المحاضرة بعنوان الثبات على هذا الدين، وكانت بمسجد التقوى بدار الحديث بالشحر السبت ٥ جمادى الاخر ١٤٣٨هـ ألقاها
يؤكد المتحدث أن الثبات على الإسلام نعمة لا تُنال إلا بعون الله، مستدلاً بالآيات والأحاديث وأدعية السلف. ويحذر من الاغترار بالعلم أو الذكاء مشدداً على التمسك بالكتاب والسنة وسؤال الله الثبات.
يشبه الإمام مالك السنة بسفينة نوح التي تنجي من ركبها وتهلك من تخلف عنها، مستنداً إلى قصة نوح وآيات القرآن. وينبه إلى خطر الجدال في الدين، موضحاً أن العمل بالعلم سبب عظيم للثبات بينما ذم الله من تعلم ولم يعمل.
يبيّن المقطع أن النجاة تكمن في الجمع بين العلم النافع والعمل به اقتداءً بالسلف الصالح الذين لزموا الجماعة وعمروا المساجد. ويحذر من مخاطر الجدل والغرور وترك مجالس العلم، مبيناً أن من علم ولم يعمل شبه باليهود ومن عمل بغير علم شبه بالنصارى.
يحذر المقطع من الغرور والاغترار بالعلم مستعرضاً خوف السلف على خواتيمهم، ويؤكد ضرورة التواضع ولزوم طلب العلم النافع والإكثار من تلاوة القرآن. كما يدعو لتجنب مشاغل العصر كوسائل التواصل والسير على نهج العلماء في الدعوة بالحكمة.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، فنحمد الله الذي أعاننا وإياكم على هذه المجالس، ونسأل الله أن يعيننا دائمًا وأبدًا على ذكره وشكره وحسن عبادته. ففي قول النبي عليه الصلاة والسلام لمعاذ: «والله إني لأحبك، فلا تدعن دبر كل صلاة أن تقول: اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك». فالعبد دائمًا يسأل الله عونه، يسأل الله عونه. وسورة الفاتحة، كما تعلمون، أعظم سورة في القرآن، وفيها آية هي أعظم آية في القرآن، كما قال ابن القيم رحمه الله عليه، وهي قوله: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾، أي: لا نعبد إلا إياك، ولا نستعين إلا بك. والعون من الله، كما أجمع العارفون. قال ابن القيم رحمه الله عليه: أجمع العارفون على أن التوفيق أن يعينك الله، وعلى أن الخذلان أن يكلك إلى نفسك. أجمع العارفون على أن التوفيق أن يعينك الله، وعلى أن الخذلان أن يكلك إلى نفسك. ولذلك كانت «لا حول ولا قوة إلا بالله» كنزًا من كنوز الجنة، كما في الصحيحين عن أبي موسى، لأن فيها هذا المعنى: التبرؤ من الحول والقوة للعبد الضعيف، وأنه لا حول له ولا قوة له إلا بربه سبحانه وتعالى. وهذا يشعر العبد بضعفه وعجزه وقلة حيلته وتدبيره، إن لم يتداركه الله سبحانه وتعالى. فالجلوس في مجالس الذكر نعمة تحتاج منا إلى شكر، يا عباد الله، لأنها كما سمعتم من كلمة أخينا أبي معاذ: مجالس الملائكة، مجالس الصالحين، مجالس الأنبياء والرسل والأولياء. ورثت الأنبياء الجلوس في بيوت الله للعلم والتعليم والدعوة إلى الله، لذكر الله، لإقام الصلاة في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه، يسبح له فيها بالغدو والآصال: ﴿رِجَالٌ لَّا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ﴾. وسمعنا من كلمة أخينا أبي خالد، لا يزال الله خيرًا، حول هذه الفوائد من سورة نوح. هذه السورة العظيمة التي سميت بسورة نوح، وذكر قصة نوح، وذكرت قصة نوح ودعوته في سور كثيرة من القرآن. وهذا أسلوب القرآن: يأتي بقصة النبي مع قومه مطولة ومتوسطة ومختصرة. وهذا لا يجعل العبد يمل من تكرار هذا الخير. والرسول عليه صلى الله عليه وسلم ربما كرر الحديث، كما قال بعضهم: «لولا أني سمعته مرة ولا مرتين ولا ثلاثًا حتى عد سبعًا لما حدثتكم به، لما حدثتكم به». فأنت يا عبد الله ربما تسمع الخطبة أو الموعظة مرات، لا تكل ولا تمل، وتجلس في المجلس وتقول: قد سمعنا هذا الدرس، وهذه المحاضرة، وهذه الكلمة مرات، لا تمل ولا تكل. هذا أسلوب القرآن والسنة: تكرار ما تكرر، تقرر ما تكرر، ويحصل خير كثير. فقصة نوح ذكرها الله وكررها كثيرًا، وهكذا قصة موسى مع فرعون، أكثر ما كررت قصة موسى مع فرعون ودعوة موسى لفرعون، لأن بني إسرائيل الذين في المدينة من بني قينقاع، وبني النضير، وبني قريظة، كانوا من بني إسرائيل، من أتباع موسى، فجيء لهم بدعوة موسى صريحة واضحة بينة لا تخفى عليهم، فعلموا أنه الحق، فعلموا أنه الحق، ولكن كفروا، ولكن كفروا، كما قال تعالى: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ﴾، وقال تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُم مَّا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾. فالمعبرة باتباع الحق ومعرفة الحق والقبول له، ليس المعبرة بمعرفة الحق فقط. فاليهود يعرفون الحق كما يعرفون أبناءهم، ولكن المعبرة: معرفة الهدى بدليله، أن تعرف الحق وتتبعه. أيها الإخوة، نتذاكر في هذه الليلة، في هذا المجلس الطيب، في هذا الدار المباركة، دار الحديث بمدينة الشحر، هذه الدار الطيبة العامرة بذكر الله وبتعليم العلم والدعوة إلى الله. نتذاكر في هذا المجلس أمرًا عظيمًا نحتاج إليه جميعًا، وهو الثبات على هذا الدين، الثبات على هذا الدين. فإن هذا الأمر مما نحتاج إليه جميعًا. يقول ربنا عز وجل في كتابه الكريم: ﴿وَإِن يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيَزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ لَمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ﴾. ويقول الله عز وجل في الآية الأخرى في سورة الإسراء: ﴿وَلَوْلَا أَن ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا * إِذًا لَّأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا﴾. انظر، فالله عز وجل يقول: ﴿وَلَوْلَا أَن ثَبَّتْنَاكَ﴾، وقال الله عز وجل: ﴿وَإِن يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾. فالثبات من الله، الثبات والهداية من الله. قال الله سبحانه وتعالى: ﴿إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا﴾، ﴿فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا﴾، ﴿سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ﴾. ويقول الله سبحانه وتعالى: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾. هذه كما في الصحيحين عن البراء، نزلت في سؤال القبر: «من ربك؟ وما دينك؟ ونبيك؟». فالمؤمن يقول: ربي الله، وديني الإسلام، ونبيي محمد صلى الله عليه وسلم. وأنزل الله عز وجل: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾. ومن دعاء النبي عليه الصلاة والسلام: «يا مقلب القلوب، ثبت قلبي على دينك». كان يكثر من هذا الدعاء. أولاً: لأنه بشر عليه الصلاة والسلام. ثانيًا: يعلم أمته على أن لا يغتر العالم بعلمه، ولا الطالب بطلبه، ولا الذكي بذكائه، ولا الحافظ بحفظه، عليهم أن يستعينوا بالله وأن يسألوا الله سبحانه وتعالى الثبات. الثبات، يا أمة الإسلام، أمر عظيم. الثبات على الكتاب وعلى السنة. ولذلك كان من أدعية الرسول عليه الصلاة والسلام الكثيرة. أيها الناس، اعلموا رحمنا الله وإياكم أن الثبات على الحق عزيز. ولذلك قال من قال من السلف، الأوزاعي: «لا تسل عن من هلك كيف هلك، فإن المغريات والفتن كثيرة، ولكن سل عن من نجا كيف نجا». انظر، الأوزاعي، إمام أهل الشام، أبو عبد الرحمن، أبو عمر الأوزاعي، عبد الرحمن بن عمرو، عالم الشام ومفتيها، مكث أهل الشام على مذهبه نحو مئتي سنة. كان يقول: «عليك بآثار من سلف، وإن رفضك الناس، وإياك وآراء الرجال، وإن زخرفوها لك بالقول، فإن الأمر ينجلي وأنت منه على صراط مستقيم. إياك وآراء الرجال، إياك أن تخالف الحق، إياك أن تخالف الكتاب والسنة، وإن زخرفوه، وإن زوقوه، وإن بهرجوه. الحق قديم، الحق قديم، فعليك به وبالثبات عليه». فهذا الأوزاعي يقول رحمه الله: «لا تسل عن من هلك كيف هلك، أي إذا حصلت الفتن، ولكن سل عن من نجا كيف نجا». وفي كلام الإمام مالك رحمه الله، إمام دار الهجرة. انظر، الأوزاعي إمام أهل الشام، ومالك إمام أهل الحجاز، والليث إمام أهل مصر. لو تقرأ في تراجمهم تجد العجب العجاب، أئمة على سنة وعلى ثبات. هذا الإمام مالك رحمه الله يقول: «السنة كسفينة نوح، من ركبها نجا، ومن تخلف عنها غرق وهوى». السنة كسفينة نوح. وهذا من قصة نوح، أخبر الله عز وجل عن سفينته، قال الله عز وجل: ﴿وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ كَالْجِبَالِ﴾. تخيل وتصور موج مثل الجبال. هذا أمر ربما لا تدركه، الله عز وجل أخبرنا وهو أصدق القائلين، ومع ذلك ما يستطيع العبد أن يتصور موجًا كالجبال، أمر أعظم من فكره وإدراكه، لولا أن الله أخبرنا بهذا وهو الصادق، ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا﴾. ﴿وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ كَالْجِبَالِ﴾، ما عسى هذه السفينة أن تقر أمام هذا الموج، يا عباد الله؟ لكنها السنة، لكنه الدين، لكنه الخير، لكنه الإيمان، تثبت هذه السفينة مع تلاطم الأمواج التي مثل الجبال. ﴿وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ كَالْجِبَالِ وَنَادَى نُوحٌ ابْنَهُ وَكَانَ فِي مَعْزِلٍ يَا بُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنَا وَلَا تَكُن مَّعَ الْكَافِرِينَ * قَالَ سَآوِي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ قَالَ لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَن رَّحِمَ وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ﴾. وهذا في كتاب الله سبحانه وتعالى كما تقرؤون. فالسنة يا عباد الله، كما قال الإمام مالك: «السنة كسفينة نوح». ويأتي الرجل إلى الإمام مالك رحمه الله، إمام دار الهجرة، ويقول: «أريد أن أناظرك». قال: «تناظرني من أجل ماذا؟» قال: «كان الحق معي تتبعني، وإن كان معك أتبعك». قال مالك: «وجاء ثالث، قال: إذا كان الحق معنا نتبعه». قال: «ما أراك إلا تتنقل، اذهب إلى شاك مثلك. إني على ثبات من ديني، عندي كتاب الله وسنة رسول الله عليه الصلاة والسلام، وما كان عليه الصحابة والتابعون في هذا البلد الذي نزل فيه الوحي، وفي هذا المسجد الذي قبر صاحبه هذا أمامي. نحن على ثبات من ديننا، فاذهب إلى شاك مثلك». أراد أن يشكك الإمام مالك فيه، وهو إمام من أئمة المسلمين. قال: «تعال، الحق عندي تتبعني». قال: «وإن كان معي؟» قال: «أتبعه». جاء ثالث، قال: «نتبعه». قال: «إذن سيأتي رابع وخامس وعاشر، وكل يوم نحن في دين. والذي جاء به جبريل دين واحد، والذي نزل على محمد عليه الصلاة والسلام دين واحد». وقال رحمه الله تعالى: «أَوَ كُلَّمَا جَاءَنَا رَجُلٌ أَجْدَلُ مِنْ رَجُلٍ نَتْرُكْ مَا جَاءَ بِهِ جِبْرِيلُ» إلى رسولنا عليه الصلاة والسلام ونتبعه؟ «أَوَ كُلَّمَا جَاءَنَا رَجُلٌ أَجْدَلُ مِنْ رَجُلٍ، صاحب جدل ومراء ولسان، نترك الحق القديم لقوله؟». فانظر هذه الأجوبة عند هؤلاء رحمة الله عليهم. وعبد الله بن عون بن أرطبان، الإمام المشهور، القدوة، العلم الذي يضرب به المثل في الإمامة والعلم والدين والخير وحفظ اللسان. سبحان الله، هذا الإمام المشهور، عبد الله بن عون بن أرطبان، الإمام الفقيه المحدث الورع. سبحان الله، كان يقول كما في صحيح البخاري: «قال ابن عون: ثلاث، وأحبُّهنَّ لإخواني: هذا الكتاب - أن يتعلموه وأن يسألوا عنه - قرآن، وهذه السنة - أن يتفهموها ويسألوا عنها - وأن لا يجعوا الناس إلا من خير». نصيحة عظيمة من إمام علم من أعلام المسلمين، لا تعرف له كلمة نابئة. لو تقرأ في ترجمته ترى العجب العجاب. لو تقرأ في ترجمة عبد الله بن عون بن أرطبان، الإمام المشهور البصري، من أئمة السنة والحديث، قال كما في صحيح البخاري - ورجال البخاري ومسلم - قال في صحيح البخاري: «ثلاث، وأحبُّهنَّ لإخواني: هذا الكتاب، القرآن، أن يتعلموه ويسألوا عنه، وهذه السنة، أن يتفهموها ويسألوا عنها، وأن لا يجعوا الناس إلا من خير، وأن لا يجعوا الناس إلا من خير». نصح نصيحة عظيمة بالرجوع للكتاب وفهمه والعمل به، والرجوع للسنة وتدبرها وفهمها وسؤال العلماء عن ذلك، وأن لا يجعوا الناس إلا من خير. ولذلك ذكروا في ترجمته رحمه الله أنه كان حافظًا للسان، كان حافظًا للسان، وكان مؤدبًا لنفسه ولسانه، لا يعرف عنه طعن ولا لمز ولا وخز. رحمه الله، هذا الإمام. وارجع إلى ترجمته في صفة الصفوة أو في غيرها من كتب السنة، وكتب التاريخ وكتب التراجم، تجد عجبًا عجابًا لهذا الإمام رحمه الله. وهكذا وهكذا، يا أمة الإسلام، أئمتنا من أئمة السلف وعلماء السنة في عصرنا وفي العصور المتقدمة، كانت وصاياهم بالثبات على دين الله سبحانه وتعالى. والثبات له أسباب، والله عز وجل هو المثبت للعباد. فمن أسبابه: أن يدعو العبد ربه بالثبات، لأن رسولنا عليه الصلاة والسلام كان يكثر من دعاء ربه سبحانه وتعالى بالثبات على هذا الدين. وأيضًا بالعمل بالعلم، بالعمل بالعلم. هذا سفيان بن عيينة، الإمام العلم المشهور، الذي يقول بعضهم: «لولا مالك وسفيان لذهب علم الحجاز». مالك وسفيان، إماما أهل الحجاز، من عصري أتباع التابعين، هم من طبقة أتباع التابعين، مالك من رؤوسها ورأسها هو الثوري، وابن عيينة من وسط هذه الطبقة. قال بعضهم: «لولا مالك وسفيان لذهب علم الحجاز». قال ابن عيينة رحمه الله: «قال: لو أن نهاري نهار... لو أن نهاري نهار جاهل، وليلي ليل جاهل، فما فائدة علمي؟ لو أني بالليل والنهار ما أعرف بالعلم ولا بالعمل به، لا صيام ولا قيام، فما فائدة علمي؟». فالعمل بالعلم، يا عباد الله، سبب عظيم للثبات. كان سلفنا الصالح يستعينون على حفظ الحديث بالعلم. وربنا عز وجل يقول في كتابه، في كتابه الكريم: ﴿وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِن دِيَارِكُم مَّا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِّنْهُمْ وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا * وَإِذًا لَّآتَيْنَاهُم مِّن لَّدُنَّا أَجْرًا عَظِيمًا * وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطًا مُّسْتَقِيمًا﴾. فالعمل بالعلم سبب للثبات، العمل بما جاء به الرسول صلى الله عليه وعليه وسلم. ولذلك إذا نظرت لسيرة رسولنا عليه الصلاة والسلام، وسيرة الصحابة، وسيرة الأئمة، لرأيت عجبًا عجابًا في العمل بالعلم، رحمة الله عليهم. وهذا من ثبات العبد، أن يعمل بعلمه، لأن الله سبحانه وتعالى ذم قومًا تعلموا ولم يعملوا، فقال الله سبحانه وتعالى: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ وَأَنتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾. وقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾. وهكذا يقول ربنا عز وجل: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا﴾. انظر، شبههم بهذا التشبيه. وقال: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ * وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ﴾. انظر، شبه الله عز وجل هؤلاء الذين لا يعملون بعلمهم بهذا التشبيه، شبههم بالحمر، وشبههم بالكلاب، والعياذ بالله، لأنهم فقدوا العمل بالعلم الذي تعلموه. وربنا عز وجل يقول في سورة الفاتحة: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾. من هم المنعم عليهم، يا عباد الله؟ هم الذين جمعوا بين العلم والعمل، تعلموا وعرفوا الحق وعملوا به ودعوا له، بدون جدال ولا نزاع ولا مراء، ولا أيضًا تشدد، إنما دعوة إلى الكتاب والسنة. هكذا كانوا، رحمة الله عليهم. فانظر يا عبد الله: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ * غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾، وهم الذين علموا ولم يعملوا، ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾، وهم الذين عملوا بغير علم. فتسأل الله أن يرزقك العلم النافع والعمل به، وهذا هو صراط المنعم عليهم الذين جمعوا بين العلم والعمل، رحمة الله عليهم. وأما من علم ولم يعمل، ففيه شبه باليهود، كما قال سفيان... كما قال سفيان الثوري أو ابن عيينة، أحد السفيانين، لا إمه: «من فسد من علمائنا ففيه شبه باليهود، ومن فسد من عبادنا ففيه شبه بالنصارى». لأن اليهود علموا ولم يعملوا، فمن فسد من علماء هذه الأمة أشبه اليهود في كتب العلم وعدم العمل به، ومن فسد من عباد هذه الأمة ففيه شبه بالنصارى الذين عملوا بغير علم. بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، أيها الإخوة، نحن في هذا الزمان، وفي آخر هذه الأزمنة، وفي هذه الأزمنة المتأخرة، بحاجة ماسة وعظيمة للثبات على ديننا. فإن دين العبد يحارب بالليل والنهار، لكثرة الشهوات والشبهات. لذلك قال الإمام الذهبي رحمه الله: «فإن الشبه... فإن القلوب ضعيفة، والشبه خطافة». القلوب ضعيفة، والشبه خطافة. فعلى العبد أن يحرص على أسباب الهداية وأسباب الثبات على الكتاب والسنة. قال الإمام الأوزاعي رحمه الله، الذي سمعتم شيئًا مما ذكرنا عنه، إمام أهل الشام: «سمعت حسان بن عطية رحمه الله يقول: خمس كان عليهن أصحاب محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم والتابعون بإحسان». خمس كان عليهن أصحاب محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم والتابعون بإحسان: «لزوم الجماعة، واتباع السنة، وعمارة المساجد، وقراءة القرآن، والجهاد في سبيل الله». فانظر يا عبد الله، كان السلف على هذه الخمس. اتباع الجماعة: لا يخرجون على أولي أمورهم، ويرون السمع والطاعة لولي الأمر في المعروف، ولا طاعة لمخلوق في معصية الخالق. فلا يحدثون عهودًا جديدة، ولا بيعات جانبية، ولا يرون الخروج على أمتهم وولاة أمورهم، وإن جاروا. فهذا أصل سبب للثبات. وأيضًا قال: «واتباع السنة». فإن اتباع السنة والعمل بها سبب للثبات. وأيضًا قال: «وعمارة المساجد». فإن أهل السنة إذا عمروا المساجد عمروا قلوبهم، فإذا عمرت القلوب بالطاعة والإيمان والعلم، لم تجد فراغًا للقيل والقال، ولم تجد فراغًا للجدال، ولم تجد فراغًا للمراء. والنبي عليه الصلاة والسلام يقول: «ما ضل قوم بعد هدى كانوا عليه إلا أوتوا الجدل». ما ضل قوم بعد هدى كانوا عليه إلا أوتوا الجدل. ثم قرأ النبي عليه الصلاة والسلام: ﴿مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ﴾. رواه الترمذي عن أبي أمامة. «ما ضل قوم بعد هدى كانوا عليه إلا أوتوا الجدل». ولذلك قال من قال من السلف: «إذا أراد الله بقوم خيرًا فتح لهم باب العلم والعمل، وإذا أريد بهم شرًا أغلق عنهم باب العلم والعمل وفتح لهم باب الجدل». فإذا رأيت القوم قد هجروا المساجد، وهجروا حلقات العلم، وهجروا الدعوة والمحاضرات والجلوس في بيوت الله، فإنهم قد فتنوا، وقد مُكر بهم. قد فتنوا، وقد مُكر بهم. إذا رأيت الشخص يتفرغ لعيوب غيره وينسى عيوب نفسه، فاعلم أنه مُمكور به. فاعلم أنه مُمكور به. كم ذنوبك وكم سيئاتك وكم عيوبك حتى تتفرغ لغيرك؟ ابدأ بنفسك فانهها عن غيها، فإذا انتهت عنه فأنت حكيم. ابدأ بعلاج نفسك، وعلاج مرضك، وعلاج قسوة قلبك. فإن القلوب تقسو، وما لها إلا مجالس الذكر. القلوب تقسو وتصير أقسى من الحديد والحجارة، وما لها إلا مجالس الذكر. فإذا رأيت الرجل قد هجر حلق العلم، وحلقات العلم، ودروس المساجد، والجلوس بين يدي أهل العلم وطلاب العلم، فاعلم أنه قد مُكر به، والعياذ بالله، إن لم يتدارك نفسه ويرجع إلى رياض الجنة. هكذا يقول حسان بن عطية، الإمام المشهور، كما ينقل عنه الأوزاعي، كما عند ابن نصر والبيهقي: «خمس كان عليهن أصحاب محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم والتابعون بإحسان، والتابعون بإحسان: اتباع الجماعة، لزوم الجماعة، واتباع السنة، أو الاعتصام بالسنة، وعمارة المساجد، وقراءة القرآن، والجهاد في سبيل الله». قراءة القرآن، يا أمة الإسلام، انظروا في تراجم سلفنا. منهم من يقول: كان يختم في ثلاث، ومنهم من يختم في سبع أيام أو سبع ليال، ومنهم من يختم في عشر. الكثير من سلفنا من كان يختم في ثلاث، وبعضهم يختم في سبع، والقليل، القليل، القليل، من كان يختم ربما في الشهر، أو في الشهر مرتين، القليل. مع أنهم علماء يعلمون الناس، ويجلسون يحدثونهم ويعلمونهم، ويجعلون نصيبًا لكتاب الله يقرؤونه ويقومون به، رحمة الله عليهم. كما سمعتم في قول ابن عيينة: «إذا كان نهار نهار سفيه، وليلي ليل جاهل، فما فائدة علمي؟ فما فائدة علمي إذا لم أعرف به في الليل والنهار؟». انظر يا عبد الله، فكان السلف رحمة الله عليهم يعمرون المساجد، كما قال ابن تيمية، وقبل ذلك قال الله عز وجل: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ﴾. فالذين يعمرون المساجد هم المؤمنون، يا عباد الله. فأهل السنة والجماعة عمار المساجد، في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه، يسبح له فيها بالغدو والآصال: ﴿رِجَالٌ لَّا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ﴾. وهكذا يا أمة الإسلام، الجهاد في سبيل الله: جهاد الحجة والبيان، وجهاد السيف والسنان. كان عليها أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم والتابعون بإحسان. فإذا نظرنا إلى الخلف، أين هم من علم السلف؟ إذا نظرنا إلى الخلف، أين هم مما كان عليه السلف، رحمة الله عليهم؟ فمن أسباب الثبات على الدين، يا عباد الله، ملازمة العلم والعلماء. وأيضًا من أسباب الثبات على هذا الدين، يا عباد الله، التواضع، التواضع. فإن العبد إذا تواضع علم قدر نفسه. لكن إذا اغتر، إذا اغتر، فإن الغرور سبب في هلاكه، الغرور. وهذا سيف قاطع على الصالحين وطلاب العلم، إلا من رحم الله. الغرور والكبر والتعالي، هذا سبب في ذهابهم وهلاكهم. ولذلك قال عمر كما جاء في البخاري: «قال عمر: تفقهوا قبل أن تسودوا». قال ابن عيينة: «لأن الرجل إذا تفقه لم يطلب السيادة والقيادة والرئاسة». انظر، ابن عيينة كيف فسر هذا الحديث. قول عمر: «تفقهوا قبل أن تسودوا». قال أبو عبد الله البخاري: «وبعد أن تسودوا». قال ابن عيينة: «قول عمر: تفقهوا قبل أن تسودوا، لأن العبد إذا تفقه ترك طلب السيادة، إنما هو الله عز وجل الذي يعطيه الشهرة والرفعة والمحبة في القلوب، ليس هو الذي يطلبها. فإذا لم يتفقه طلبها هو وحرص عليها، فأخرب ودمر وأفسد على المسلمين دينهم ودنياهم». انظر يا عبد الله، فأنت يا طالب العلم... حتى قيل: «إن إبليس، نعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال: هذا الذي يقسم ظهره، أو يقسم ظهر إبليس، قول الرجل: ما أدري بما يختم لي». قال: «هذا لا زال، متى سيغتر؟ لا زال، ما أدري بما سيختم لي». انظر، هذا العبد الناصح لنفسه: «ما أدري ما سيختم لي»، يعني ما هو يقول: أنا في الجنة، وأنا في فردوس، وأنا مع الرسول والنبيين. قول: «ما أدري، أفي الجنة أم في النار؟». قال: «هذا الرجل، متى، متى سنتمكن منه حتى نهلك؟ ما سيتمكن منك حتى تغتر وتقول: أنا مع الرسول في أعلى عليين وفي الفردوس الأعلى، وهؤلاء المساكين في النار، هؤلاء المساكين في النار. أما هو، ما يرضى حتى في الجنة حتى يكون في أعلى عليين. المسكين المغرور». أما سمعت قول ابن مسعود في دعائه، كما في السنة، ذكر الشيخ مقبل في الصحيح المسند، كان يقول من دعائه: «اللهم إني أسألك إيمانًا لا يرتد، ونعيمًا لا ينفد، ومرافقة نبيك صلى الله عليه وسلم في أعلى جنة الخلد». كان يدعو الله بإيمان لا يرتد، يخاف على نفسه من الردة. وابن عمر، كما في الموطأ، مالك عن نافع عن ابن عمر، كان من دعائه: «اللهم كما هديتني للإسلام فلا تنزعه مني حتى ألقاك، اللهم كما هديتني للإسلام فلا تنزعه مني حتى ألقاك». يخاف على نفسه أن يذهب عنه الإسلام. قال: الثوري، وحضروا وفاته، سفيان بن عيينة، وإمام الدين، بكى بكاءً شديدًا. قالوا: «ما هذا الخوف؟ أتخاف ذنوبك؟» قال: «إن الذنوب، الله سبحانه وتعالى رحيم، ولكن أخاف، أخاف أن يحال بيني وبين الإيمان، أخاف من الكفر، أخاف من الردة». إمام المسلمين، رأس المسلمين، وحافظ الحفاظ، الأمة، علم من أعلام الدين، علم الناس العلم، وعلم الناس دقيقات الورع، يضرب به المثل في العلم والورع والزهد والإمامة والبعد عن السلاطين والبعد عن دنياهم، له دعوة مستجابة، رحمة الله عليه. قالوا: «الله لا، أخاف الذنوب، فإن الله غفور رحيم، ولكن أخاف الكفر، ولكن أخاف الكفر». هؤلاء الأمة، متى سيتسلط عليهم هذا العدو، وهم يخافون على أنفسهم؟ الإمام أحمد، الإمام أحمد، يلقن الشهادة عند موته: «يا إمام، قل لا إله إلا الله»، وهو يقول: «ليس بعد، ليس بعد». تعجب الناس منه. قال: «إن عدو الله عرض لي، ويقول: فتنّي يا أحمد، فتنّي يا أحمد، وأقول: ليس بعد، ليس بعد. ما دام الروح في الجسد، وما دمت حيًا، لا آمن على نفسي». إمام أهل السنة والجماعة. وقال: «قل لا إله إلا الله»، فإذا بإبليس يعرض عليه، يقول: «فتنّي يا أحمد، فتنّي يا أحمد»، وأقول: «ليس بعد، ليس بعد. لازلت حيًا، لازلت خائفًا أن يختم لي بالكبر». انظروا، يخافون على أنفسهم. ما أحد يقول: عندي إيمان جبريل، وما أحد يقول: أنا في الجنة. إنما يسألون الله العافية، ويسألون الله حسن الخاتمة. ولذلك قال النبي عليه الصلاة والسلام في حديث، صحيح البخاري: «إنما الأعمال بالخواتيم، وإنما الأعمال بالخواتيم». فانظر يا عبد الله، كيف كان سلفك الصالح يتواضعون ولا يغترون. ولذلك الإمام أحمد، وهو إمام، جار إليه، وما زال يكتب ويقرأ ويحضر مجالس العلم. يقال: «إلى متى وأنت مع هؤلاء؟ إلى متى أنت جارٍ إليك بالبنان؟» قال: «مع المحبرة إلى المقبرة»، أو «من المحبرة إلى المقبرة». لازلنا طلبة علم. انظر، ولازلنا نطلب العلم إلى أن نموت. إمام هذا، الشيخ مقبل رحمه الله، قال: «لسنا إلا طلبة علم، ما نحن إلا طلبة علم». وهذا الشيخ الألباني، إمام، يقول: «نحن طلبة علم». فأين نحن، يا عباد الله، وأين طلاب العلم، الذي الواحد يجرح ويعدل، ويتكلم على أولياء الله وعلماء الإسلام شرقًا وغربًا، بغير ورع ولا تقوى، إلا من رحم الله؟ لو رجعنا إلى أنفسنا، ورجعنا إلى علمائنا، واستقمنا على ديننا، لسلمت الدعوة، وسلم الناس من هذا الذي يحصل في مجتمعاتنا، خاصة في هذه الأزمان، من القيل والقال. انظر يا عبد الله في نفسك: كم خرب عليك الإنترنت؟ وكم أفسد في قلبك من فساد؟ كم هذا الفيسبوك، وكم هذا الواتساب، أفسد عليك في قلبك؟ كم نكت من نكتة سُودا في قلبك؟ احذر، وراقب نفسك، وحاسب نفسك. فإن أصل المحاسبة أصل عظيم: أن تحاسب نفسك قبل أن تحاسب. انظر: كم قرأت من القرآن؟ كم ختمت من المصحف؟ ربما يا طالب العلم تمر عليك الساعات والأيام والليالي وأنت في غفلة عن القرآن. قرأت ألف رسالة، قرأت ألفين رسالة، قرأت ثلاث آلاف رسالة، وعندك رسالة رب العالمين التي فيها الهدى والنور، الحرف بحسنة، والحسنة بعشر أمثالها، تمر عليك الأيام ما قرأت حرفًا من كتاب الله. أين أنت وأين عقلك؟ هذا والله من المكر بك، هذا والله من المكر بك، أن تهجر كتاب ربك، وأن تذهب وراء القيل والقال والأقاويل التي ربما تضر ولا تنفع. الحق قديم، والحق مطلوب، يا عباد الله. انظر، الإمام مسلم، بالحجاج، أبو الحسين، الذي كتابه أصح الكتب بعد كتاب الله، وبعد صحيح البخاري، أصح الكتب بعد كتاب الله: البخاري ومسلم. هذا الذهلي، الإمام المشهور، إمام أهل خراسان، يتكلم في البخاري، فهجر الناس البخاري إلا القليل، وكان مسلم ممن يذهب إلى البخاري، ممن لم يهجر شيخه وطلب العلم عنده. قال الذهلي: «من كان يحضر مجلس البخاري فلا يحضرن مجلسنا». فقام الإمام مسلم، وذهب إلى حديث البخاري، وردها عليه، وذهب إلى حديث محمد بن يحيى الذهلي، وردها عليه، ومشى، وألف لنا كتابًا عظيمًا، انتفعت الأمة منه، ولم يخرج لشيخه البخاري، ولا لشيخه الذهلي، لم يخرج في صحيحه لأحد الشيخين، أئمة يشار إليهم بالبنان، البخاري شيخه، والذهلي شيخه. حصل بينهما نزاع، وحصل بينهما ما يحصل بين الناس، ولله الحكمة، ولله الأمر من قبل ومن بعد. ما كان موقف الإمام مسلم؟ اتجه إلى العلم والنشر والدعوة، ولم يخرج للبخاري، ولم يخرج للذهلي. وكتاب مسلم أصح كتاب بعد القرآن وبعد البخاري. ما ضره ذلك، ومشافي العلم والتعليم. انظر يا عبد الله، فأنت إذا عرفت الحق وعلمت الحق، قل به واعتقده، وامشِ بالعلم. اجعل نفسك في العلم، في العلم والتعليم والدعوة إلى الله. لا تشغل نفسك بغير هذا، لا تشغل نفسك بغير هذا. إن عرفت الحق، ادعُ إليه بالحكمة والموعظة الحسنة، والرف