتقديم محبته على سائر المحاب. ضرب الصحابة أروع الأمثلة في تحقيق محبتهم للرسول.
يُبين علامات محبة النبي مثل الاقتداء به وامتثال أوامره، ويحذر من البدع مثل الاحتفال بمولده. يشير إلى أن هذه الممارسات ليست من الدين وأنه لا يجوز إحداث شيء لم يشرعه الله ورسوله.
يتضمن المقطع دعاءً بأن يرزق الله الداعي خير الدنيا والآخرة ويقيه عذاب النار، ويختم بالصلاة على النبي وآله وصحبه.
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون، يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالًا كثيرًا ونساءً، واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام، إن الله كان عليكم رقيبًا، يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولًا سديدًا يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم، ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزًا عظيمًا. أما بعد، فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمدٍ صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثةٍ بدعة، وكل بدعةٍ ضلالة، وكل ضلالةٍ في النار. عباد الله، يقول الله جل وعلا في كتابه الكريم ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾، إمنَّ الله جل وعلا على عباده ببعثة الرسول عليه الصلاة والسلام، إذ بعث فيهم رسولًا من أنفسهم. وفي قراءةٍ «من أنفسهم» أي من أفضلهم وأشرفهم وأكرمهم، بعث الله عز وجل نبيَّه عليه الصلاة والسلام هاديًا لهذه الأمة ومخرجًا لها من الظلمات إلى النور. يا أيها النبي إن أرسلناك شاهدًا ومبشرًا ونذيرًا وداعيًا إلى الله بإذنه وسراجًا منيرًا، هكذا وصفه الله جل وعلا بأنه سراجٌ منير يُضيء لهذه الأمة طريق الهداية وطريق النجاة وطريق السلامة، فيُخرجها من الظلمات إلى النور، من ظلمات الشرك إلى نور التوحيد، ومن ظلمات الكفر إلى نور الإيمان، ومن ظلمات المعاصي إلى نور الطاعة. هكذا كان نبينا عليه الصلاة والسلام حريصًا على هداية هذه الأمة وإيصال الخير لها وإيصالها إلى طرق السلامة والنجاة. لقد جاءكم رسولٌ من أنفسكم عزيزٌ عليه ما عِندكم، حريصٌ عليكم، بالمؤمنين رؤوفٌ رحيم، نعم، كان يشق على النبي عليه الصلاة والسلام ما يشق على المؤمنين، وما ذاك إلا لعظيم حرصه على هدايتهم وإيصال الخير لهم، وهو مع ذلك في غايةٍ من الرأفة والرحمة والشفقة على أمته عليه الصلاة والسلام. فما من خيرٍ إلا ودلَّهم عليه، وما من شرٍ إلا وحذَّرهم منه، تركهم على مثل البيضاء ليلُها كنهارها، لا يزيغُ عنها إلا هالك. عباد الله، إن لنبينا عليه الصلاة والسلام حقوقًا كثيرة ينبغي للخلق أن يقوموا بها وأن يحققوها، ألا وإن من تلك الحقوق التي تجب على الخلق تجاه نبيهم عليه الصلاة والسلام فرضُ الإيمان به ووجوبُ طاعته. قال الله جل وعلا ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾، وقال جل وعلا ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾. وفي الصحيحين، عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أن النبي عليه الصلاة والسلام قال «أُمِرْتُ أن أُقَاتِلَ النَّاس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، ويُقيموا الصلاة، ويُؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام، وحسابهم على الله». فأمر الله جل وعلا الخلق بالإيمان بالرسول عليه الصلاة والسلام، فلا يتحقق الإيمان بالله إلا بالإيمان برسوله، ولا تعصم دماؤهم ولا أموالهم إلا بالإيمان بالله ورسوله. ومن لم يؤمن بالله ورسوله فإنا أعتدنا للكافرين سعيرًا. ولذلك عباد الله، كذلك أمر الله جل وعلا بطاعة رسوله مع طاعته جل وعلا، فقال ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾، وقال ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾، وقال ﴿إِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا﴾. وقال جل وعلا ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا﴾. هكذا أمر الله جل وعلا بطاعة رسوله عليه الصلاة والسلام، وعلَّق عليها تحقيق الرحمة وتحقيق الهداية، بل جعل الله جل وعلا طاعة الرسول لازما لطاعة الله، من يطيع الرسول فقد أطاع الله. والنبي عليه الصلاة والسلام يقول «من أطاعني فقد أطاع الله، ومن عصاني فقد عصى الله»، والحديث في الصحيح من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. فانظروا عباد الله إلى عظم حق النبي عليه الصلاة والسلام في وجوب طاعته وامتثال أوامره، حتى إنها سببٌ لتحقيق طاعة الله جل وعلا. وما تأمركم به فخذوه، وما تنهاكم عنه فانتهوا. وفي صحيح البخاري، عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي عليه الصلاة والسلام قال «كل أمتي يدخلون الجنة إلا من أبى»، قيل «ومن يأبى يا رسول الله؟»، قال «من أطاعني دخل الجنة، ومن عصاني فقد أبى». وفي الصحيح أنه عليه الصلاة والسلام قال «مثل ما بعثني الله به كمثل رجل أتى قومًا فقال يا قوم إني رأيت الجيش بعيني، وإني أنا النذير العريان، فالنجاة»، أي فانجوا، فأنجوا بأنفسكم. قال «فصدقه قوم، فأدلجوا فانطلقوا على مهلهم فنجوا، وكذبه قوم فأصبحوا مكانهم فصبحهم الجيش فأهلكهم»، قال عليه الصلاة والسلام «ذلك مثل من آمن بي وصدق ما جئت به، ومثل من لم يؤمن بي وكذب ما جئت به». هكذا بيّن النبي عليه الصلاة والسلام أن من آمن به وأطاعه فهو من الناجين، وهو كذلك من السالمين، ومن كذبه ولم يؤمن به فهو من الخاسرين الهالكين. والنبي عليه الصلاة والسلام يقول «والذي نفسي بيده، لا يسمع بي يهودي ولا نصراني ثم لا يؤمن بي إلا دخل النار»، نعم، عباد الله، من لم يؤمن بالنبي عليه الصلاة والسلام فهو من أهل النار، ومن أهل الكفر والخسران، ولو آمن ببقية الأنبياء ولم يؤمن بالنبي عليه الصلاة والسلام لم ينفعه ذلك. ومنها كذلك وجوب اتباعه ولزوم سنته عليه الصلاة والسلام. والله جل وعلا يقول ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾. هكذا أمر الله جل وعلا باتباع نبيه عليه الصلاة والسلام، وعلق عليها تحقيق محبة الله، وتحقيق محبة الله جل وعلا، وحصول المغفرة والرحمة، فإنها لا تتحقق للعبد إلا بمتابعته عليه الصلاة والسلام. وقال جل وعلا ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾. فنفى الله جل وعلا الإيمان عمن لم يتحاكم إلى النبي عليه الصلاة والسلام، ولم يقمل حكمه، ولم يطمئن قلبه لذلك، ولم يسلم لحكمه تسليمًا. فدل ذلك على وجوب متابعته والتسليم لأمره عليه الصلاة والسلام. وهكذا قال ربنا جل وعلا ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾. فجعل الله عز وجل متابعة النبي عليه الصلاة والسلام سببا لتحقيق الهداية، ومفهوم الآية أن من لم يتبعه فهو من أهل الظلال والانحراف. جاء في الصحيحين، من حديث عائشة رضي الله عنها أن النبي عليه الصلاة والسلام لما بلغه قول أولئك القوم الذين تقالوا عمل النبي عليه الصلاة والسلام في عبادته وطاعته. فقال قائلهم «أما أنا فأصوم ولا أفطر»، وقال الآخر «أما أنا فلا أتزوج النساء»، وقال الثالث «أما أنا فأصلي ولا أنام»، فقال عليه الصلاة والسلام «ما بال أقوام يقولون كذا وكذا؟»، أما إني لأعلمكم بالله وأشدكم له خشية. ولكني أقوم وأنام، وأصوم وأفطر، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني. من رغب عن سنتي وعن هدي وطريقتي فليس مني، ليس على هدي النبي عليه الصلاة والسلام، وليس على سنته، وليس على طريقته، شاء أم أبى، ما دام أنه قد رغب عن سنته عليه الصلاة والسلام. وفي حديث أبي رافع عند بعض أهل السنن، قال عليه الصلاة والسلام «لألْفِيَنَّ أحدكم متكئًا على أريكته، يأتيه الأمر مما أمرت به أو النهي مما نهيت عنه، فيقول ما وجدنا في كتاب الله»، قلت «ألا وإنما قال رسول الله كما قال الله»، ألا وإنما قال رسول الله كما قال الله. فالواجب على المسلم أن يكون متبعًا لنبيه عليه الصلاة والسلام. قال عمر رضي الله عنه لما قبل الحجر الأسود «إني لأعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع، ولولا أني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبلك ما قبلتك»، أي ما هو إلا الاتباع، المتابع لرسول الله عليه الصلاة والسلام. قال ابن مسعود رضي الله عنه «اقتصاد في سنة خير من اجتهاد في بدعة»، لأن تقتصد في العبادة وفي الطاعة، فتتقرب لله جل وعلا بعمل قليل وتداوم عليه، وهو من سنة النبي عليه الصلاة والسلام، خير لك من أن تجتهد في العبادة والطاعة بأمر محدث ليس من دين الله جل وعلا من شيء. كذلك أيضًا يجب على الخلق تجاه نبيهم عليه الصلاة والسلام أن يحبوه، وأن تكون محبته مقدمة على سائر المحاب. قال الله جل وعلا ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ﴾. هكذا أوعد الله جل وعلا من قدم هذه المحاب على محبة الله ورسوله، من محبة الآباء والأبناء والإخوة والعشيرة والمال والمساكن، فإن الله جل وعلا قد توعده بهذا الوعيد الشديد. وفي الصحيح، عن أنس رضي الله تعالى عنه أن النبي عليه الصلاة والسلام قال «لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين». وقال عليه الصلاة والسلام «ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان، أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما»، الحديث. هكذا عباد الله، بين النبي عليه الصلاة والسلام أنه لا يتحقق إيمان العبد حتى يكون محبته عليه الصلاة والسلام أحب إليه من سائر الأمور، ومن سائر محاب النفوس، من محبة الأهل ومحبة الأولاد ومحبة الأموال وغيرها. كذلك أيضًا لا يتحقق حلاوة الإيمان، ولا يجد العبد لذتها إلا بتقديم محبة الله ومحبة رسوله عليه الصلاة والسلام. عباد الله، لقد ضرب الصحابة رضي الله عنهم أروع الأمثلة في تحقيق محبتهم للرسول عليه الصلاة والسلام. ومن ذلك ما قال عمر رضي الله عنه للعباس بن عبد المطلب قبل أن يسلم «لأن تسلم أحب إلي من أن يسلم الخطاب»، أي والده. قال «لأن تسلم أحب إلي من أن يسلم الخطاب»، أتدرون لماذا أحب أن يؤمن العباس، وإيمانه أحب إليه من إيمان أبيه؟ قال «لأن ذلك أحب إلى رسول الله عليه الصلاة والسلام»، أراد أن يحقق هذا المقام العظيم من مقامات الإيمان، تقديم محبة النبي عليه الصلاة والسلام. فأحب إيمانه، وأحب إسلامه على إسلام أبيه. وذكر ابن إسحاق أن امرأة من الأنصار قُتِل أبوها وأخوها وزوجها يوم أحد، فلما أخبرت بأمرهم قالت «ما فعل رسول الله؟»، كيف حال رسول الله؟ قالوا لها «لقد مات أبوك وزوجك وأخوك»، قالت «كيف فعل رسول الله؟»، قالت «هو»، قالوا «هو بخير كما تحبين»، قالت «أرني أنظر إليه»، فلما رأت النبي عليه الصلاة والسلام قالت «يا رسول الله، كل مصيبة بعدك جلل»، أي هينة. هان عليها موت أقرب الناس إليها من أبيها وأخيها وزوجها، تجاه سلامة النبي عليه الصلاة والسلام، ولعظم محبتها للنبي صلى الله عليه وسلم. ولما أخرج أهل مكة زيد بن الدثينة ليقتلوه من الحرم، قال له أبو سفيان بن حرب، وذلك قبل إسلامه «أنشدك الله يا زيد، أنشدك الله يا زيد، أتحب أن يكون محمدًا عندنا مكانك، تضرب عنقه وأنت في أهلك؟»، أي آمن. فقال زيد رضي الله عنه «والله ما أحب أن يصاب النبي عليه الصلاة والسلام بشوكه وهو في مكانه، وأنا عند أهلي»، ما يحب أن يصاب النبي صلى الله عليه وسلم بشوكه، فضلًا أن يقدمه محله، وأن تضرب عنقه، وأن يفدى به. فقال أبو سفيان «والله ما رأيت أحدًا من الناس يحب أحدًا كمحبة أصحاب محمدٍ محمدًا»، قال «ما رأيت أحدًا يحب أحدًا كمحبة أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم محمدًا»، يفدونه بأرواحهم وبأنفسهم ودمائهم، لعظيم محبتهم لرسول الله عليه الصلاة والسلام. أبو طلحة رضي الله عنه يوم أحد، حين كان يدافع عن النبي صلى الله عليه وسلم، ويرمي المشركين بالنبال، فرفع النبي صلى الله عليه وسلم رأسه لينظر، قال «لا يا رسول الله، لا يصيبك سهم، نحري دون نحرك يا رسول الله، نحري دون نحرك يا رسول الله»، أي أن يقع السهم في نحري، وأقتل، ولا تقتل أنت. انظروا عباد الله إلى عظيم محبتهم لرسول الله عليه الصلاة والسلام. أولئك آبائي، فجئني بمثلهم إذا جمعتنا يا جريج المجامع. هكذا عباد الله، ضرب الصحابة رضي الله عنهم أروع الأمثلة العظيمة في محبتهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم. أقول ما تسمعون، وأستغفر الله، إنه الغفور الرحيم. الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. عباد الله، إن محبة النبي عليه الصلاة والسلام كما علمنا أنها من لوازم الإيمان، فإن لمحبته صلى الله عليه وسلم علامات يعرف بها الصادق من الكاذب. فليست محبته دعوى ولا ألفاظ تقال باللسان، ولكنها ألفاظ تصدق ما في القلب والجنان، ويظهر أثرها على الجوارح والأركان. ألا إن من أعظم دلائل محبته عليه الصلاة والسلام هو الاقتداء به في دينه وشرعه وسنته، وامتثال أوامره، واجتناب نواهيه. فإن من كان محبًا له كان متبعًا لسنته، والله جل وعلا يقول ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾. كذلك أيضًا يكون مقدما لشرعه على هوى نفسه وشهواتها. وهكذا كذلك يكون مكثرًا من ذكره، لأن من أحب شيئًا أكثر من ذكره، فالمحب له عليه الصلاة والسلام مكثرًا من الصلاة عليه، لكن ليس على طريق البدع والمحدثات، ولكن بما شرع الله ورسوله عليه الصلاة والسلام. كذلك أن يكون محبًا لمن يحب النبي صلى الله عليه وسلم، كمحبة أزواجه، ومحبة أصحابه، ومحبة آل بيته. قال عليه الصلاة والسلام في الأنصار «آية الإيمان حب الأنصار، وآية النفاق بغض الأنصار»، محبة أصحابه عليه الصلاة والسلام، وتعظيمهم وتوقيرهم، ومعرفة عظيم منزلتهم، والاقتداء بهم، فإن ذلك من دلائل محبته عليه الصلاة والسلام. قال ابن المبارك رحمه الله «خصلتان من كانتا فيه نجاه: الصدق، ومحبة أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم». إذا علمت ذلك أيها المسلم، فإنك تعلم أن ما يحدثه بعض المسلمين من تلكم الاحتفالات التي تسمى بالاحتفال بمولده عليه الصلاة والسلام، بأنها ليست طريقة شرعية في تعظيمه عليه الصلاة والسلام، ولا في الدلالة على محبته، وفي الدلالة على اتباعه. لأنه أمر محدث ليس من دين الله جل وعلا في شيء، لو عرضته على الكتاب والسنة لم تجد له أصلًا، ولم تجد له دليلًا. فإن الأصل في العبادات التوقيف، لا يشرع منها إلا ما شرعه الله ورسوله، أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله؟ لم يأمر الله جل وعلا بها، ولا أمر بها النبي صلى الله عليه وسلم، ولا فعلها الصحابة رضي الله عنهم. بل إن التاريخ يثبت أن أول من فعلها هم العبيديون الباطنية، فكيف يؤتى الخير من أمثال أولئك الزنادقة؟ ثم ما يتخللها من مخالفات كثيرة في توحيد الله جل وعلا، وأنواع من الشرك والغلو والإطراء في النبي عليه الصلاة والسلام، ورفع منزلته التي أعطاه الله إياها إلى مقام الألوهية. ومن ذلك قول صاحب البردة «يا أكرم الخلق ما لي من ألُوذ به سواك عند حلول الحادث العمم، إن لم تكن يوم القيامة أخذًا بيدي فضلًا وإلا فقل يا زلة القدم». وقولُه «وإن من جودك الدنيا وضرتها ومن علومك علم اللوح والقلم». فماذا ترك لله جل وعلا؟ وقول الآخر «شيل يا عيدروس كل كربة تنجلي»، وغير ذلك من أنواع الشرك التي يقال في تلك الاحتفالات. وهكذا أيضًا قد حذَّر النبي صلى الله عليه وسلم من الغلو والإطراء فيه، فقال «إياكم الغلو، فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو». فإن أراد من يفعلها الصلاة على النبي عليه الصلاة والسلام، فليصلِّ عليه في سائر الأوقات، وفي سائر الأحوال، في صباحك ومسائك، كن مصليًا عليه في سائر أوقاتك، لا يحتاج إلى الصلاة عليه بإقامة مثل تلك البدع والمحدثات. وإن قال «أردت الخير»، فأي خيرٍ لم يدل الله جل وعلا عليه، ولا رسوله عليه الصلاة والسلام، ولا فعله الصحابة رضي الله عنهم؟ أفأنت أحرص على الخير منهم؟ وإن أردت ادعاء محبتي عليه الصلاة والسلام، أفأنت أحبَّ للنبي عليه الصلاة والسلام من صحابته الكرام؟ عباد الله، لو كان في ذلك الفعل خيرًا لدلَّ الله عليه، ولبينه النبي عليه الصلاة والسلام، ولتسابق إليه الصحابة رضي الله عنهم، الذين هم من أحبِّ الناس للنبي عليه الصلاة والسلام. لو كان خيرًا ما سبقون إليه. أسأل الله جل وعلا بمنه وكرمه وفضله وإحسانه أن يوفقنا وإياكم لطاعته، وأن يوفقنا جل وعلا للتمسك بكتابه وسنة نبيه، وأن يميتنا على ذلك. اللهم عزَّ الإسلام والمسلمين، وذلَّ الكفرة والمشركين أعداءك أعداء الدين. اللهم هيِّئ لهذه الأمة أمر رشدٍ، يعزُّ فيه أهل طاعتك، ويُذلُّ فيه أهل معصيتك، ويُؤمر فيه بالمعروف، وينهى فيه عن المنكر. اللهم آتنا في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار. وصلي اللهم وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.