المحاضرة بعنوان أهمية المسجد في الإسلام، وكانت بمسجد السنة بالقارة - الجمعة ١٨ جمادى الآخر ١٤٣٨هـ ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يتناول أهمية المساجد في الإسلام وأولوية بنائها، ويشير إلى فضل بناء المساجد والأجر المترتب على ذلك. يشدد على ضرورة تجنب الزخرفة الزائدة في المساجد.
يناقش أهمية عمارة المساجد سواء كانت عمارة حسية بتنظيفها وتطييبها، أو عمارة معنوية بإقامة العبادات والطاعات فيها. يشدد على ضرورة الحفاظ على نظافتها وطهارتها.
يشرح رسائل المسجد المتعددة في الإسلام، كونه معلما للتوحيد ورمزا لوحدانية الله، ومنارة للسنة النبوية. يجب أن يبقى خاليا من مظاهر الشرك والوثنية والبدع.
إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴿، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴿، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴿. أما بعد، فإن خير الكلام كلام المولى جل وعلا، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. عباد الله، إخواني في الله، حديثي وإياكم في هذا المقام بصدد أهمية المسجد في دين الإسلام. المساجد، إخواني في الله، تعتبر من أعظم المباني التي ينبغي أن يعتني بها المسلمون اعتناء عظيما. ولأدل على ذلك، إخواني في الله، مما ثبت عن نبينا عليه الصلاة والسلام عندما خرج من مكة مهاجرا في سبيل الله، وكان بصدد الدخول على المدينة، إذ ستكون دولة الإسلام والمسلمين، وسيكون فيها نبينا مجتمعا إسلاميا. يا ترى، بماذا فكر عليه الصلاة والسلام؟ ما هي أول منشأة سينشئها نبينا في هذه الدولة الفتية؟ أتدرون، إخواني في الله، ما الذي أول ما بناه نبينا؟ جاء في البخاري أنه عليه الصلاة والسلام دخل المدينة على راحلته، فماشى بها، فإذا بالدابة تبرك في مكان بنفسها، بركت في محل، فقال عليه الصلاة والسلام: «إن شاء الله هنا المنزل، إن شاء الله هنا المنزل». فسأل عن هذه البقعة، فقيل: بأنها أرض غلامين، وكان عبارة عن مربد للتمر، وكان ملكه يعود لغلامين. فاستأذن نبينا من هذين الغلامين أن يبيعاه الأرض له لكي يتخذه مسجدا يبني عليه مسجده عليه الصلاة والسلام. فإذا بالغلامين قالا: «يا رسول الله، بل إنا نهبه لك». قال: «لا، بل للثمن». فاتفق على ثمن، فدفع نبينا الثمن، ثم اشترى الأرض، ثم بعد ذلك أمر بإنشائها وإعمارها. فكان أول فعل، وأول ما قام به نبينا عندما وطأت قدمه المدينة بناء المسجد. وهذا دل، إخواني في الله، على عظيم الاهتمام بالمساجد، وأن المجتمعات أول ما ينبغي أن تؤسس على المسجد. «إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر». فإذا أردت، يا عبد الله، أن تتعرف على إيمان عبد من عباد الله، فانظر في ترداده، وانظر في تعاهده لبيت من بيوت الله. فإنه لا يوفق لعمارة المساجد إلا من كان من أهل الإيمان. وبما أننا، إخواني في الله، تكلمنا عن عمارة المساجد، نبه العلماء رحمة الله تعالى عليهم أن عمارة المساجد تكون بأمرين اثنين: العمارة الأولى وهي العمارة الحسية، ونعني بعمارة المساجد العمارة الحسية، وذلك ببنائها وتشييدها وعمارتها وإصلاحها. هذا كله من عمارة المساجد الحسية، وهي كذلك من العبادات المحبوبة والمحمودة عند الله جل وعلا. بل إن الله سبحانه وتعالى، على لسان رسوله، بين عظم الأجور التي ينالها من شيد وبنى مسجدا لله. ثبت في الصحيحين من حديث عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنه قال: قال عليه الصلاة والسلام: «من بنى بيتا لله، بنى الله له بيتا في الجنة». وهذا الحديث يسميه العلماء من الأحاديث المتواترة. قال العلماء: معنى بنى الله له بيتا في الجنة، بمعنى أن الله عز وجل يبني له بيتا كما هو بنى لله بيتا، أي التشابه في الإسمية فقط. وأما سعته ومقداره وعظمته، قال: فلا يعلم به إلا الله. ومنها، إخواني في الله، أن هذا الفضل من بنى بيتا لله، بنى الله له بيتا في الجنة، ليس من شرطه أن يكون هذا المسجد جامع مانع كبير ضخم. لا، يا عبد الله، بل ولو أن رجلا ما بنى مسجدا صغيرا، صغيرا على قدر نفقته وعلى قدر مقدوره وعلى قدر الحاجة. قال عليه الصلاة والسلام: «من بنى بيتا لله، ولو كمفحص قطاه، بنى الله له بيتا في الجنة». مفحص قطاه: أي المكان الذي يجهزه الطائر لكي يبيض فيه. قال العلماء: اختلفوا في تفسير هذا الحديث، فذهب الكثير من أهل العلم إلى أن هذا الحديث إنما أراد به نبينا المبالغة، بمعنى أنك ابن، يا عبد الله، ولو أصغر مسجد، ففيه خير وبركة، ولك الأجر. بينما ذهب جماعة من أهل العلم إلى أن هذا الحديث على حقيقته، وأنه بإمكان العبد أن يبني لله بيتا كمفحص قطاه. وكيف هذا؟ ذكر الحافظ بن حجر أن يكون ذلك على صورتين اثنتين: أولاهما، أن المسجد يحتاج إلى زيادة، فيأتي متبرع، فيبني هذه الزيادة. والصورة الثانية، قال علماء: المشاركة، مثاله: بلدة تحتاج إلى مسجد، قرية على قدر الحال، فإذا بأهل القرية كل يتعاون بما عنده، فيبنوا مسجدا على قدر الحال، صغيرا. فيقول الحافظ بن حجر رحمه الله تعالى: هؤلاء الذين شاركوا في المسجد، لو أننا قسمنا حصتهم، لرأينا أن الواحد منهم، لو ربما إنما بنى مثل هذا الجزء صغيرا. فهذا، إخواني في الله، يدل على أن استكمال المساجد، صاحبها له أجر، والمشاركة، عدة أشخاص، عدة تجار، بعض الناس ينأى، وهذا مشكلة نجدها في بعض التجار، أصلاحهم الله، لو ربع يد يتكفل لوحده بمسجد، لكن على حساب التأخير. لا، يا عبد الله، لك الأجر، ساهم، دع الناس يساهمون معك. هذا، إخواني في الله، مما يدل عليه هذا الحديث. والفائدة الثالثة، إخواني في الله، في العمارة الحسية، أن العمارة الحسية ينبغي أن لا يزاد فيها بالزخرفة الزائدة. وانظر لهذا المسجد، وإلى الله الحمد، ما أجمله، ما أروعه، هادئ، فيه يعلوه البياض. وهذا الذي كان يوصي به سلفنا الصالح، عمر رضي الله تعالى عنه، عندما أمر ذلك الرجل بأن يبني المسجد، قال: «إياك وأن تحمر وأن تصفر، اجعلها بيضاء، هذا أولى». هذه المساجد، إخواني في الله، لا يقطنها إلا العباد، الذين يريدون أن يتقربوا إلى الله بالعبادات. فوجود النقوش والزخارف، مما يضر، ومما يشغل عباد الله عن عبادتهم لله عز وجل. وقد جاء في السنن من حديث عائشة، قال عليه الصلاة والسلام: «من أشراط الساعة أن يتباهى الناس بالمساجد». أي: أن يتفاخر الناس بالمساجد. قال الشراح: وذلك المفاخر بالزخرفة. يقول بعض الناس: «يا أخي، والله سمعنا مسجد السنة بني في القارة، غاية ما شيء، فاضي، والله في مسجد ثاني في الغل بني، والله تمام زخرفة». فأصبح الناس يتباهون بالزخرفة. هل هذا مقياس؟ هل هذا معيار في تقويم المساجد؟ لا، يا عبد الله. إنما المساجد، كما قال عليه الصلاة والسلام: «ما أمرت بتشييد المساجد». قال العلماء: معنى قوله: «ما أمرت بتشييد المساجد»، أي: بزخرفتها. بعض المساجد بلغت بها الزخرفة إلى أن وصلت إلى حد المتاحف. أعرف هذا، ولعلكم تعرفون أن بعض المساجد يأتيها السواح، والله يأتيها السواح، لا يأتيها العباد، لماذا؟ لأن ما أصبح المحل العبادة، وإنما محل النظر والتصوير، زخرفة من أوله إلى آخره. فإياكم، يا عباد الله، لمن أراد أن يقبل على بيوت الله، أن يقبل على الزخرفة وعلى الزركشة. هذه إنما أماكن العبادة والتعبد، يقبل فيها العبادة، وتحتاج إلى صفاء وإلى بياض. وهكذا، إخواني في الله، مما يذكر من بناء الحسي وعمارة المساجد، العمارة الحسية، الاهتمام بتنظيفها، بتطهيرها، بجمرها. ولهذا جاء كذلك من حديث عائشة، قالت: «أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ببناء المساجد في الدور، وأن تنظف وتطيب». بل كان بعض الصحابة رضي الله تعالى عنهم يقومون بتجمير مسجد رسول الله. جاءتهم بجمر مع الدخون، ويجمرون المسجد. هذا كان الصحابة يتعبدون إلى الله بهذا، يطهرونها، ينظفونها، يجمرونها، بما استطاعوا. فهذه المساجد، يا عبد الله، ينبغي أن تعظم، لأنها بيوت الرحمن سبحانه وتعالى. ومن تنظيفها، يا عبد الله، التطيب، ومن تنظيفها، يا عبد الله، إبعاد النجاسات عنها. ثبت في صحيح مسلم في قصة ذاك الأعرابي، دخل المسجد، فلعدم فقامته، قام وبالا في ناحية المسجد. فحتى أراد الناس أن يسجروه، ثم قام نبينا وأوضح لهذا الأعرابي ما هي المسجد، فقال عليه الصلاة والسلام: «إن هذه المساجد لا تصلح لشيء من البول والقذر». ينبغي أن تبقى طاهرة، تبقى منظفة. عض الآباء، مثلا، إخواني، فلاء يحبون أن يأتوا بأولادهم، ونفرح بهذا، أن تأتي بأولادك، لكن إذا علمت بأن ولدك لربما ما يتمالك نفسه، يخرج منه البول، فإنت بين أمرين: إما أنك تتحفظ، أي تحفظه، أو أنك تمنعه، ولا يلوث المسجد. فلا تجعل، يا عبد الله، المسجد شبيها ببيوت الناس، ترمى فيها القمائم والأوصاخ. لا، بل تنظف عن ذلك. واضرب، يا عباد الله، لكم مثلين بشخصيتين في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم. انظر كيف تعامل معهم نبينا، بمعاملة تختلف عن الثاني، بماذا المقياس؟ ما هو المعيار؟ نظافة المسجد. الأول، ما جاء في الصحيح في قصة تلكم المرأة السوداء، كانت تقم المسجد، تنظف المسجد، تزيح الأوصاخ والأتربة. شغلها شاغل، وهمها أن تبقي هذا المسجد على نظافة وطهارة. فماتت، وكأن موتها كان مساء ليلا، فما أيقظوا رسول الله، فقاموا وصلوا عليها ودفنوها. فسأل عنها نبينا بعد حين، سأل عن المرأة، فأخبروا رسوله بأنها قد ماتت، وقد دفنوها. فقال عليه الصلاة والسلام: «ألا آذنتموني؟ ألا آذنتموني؟» أي: أشعرتموني، أعلمتموني. فدلوه على قبرها، فذهب إليه، وصل على قبرها عليه الصلاة والسلام. معنى من؟ امرأة سوداء، لكن ما هي؟ امرأة كانت تقم المسجد، تعتني بالطهارة والنظافة. بالمقابل، ما رواه أبو داود، من أن رجلا أما الناس، فبينما هو في صلاته، بسط في قبلة المسجد، فنظر إليه نبينا عليه الصلاة والسلام، نظر إلى بصاق الرجل في القبلة. فلما انتهى رجل من صلاته، قال نبينا لمن عنده: «لا يصلي لكم هذا، ما يصلي». فكأن الإمام ما سمع. فلما أراد أن يصلي مرة أخرى بالناس، منعوه الخلق، قال: «لا تصلي بنا». قال: «لما؟» قال: «لأن رسول الله قال: لا تصلي بنا». فذهب الرجل إلى رسول الله وأخبره الخبر عن سبب منعه. قال: «نعم، إنك آذيت الله ورسوله، إنك آذيت الله ورسوله، بمصاق في قبلة المسجد». فتأمل، يا عبد الله، في هذه المسألة التي للأسف استهان بها الكثير من الناس. فحذر، يا عبد الله، أن تلوث بيوت الله عز وجل بأي ما يكون من المجاسات أو القذارات. بعض الناس، مثلا، لربما يأتي بأظافره، يقلم ظفر، يرميه كلينكس، ثم يرميه. كيف ترمي، يا عبد الله؟ لا ترمي. وهنا فائدة ثانية، إخواني في الله، احرص، يا عبد الله، أن لا تجعل هذه المهمة فقط تنحصر بالمنظف. بعض المصلين لربما يمر، يرى هنا أذى، وهنا قذر، وهنا وصخ، فيمر عليه، يقول: «خل المنظف ينظف». يا عبد الله، هذا أجر. قد أخبر عليه الصلاة والسلام أن من الأعمال الصالحة التي يغفر الله بها العبد، ربنا بها الذنب عن العبد، الأذى يماض من المسجد. هذا أجر، وهذا صدق، وانتمار، يا عبد الله. كلينكس، أخذه، واجعله في جيبك، لك الأجر عند الله. وهكذا، الجميع يعتني، إخواني في الله، ببيوت الله سبحانه وتعالى. فهذا، إخواني في الله، مما تدخل من العمارة الحسية، الاعتناء بالتنظيف، وهكذا الاعتناء حتى من باب الرائحة. من كان عنده رائحة ملوثة، لا يدخل المسجد. قال عليه الصلاة والسلام: «من أكل ثوما أو بصلا، فلا يقلبن مسجدنا هذا». لا تقلب المسجد، عندك ريح بصل أو ثوم. وألحق العلماء كذلك من كانت ريحه منتنة، رجل صاحب سجارة، ينفخ، ينفخ، ينفخ، ثم يدخل المسجد، يعكر على المصلين. لا تؤكر، يا عبد الله، أنت آثم بهذه الصورة، آثم. أو صاحب الشيشة، ونحو ذلك، لا تدخل الأذى، يا عبد الله، إلى بيوت الرحمن. ثم لا تحتج، لا تحتج بأنك صاحب سجارة، «ما ستصلي في المسجد، لا». لك إثم مرتين: لك الإثم مرتين، إذا أردت، يا عبد الله، أن تصلي مع الناس، وتركوا السجارة بالكلية، تتركها، ذو بالكلية. فإنها إثم ومرض، وابعادك عن الله سبحانه وتعالى. فهذا، إخواني في الله، ما نذكره في مقصود العمارة الحسية، أن نعلم أن العمارة المسجد تكون ولو بأصغر الأحجام، وأن كذلك عمارة المسجد تكون بإخلاص. وأن من عمارة المسجد، العمارة الحسية، الاعتناء لتطهيرها وتنظيفها. ومن العمارة الحسية، عدم المبالغة بزخرفتها. ننتقل، إخواني في الله، إلى العمارة الأخرى، والعمارة المعنوية للمساجد، وهي القسم الثاني. العمارة المعنوية للمساجد، وأعني بها أن تعمر بيوت الله بالعبادات والطاعات، أن تعمر البيوت بذكر الله سبحانه وتعالى. هذا النوع من أنواع العمارة، يعتبر من أعظم أنواع العمارة، بل هو أصلها وأساسها، بل هو جوهر المساجد. ما بنيت المساجد إلا للعمارة المعنوية، وإلا ما الفائدة، إخواني في الله، من بناء مسجد مشيد الأركان والبنيان، ولا هناك أحد يتعبد الله فيه؟ ما الفائدة منه؟ المسجد، إخواني في الله، إذا كان وجوده ما أدى رسالته، وما استفاد الناس منه، أو قل بالعكس، لو أن المسجد أقيم على خلاف رسالته، فإن هذه المساجد لا تبقى، وما ينبغي لها البقاء أبدا. ولنا عبر، إخواني في الله، بمسجد ضرار، مسجد بني، شيد له أركان، رمم سقفه، لكن هذا البناء الذي يعبر عنه أنه مسجد، الذي خلفه تعطيل رسالة الله. هذا المسجد من داخله، إنما بني إرصادا لمن حارب الله ورسوله، وتفريقا بين كلمة المسلمين. فلما كان هذا حاله، وهذا مآله، أمر ربنا عز وجل بإيقافه، فقال جل في علاه: «لا تقم فيه أبدا». وجاء من السنة أن نبينا قال لأصحابه: «انطلقوا إلى ذلكم المسجد الظالم أهله، فاهدموه وحرقوه». كما جاء شهرته في السيرة. فأمر بهدمه، مسجد يهدم، لماذا، يا عباد الله؟ ليس العبر، يا عبد الله، بمناء المساجد، ليس العبر، يا عبد الله، بمناء الأجدار والسقف. العبر برسالته، العبر بمؤداء ما الذي يؤديه في المجتمع؟ ولنا عبر، إخواني في الله، بحالة المساجد في زمن رسول الله عليه الصلاة والسلام. ما الذي كان المسجد؟ المسجد كان عبارة عن كل شيء. المسجد في زمن رسول الله كان مدرسة، يتعلم فيه الصغار والكبار، والذكور والإناث. كان يلقى فيه التعليمات والتوجيهات الربانية النبوية. المسجد في زمن الصحابة كان عبارة عن مقر يبعث فيه نبينا القواد والبعوث، ويرسل الجنود والجيوش، ويرسل به الرايات. المسجد في عهد نبينا كان ملجأ يلتجئ إليه الضعفاء والمساكين والمحتاجين، ومن لا مأوى لهم، كفقراء المهاجرين من أصحاب الصفة. ما كان له مأوى إلا مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيه ينامون، وفيه يبيتون، ومنه يأكلون ويشربون. كان ملجأ. المساجد في زمن رسول الله عليه الصلاة والسلام، كان ملتقى يلتقي فيه أهل الإسلام، خمس مرات في اليوم والليلة، كل ينظر إلى أخيه، يتفقد أحواله، يتفقد أموره، كل يتحسس الآخر عن صحته، عن مرضه، عن أموره، عن غيابه. المسجد، إخواني في الله، كان في عهد رسول الله، كان عبارة عن محل يستقبل فيه نبينا الزوار والوضيوف والوفود، وتعقد فيه الاتفاقيات، وتبرم به العقود والعهود. المسجد في عهد نبينا، وفي عهد الصحابة، المسجد كان لأهل الإسلام كل شيء. أهل المسجد هم أهل الله، قال عليه الصلاة والسلام: «إن الله ينادي يوم القيامة: أين جيراني؟ أين جيراني؟» فتقول الملائكة: «يا رب، يا رب، ومن يجاورك؟ ومن يجاورك؟» فيقول الله: «أين عمار المساجد؟ أين عمار المساجد؟» هم أهل الله، وجيرانه. إخواني في الله، عباد الله، كما ذكرنا، المسجد له رسائل ينبغي أن يؤديها. ومن أعظم رسائل المسجد، أن يكون معلما من معالم التوحيد. المسجد رمز يدل على وحدانية الله جل في علاه. فأول ما دخل نبينا إلى الكعبة، إلى مسجد الله الحرام، ما الذي فعل؟ أسقط الأصنام، أبعد الأصنام، كانت تعد بالمئات، 360 صنما في المسجد الحرام حول الكعبة، فأزاحها نبينا عن بكرة أبيها، ما ترك منها شيئا. وكان يقول: «ظهر الحق، وزهق الباطل، إن الباطل كان زهوقا». لا بقاء للوثنية في بيوت الله أبدا. قال ربنا سبحانه وتعالى: «وأن المساجد لله، فلا تدعو مع الله أحدا». المساجد لله، فلا دعاء إلا لله، لا تدعو مع الله مد، ولا شريك، ما يكون أبدا. إخواني في الله، المساجد مقر وحدانية، هذا لا يكون أبدا في دين الله. قال عليه الصلاة والسلام: «لعنة الله على اليهود والنصارى، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد». عليهم لعنة الله، عندما اتخذوا هذه المساجد، اتخذوا عليها قبور، تعبد من دون الله عز وجل. لأنه لا يمكن المسجد، رمز الوحدانية، والقبور والأضرحة، رمز الوثنية، فلا يجتمعان. قال ابن القيم رحمه الله تعالى في زاد المعاد: «ولا يجتمع في دين الإسلام مسجد وقبر». ما يجتمعان، ما يجتمعان أبدا، بل يفترقان، الأبد يفترقان. فالمساجد، إخواني في الله، رمز لوحدانية الله. وهذا الذي ينبغي أن تبقى رسالته، تبقى رسالة ما تدعو لله، لا هناك شرك، ولا هناك ندية لله عز وجل. فكل رمز يظهر، رمز الشرك، يلغى، يمحى، يضرب من بيوت الله عز وجل. «وأن المساجد لله، فلا تدعو مع الله أحدا». كذلك، إخواني في الله، من رسالة المسجد، أنها تدعو إلى الطاعة والعبادة. المساجد معلم من معالم العبادة. فربنا عز وجل، في بيوت أذن الله أن تذكر، ويرفع فيها اسمه، يسبح له فيها بالغدو والآصال. فأخبر ربنا عز وجل أن هذه المساجد، إنما بنيت لذكر الله سبحانه وتعالى. فأخبر ربنا سبحانه وتعالى أن هذه المساجد، إخواني في الله، معلم من معالم العبودية لله، يأتي إليها العباد، يأتي إليها الزهاد. قال عليه الصلاة والسلام: «المسجد بيت كل تقي». فالأتقياء، الأنقياء، العباد، الزهاد، إنما محلهم، أنسهم، ووجدهم في بيوت الله. ومن أعظم العبادات التي ينبغي أن ينشغل بها العباد في بيوت الله، هي الحرص على صلاة الجماعة. وهذا الباب يطول، لكن اعلموا، إخواني في الله، أن الصلاة محلها أن تؤدى في بيوت الله. قال عليه الصلاة والسلام: «صلاة الرجل في مسجده، أو صلاة الرجل في جماعة، تضعف على صلاة في بيتي وسوقه، بخمس وعشرين درجة». ذلك بأنه إذا توضأ، فأحسن الوضوء، ثم خرج إلى المسجد، لم يخط خطوة، إلا رفع الله بها درجة، وحط عنه خطيئة. وإذا صلى، فإن الملائكة صلى على أحدكم، ما دام فيهم، «صلى اللهم اغفر له، اللهم ارحمه». وإنه في صلاة، من تضر الصلاة. فصلاة الجماعة، فالصلاة، إخواني في الله، محلها في بيوت الله، أن تؤدى جماعة. بسم الله، والصلاة والسلام على رسول الله، وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، فمواصل، إخواني في الله، لهذا المبحث الأخير من مباحث أهمية المساجد في الإسلام، ما يتعلق حول معرفة رسالة المسجد. فالمسجد، إخواني في الله، له دوره، وله رسالته، ينبغي أن يؤديه في المجتمع. فمن أعظم رسائله، أنه رمز لوحدانية الله سبحانه وتعالى. فمتى ما بنيت المساجد، كان دلالة على وحدانية الله. فلا يجوز، ولا ينبغي أن تبقى فيه مظهر من مظاهر الوثنية، ومن مظاهر الشرك. والفائدة الثانية، والرسالة الثانية للمساجد، أن تكون معلما، إخواني في الله، من معالم الطاعة والعبادة. فإنما أسست لأهل التقى. «المسجد بيت كل تقي». بها يأتي العباد، من أهل القيام، من أهل الصلاة، من أهل الاعتكاف، كل من أهل الذكر، من أهل قراءة القرآن. كل يدلي بدلوه، بتعبده لله في هذا المسجد المبارك. وإخواني في الله، من أعظم العبادات، كما سمعنا، صلاة الجماعة. للأسف، تجد أن بعض البلاد، بل أقول بعض الحارات، لربما المساجد قد بنيت بجوارها. وهذا من فضلي، ومن عظيم إنعام الله على أهلها، أن يكون بين يديهم مسجد بني، ومع ذلك تجد منهم التقاعس. الواحد منهم لربما يصلي في بيته، أو يصلي في غرفته، مع الصبيان والنساء. الصبيان والنساء يصلون في البيوت، أما الرجال، الفحول، صلاتهم في المسجد. فأنت ترضى بالدنية، تصلي، يا عبد الله، عند النساء والصبيان. وبعض الناس، إخواني في الله، ربما يأتي بحل وسط، يأتي بحل وسط. أقول: «أصلي هنا بعض الصلوات، المغرب في المسجد، العشاء في المسجد، أما الظهر والفجر في البيت، وأما العصر على حسب الشغل، على حسب العمل». لا، يا عبد الله، هذا ليس بهواك، وليس بمزاجك. أن تقسم الصلوات على حسب ما تريد. الصلوات الخمس، حظها، وحل محلها في بيوت الله سبحانه وتعالى. فكل من كان صحيحا، سليما، معافا، ما له من عذر، ينبغي، بل يجب، على القول الصحيح، بل يجب أن يأتي إلى بيوت الله. واعتبر، يا عبد الله، بقصة ذاك الأعمى. اعتبر، يا عبد الله، بقصة ذاك الأعمى، شكى إلى نبينا، ما يعتريه من علة، آفة. قال: «يا رسول الله، إني رجل أعمى، وليس هذا فحسب، وليس لي قائد يقودني، ما عندي أحد». يعني: تخيل، يا عبد الله، بهذا المرض. نسأل الله أن يعافي كل مسلم من كل آفة. تخيل لو أن الله ابتلاك بهذا المرض، وزيد على ذلك لو أن هناك أحد يجرك، يدلك، لهان الأمر. ما عنده أحد. قال: «إني رجل أعمى، وليس لي قائد يقودني، هل من رخصة؟» فقط أراد رخصة يصلي في بيته. لا شيء. فأرخص له نبينا. فلما ذهب الرجل، دعاه عليه الصلاة والسلام، قال: «هل تسمع النداء؟ تسمع حي على الصلاة، حي على الفلاح؟» قال: «نعم». قال: «فأجب». ما وجد له رخصة. فبالله عليك، يا عبد الله، إذا كان هذا الرجل بهذه المثابة، لا رخصة له في دين الله. فما ظنك، يا عبد الله، بمن آتاه الله سمعا، وبصرا، وقوة، وفحولة، وشبابا، وعضلات؟ أين تجعل هذا كله؟ في المباريات، في الدوريات، في التفحيط، في المغازلة والمعاكسة، في الجلوس في مقهى النت، ساعات الطوال، هكذا. أعطاك الله هذه النعم، لأن تعمر تلكم الأماكن والبقاع، ثم تتقاعس على خمس صلوات، تؤديها في بيوت الله، جماعة. يا عبد الله، هذه من صفات أهل النفاق. قال عليه الصلاة والسلام: «أثقل الصلاة على المنافقين، صلاة الفجر والعشاء». ولو يعلمون ما فيهما، لأتوهما، ولو حبوا. ولو حبو. فأخبرنا هذا، من أثقل الصلاة على أهل النفاق، صلاة الفجر والعشاء. بل ثبت في صحيح مسلم، قال ابن مسعود رضي الله تعالى عنه: قال: «ولو صليتم في بيوتكم، كما يصلي هذا المتخلف، لتركتم سنة نبيكم». ولئن تركتم سنة نبيكم، لضللتم. وما كان يتخلف عنها، أي: صلاة الجماعة، إلا منافق معلوم النفاق، إلا منافق معلوم النفاق. يا عبد الله، الحرص، الحرص، وخاص من حباه جل في علاه بمثل هذه المساجد القريبة من بيته، القريبة من دياره. لو ربما يعتريك عذر، هذا عذرك معك. لكن أن أمك تعتقد أنها لا تجب عليه، وأنك بالخيار، تصلي هنا، أو تصلي هنا. لا، يا عبد الله، أنت لست بالخيار، بل صلاة الجماعة واجبة. ومن أجلها بنيت المساجد. كذلك، المعلم الثالث، والرسالة الثالثة، إخواني في الله، التي ينبغي أن يؤديها المسجد، وهو الدعوة للسنة. المساجد ينبغي أن تكون نبراسا للسنة. ولا أدل على ذلك على ارتباط المساجد بالسنة، ارتباطا وثيقا، ما جاء في دعاء الدخول. كما ثبت من حديث أبي حميد، وأبي أسيد، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إذا دخل أحدكم المسجد، فليسلم على، وليقل: اللهم افتح لي أبواب رحمتك». فدخولك، يا عبد الله، دخول على السنة، على سنة المصطفى عليه الصلاة والسلام. كان نبينا في مسجده، في كل خطبة، في كل خطبة، يتكلم بأعلى صوته: «وإن شر الأمور، إن خير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وإن شر الأمور محدثاتها». هذه تربية لرواد المساجد، يلقنهم نبينا هذه العبارة في كل جمعة. «خير الهدي هديه صلى الله عليه وسلم، والمحدثات لا بقاء لها في بيوت الله». المحدثات، البدع، الزيادات، لا بقاء لها في بيوت الله. ثبت في الصحيح من حديث أنس، أنه عليه الصلاة والسلام دخل المسجد، فإذا بحبل ممدود. فسأل عن هذا الحبل، ما هذا الحبل؟ فقيل له: «إنه حبل زينب رضي الله تعالى عنها، تصلي الليل، فإذا فترت، تعلقت به». سبحان الله، همه همه في العبادة، امرأة نشاط في قيام الليل، ما تود أن تبقى في الأرض، فتصلي. إذا فترت، هذا الحبل، تتعلق به، يمسكها من الجلوس، فتصلي طول الليل، وهي قائمة. أمر طيب، لكن ليس من السنة. فما الذي فعل نبينا؟ قال: «لا، حلوه، حلوه، بمعنى: فكوه». قال: «وليصلي أحدكم نشاط، فإذا فتر، فليقعد». ليصلي أحدكم نشاط، فإذا فتر، فليقعد. هذا معنى ماذا؟ أن المساجد لا تبقى من مثل هذه الأشياء. ما ينبغي لأحد أن يحدث خلاف السنة. السنة، المساجد إنما تبقى على السنة. لكن أين الناس؟ وخاصة المبتدعة؟ أين هذا المعلم؟ المعلم الذي ينبغي أن يكون لبيوت الله، منارا، نبراسا للسنة. لكن إذا ابتليت المساجد عند غير أهلها، ما الذي سيفعل بها؟ سأل، يا عبد الله، عند مساجد المبتدعة، كيف مساجدهم؟ طبل يضرب، دفوف تضرب، الرؤوس تحرك، يتمايلون، ينشدون في المساجد. سبحان الله، هذا يفعل في بيت من بيوت الله. طبل، ودف، وتحريك، وتمايل، ما هكذا، ما بنيت المساجد. مثل هذه المسخرة، يا عباد الله، الواحد منا، والله ما يرضى، ما يرضى أن يفعل هذا في بيته. سل هؤلاء: «معنى فرقة، سندخل إلى الغرفة، إلى الصالة، درف، درف، طرب، ما يخاف الله، ما يخاف الله، ما هذا الزعاج، ما هذا البرع، برع». وتأتي إلى بيوت الله، عند الملائكة، الرحمن، تؤذيها بالطبل والدف، وتحرك الرأس، وتنادي: «هو، هو». ما هذا؟ هذا يفعل في بيوت الله. لكن هذه البلية، إذا سلمت المساجد، لا غير أهلها، يهان