القواعد والأصول الجامعة 15

الدرس في القواعد والأصول الجامعة 15، ألقاها

مفهوم الوجوب والاستطاعة في الشريعة الإسلامية

تنص القواعد الفقهية على أن الوجوب يتعلق بالاستطاعة، فلا واجب مع العجز، والاستطاعة هي قدرة المكلف على أداء الواجب. تنقسم الاستطاعة إلى شرعية وكونية، وتؤثر على واجبات المسلم.

تطبيقات قاعدة الوجوب والاستطاعة في العبادات والمباحات

الله لا يكلف الإنسان إلا بما يستطيعه، وتظهر تطبيقات هذه القاعدة في التيمم عند عدم وجود الماء، والصلاة حسب القدرة الجسدية، والحج لمن يستطيع إليه سبيلا، وإباحة الميتة للمضطر عند الضرورة.

ضوابط الضرورة التي تبيح المحظورات وتقديرها بقدرها

الضرورة تبيح المحظورات ولكن تقدر بقدرها، فالإباحة للمحرم تكون فقط بقدر ما تدفع به الضرورة. تشمل هذه القاعدة أصول عدم وجوب الفعل مع العجز وعدم تحريمه مع الضرورة.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال العلامة السعدي رحمه الله في كتابه «الأصول وقواعد الجامعة»: القاعدة الرابعة: الوجوب يتعلق بالاستطاعة، فلا واجب مع العجز، ولا محرم مع الضرورة. هذه القاعدة متفرعة عن قاعدتين: الأولى: الوجوب يتعلق بالاستطاعة، أو لا واجب مع العجز، أو مع عدم القدرة. والقاعدة الثانية: لا محرم مع الضرورة، والتي يعبر عنها العلماء: «الضرورات تبيح المحظورات». وهي فرع عن قاعدة عامة كلية كبرى، وهي: الضرر يزال. فقوله رحمه الله: «الوجوب يتعلق بالاستطاعة»، الوجوب: هو خطاب الله المتعلق بأفعال المكلفين، أو الموجه للمكلفين، يقال له: وجوب، ويقال له: إيجاب. وأما الذي يتعلق بفعل المكلف وأدائه للواجب، يسمى: واجب. والذي يتعلق به الاستطاعة هو الواجب. الآن عندنا: وجوب، وإيجاب، وواجب. فقول الله جل وعلا: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾، هذا الخطاب يقال: هذه الآية فيها إيجاب الصلاة، أو دليل على وجوب الصلاة. وفعل الصلاة بشروطها وأركانها، هذا يسمى: واجب. إذا صلى الإنسان الصلاة بشروطها وأركانها، يقال: هذا فعل واجب. فالواجب هو الذي يتعلق به الاستطاعة: هل يستطيع المكلف أن يفعل هذا الواجب أو لا يستطيع؟ وأطلق المؤلف رحمه الله هنا الوجوب على الواجب، من باب التوسع. وهذا يستعمله كثير من المصنفين في باب الأصول والقواعد، أنهم يطلقون الوجوب على الواجب. وقول: «يتعلق بالاستطاعة»، المراد بالاستطاعة: أي قدرة المكلف على الفعل، أن يكون هذا الواجب مما يستطيعه المكلف، وفي قدرته أن يفعله. فإذا كان في قدرته، فإنه يكون واجبًا عليه. وإن لم يكن في قدرته، فإنه لا يجب عليه. والمراد بالاستطاعة: أنه يستطيع أن يفعله. فإن كان يشق عليه فعله، فإنه يسقط عنه. أما إذا كان لا يستطيعه من أصله، فهذا لا يجب عليه، ولا يتعلق به الوجوب. فالوجوب يتعلق لمن كان عنده استطاعة. فإن كان يشق عليه فعل هذا الواجب، فيسقط عنه. وإن كان لا يشق عليه، وجب عليه أن يفعله. والاستطاعة عند أهل السنة على قسمين: استطاعة شرعية، واستطاعة كونية. الاستطاعة الكونية هذه يتكلم عليها أهل العقيدة، والاستطاعة الشرعية هي امتثال الأوامر والنواهي، وما يترتب عليها من ثواب وعقاب. وهذه يتكلم عليها أهل الفقه، وهي المراد في غالب استعمال الناس في ذكر الاستطاعة، يراد الاستطاعة الشرعية. فقوله: «الوجوب يتعلق بالاستطاعة»، يعني: الواجب يتعلق باستطاعة المكلف. إذا كان مستطيعًا، وفي قدرته أن يفعل هذا الواجب، وجب عليه. وإن كان غير مستطيع، ويشق عليه، فإنه لا يجب عليه. قال: «فلا واجب مع العجز»، لا واجب: هذا نفي لجنس الوجوب. فلا واجب مع العجز، إذا كان الإنسان عاجزًا عن فعل هذا الواجب، فلا يجب عليه. هذا إذا كان الواجب شيئًا واحدًا. وأما إن كان الواجب عبارة عن عدة أشياء، فإن الذي لا يستطيعه يسقط عنه، والذي يستطيعه يجب أن يفعله. مثلا صلاة الجماعة في المسجد، هذا واجب. إذا عجز عنه، يسقط عنه، ويصلي في بيته. طيب إذا كان الوجوب عبارة عن عدة أشياء، كالصلاة، كصلاة الفريضة، هي عبارة عن واجب يشتمل على أشياء متعددة. إنسان يعجز عن القيام، هل نقول: يسقط عنك الواجب بالكلية، فلا تصلي؟ الجواب: لا يسقط عنك هذا الجزء الذي تعجز عنه، وهو القيام، ويجب عليك أن تأتي بما في استطاعتك من بقية أجزاء هذه العبادة، تصلي جالسًا، وتأتي بقية الشروط والأركان. قال: «ولا محرم مع الضرورة»، أي: عند وجود الضرورة التي يكون في ترك فعل المحظور معها ضرر على الإنسان في نفسه، أو ماله، أو عرضه، أو غيرها من الضروريات الخمس، فحينئذ ما كان محرمًا عليه قبل حصول الضرورة، يكون حلالا له. فلا محرم مع الضرورة. وهذه كما سمعنا يعبر عنها العلماء بقولهم: «الضرورات تبيح المحظورات»، يعني تبيح الشيء المحظور والمحرم، فتبيحه الضرورة. لكن ينبغي أن تكون هذه الضرورة ماذا مما تبيح فعل المحظور؟ ولهذا ذكر العلماء رحمهم الله ضوابط في حد الضرورة التي تبيح المحظور. منها أولا: أن تكون الضرورة متحققة الوقوع، يعني قائمة موجودة، ليس شيء منتظر أن يقع، بل هي موجودة. والأمر الثاني: أن لا يكون هناك سبيل لدفع هذه الضرورة من الأمور المباحات، ليس عنده إلا هذا المحرم. والأمر الثالث من ضوابط الضرورة أيضًا: أن تكون الضرورة ملجئة، يعني تلجئ صاحبها إلى فعل المحظور بسبب حصول الضرر عليه في نفسه أو ماله إلى آخره مما يتعلق بالضروريات الخمس، حصول الضرر عليه في بعضها أو واحدة منها. والأمر الرابع: أن لا يكون فعله لهذا المحظور مخالفًا لمبادئ الشريعة، أن لا يكون مخالفًا لمبادئ الشريعة من حفظ حقوق الناس، أو من تضييع الأمانات، أو أيضًا كذلك ما يتعلق بالاعتقاد وحفظ العقيدة. والأمر الخامس: أن يقتصر من المحظور على القدر الذي تندفع به الضرورة. وهذا سيأتي معنى فيما سيذكره المؤلف رحمه الله من قول أهل العلم: «الضرورة تقدر بقدرها». قال المؤلف رحمه الله: قال الله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾، وثبت في الصحيح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم». فقول الله جل وعلا: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾، هذا الأمر من الله جل وعلا بتحقيق تقواه، وأن يفعل المسلم من أمر الله وما يحصل به تقوى الله على قدر استطاعته. فما لا يستطيعه لا يكلف به، ولا يلزم بفعله. وفي قوله عليه الصلاة والسلام: «إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم»، أي: تأتي من هذا الأمر على قدر استطاعتك. أمرك الله بالوضوء، ما تستطيع أن تتوضأ لمرض أو لعدم الماء، تتيمم. أمرك الله بالقيام في الصلاة، ما استطعت القيام، تصلي جالسًا. ما استطعت الجلوس، تصلي مضجعًا. وهكذا كما ذكرنا، إذا كان الأمر له عدة أجزاء، فما عجزت عنه تركته، وما كان باستطاعتك فعلته. قال: وقوله: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾، الشاهد قوله: ﴿مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾. فالله عز وجل أوجب على الناس حج البيت، لكن مقيد بالاستطاعة. من كان مستطيعًا، وجب عليه الحج. ومن لم يكن مستطيعًا، فإنه لا يجب عليه الحج. قال: وأباح الله الميتة ونحوها للمضطر. قال تعالى: ﴿وَمَا لَكُمْ أَلَّا تَأْكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾. قال: أباح الله الميتة ونحوها للمضطر، يعني عند الضرورة، إذا كان الإنسان أصابه جوع، وليس عنده طعام إلا هذه الميتة، إن لم يأكلها هلك، فإنه حينئذ تباح له، وتصير له حلالا. قال: وذكر قول الله جل وعلا: ﴿وَمَا لَكُمْ أَلَّا تَأْكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾، يعني: ما اضطررتم إليه من أمور المحرمات، فإنه لا يحرم عليكم. ومثله قول الله جل وعلا: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾، وقوله جل وعلا: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾. فإذا اضطر الإنسان إلى أكل الميتة، صارت الميتة له حلالا، وتصير له طاهرة. يعني إذا حلت له، صارت طاهرة. وعند تحريمها، فهي نجسة. وعند حلها تكون طاهرة. والله جل وعلا يحكم بما شاء وبما أراد سبحانه وتعالى. لكن إذا أراد أن يأكل من الميتة أو غيرها من المحرمات عند الضرورة، لابد أن لا يكون باغ ولا معتدي، غير باغ ولا عاد. باغ يعني: مشتهي للحرام، مشتهي للحرام، طالب إلى استعمال هذا الحرام. ولا عاد يعني: متجاوز حد الضرورة، متجاوز حد الضرورة، بل يأخذ من هذه الميتة ما تندفع به الضرورة. قال: «والضرورة تقدر بقدرها»، يعني كما سمعنا، يأكل من المحرم بقدر ما تندفع به الضرورة، لأن هذا المحرم ما أبيح له وحل له إلا لدفع الضرورة، فإذا اندفعت، واجب عليه أن يكف. قال: وهذه القاعدة تضمنت أصلين، كما ذكره في الأصل. تضمنت أصلين فيما فهو: لا واجب مع العجز، ولا محرم مع الضرورة. صلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

شاركنا على