الدرس في القواعد والأصول الجامعة 70، ألقاها
إذا اجتمعت عبادتان من جنس واحد وكان المقصود واحدا، تداخلت أفعالهما واكتفي عنهما بفعل واحد. يمكن تطبيق ذلك في حالات مثل الجمع بين تحية المسجد وسنة الراتبة بنية واحدة.
يمكن اجتماع أكثر من عبادة بعمل واحد، ويحصل الفرد على الأجر على الجميع. كما يمكن تداخل ما له سبب، مثل الوضوء عن حدثين والغسل عن الجنابة والجمعة.
هناك اختلاف في حكم تعدد الكفارة بتعدد اليمين بين العلماء، حيث يرى شيخ الإسلام ابن تيمية أنها تتعدد بتعدد المحلوف عليه، بينما يرى الحنابلة أنه تلزم كفارة واحدة.
الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشهر الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال ابن السعد رحمه الله في كتاب القواعد والرسول الجامعة: القاعدة الحادية والأربعون: إذا اجتمعت عبادتان من جنس واحد تداخلت أفعالهما، واكتفي عنهما بفعل واحد إذا كان المقصود واحدا. هذه القاعدة: إذا اجتمعت عبادتان، أو كذلك أيضا عملان، ولو كان من غير العبادات، كالجنايات والحدود والكفارات، إذا كانت من جنس واحد تداخلت أفعالهما، واكتفي عنهما بفعل واحد، يعني يفعل فعلا واحدا عن كلا العملين، وعن كلا العبادتين إذا كان المقصود واحدا. إذا كان المقصود واحدا، وكذلك أيضا ألا يكون كلا العملين مقصودا لذاته، فإن كان أحدهما مقصودا لذاته والآخر غير مقصود لذاته، فحينئذ يجتمعان. وأما إن كان كلاهما مقصودا لذاته، فحينئذ لا يمكن اجتماعهما. فما يمكن اجتماعه سيأتي ذكر شيء من ذلك، بما سيذكره المؤلف رحمه الله. وأما ما لا يمكن اجتماعهما: إذا كان كل واحد منهما مقصودا لذاته، كمثلا صلاة الظهر والعصر. لو أن إنسان نام عن صلاة الظهر واستيقظ في العصر، هل يجزئ أن يصلي صلاة واحدة عن الظهر والعصر؟ يصلي أربع ركعات تكفي عن الظهر وتكفي عن العصر؟ الجواب: لا، لا بد أن يصلي أربعا بنية الظهر، ثم يصلي أربعا بنية العصر؛ لأن كلا العبادتين مقصودا لذاتها. قالوا: هذا من نعمة الله وتيسيره أن العمل الواحد يقوم مقام أعمال. فمن دخل المسجد وقت حضور الراتبة، فصلى ركعتين ينوي بهم الراتبة -يعني السنة الراتبة- وتحية المسجد، حصل له فضلهما. دخل الإنسان المسجد في وقت صلاة الراتبة، مثلا دخل بعد أذان الظهر وقبل صلاة الظهر، فأراد أن يصلي ركعتين تحية المسجد، وهي في نفس الوقت سنة راتبة قبل الظهر، فهل يكفي أن يصلي ركعتين بنية تحية المسجد ونية السنة الراتبة؟ الجواب: نعم. فهذه عبادتان من جنس واحد، والسنة تحية المسجد غير مقصودة لذاتها، فحينئذ لا بأس أن يجمع بينها وبين السنة الراتبة، فيصلي ركعتين بنية تحية المسجد ونية السنة الراتبة، ويحصل له الفضل والأجر على كلا العملين. قال: وكذلك لو اجتمعت معهما، أو مع أحدهما، سنة الوضوء أو صلاة الاستخارة، أو غيرها من ذوات الأسباب. يعني كذلك لا بأس لو جمع كذلك نية ثالثة مع تحية المسجد وسنة الراتبة، كذلك ينوي بها سنة الوضوء. توضأ قبل أن يركع، ثم صلى ركعتين بنية تحية المسجد، ونية سنة الوضوء، ونية السنة الراتبة، هل يصح هذا؟ الجواب: نعم يصح. وكذلك أيضا لو نوى كذلك أن تكون هاتين الركعتين صلاة استخارة أيضا، يصح. يصلي ركعتين ثم يدعو في آخر الصلاة أو بعد الصلاة؛ لأن صلاة الاستخارة غير مقصودة لذاتها. فالمقصود أن يصلي ركعتين ثم يدعو. النبي صلى الله عليه وسلم قال: «فليصلي ركعتين من غير الفريضة، ثم ليقل»، أي ركعتين. إذن يمكن هنا اجتماع أكثر من عبادة بعمل واحد، ويحصل له الأجر على الجميع. قال: أو غيرها من ذوات الأسباب، يعني الصلاة التي لها سبب، كتحية المسجد وسنة الوضوء. طيب، هذه الصلوات لها سبب يمكن اجتماعها وتداخلها بعمل واحد. وهكذا أيضا تداخل ما له سبب، كالحدث، مثلا إذا أحدث بأكل لحم الإبل وبخروج شيء من السبيلين، فإنه يتوضأ وضوءا واحدا عن كلا الحدثين، ويكفي هذا ويجزأ عنهما. وهكذا أيضا في الغسل، إذا اقتسل غسلا واحدا عن الجنابة وعن الجمعة، كذلك أجزأ؛ لأن غسل الجمعة ليس مقصودا لذاته، وإنما المقصود أنه لا يذهب حتى يغتسل. وهكذا أيضا لو اغتسلت المرأة غسلا واحدا للحيض وللجنابة، فإنه يجزأ. وهكذا أيضا غسل الجمعة والعيد إذا صادف العيد يوم جمعة، فاغتسل غسلا واحدا لهما أجزأ ذلك. قالوا: ومن حلف عدة أيمان على شيء واحد، وحنث فيه، وحنث فيه عدة مرات قبل التكفير، أجزأه كفارة واحدة عن الجميع. إذا حلف عدة أيمان على شيء واحد: والله لا أدخل بيت فلان، والله لا أدخل بيت فلان، والله لا أدخل بيت فلان، هذه الآن ثلاثة أيمان في شيء واحد، فهل يلزمه على كل يمين منها كفارة إذا حنث، أو تتداخل كلها وتلزمه كفارة واحدة؟ قال: وحنث فيه عدة مرات قبل التكفير، أجزأه كفارة واحدة عن الجميع. يعني حلف فدخل، ثم حلف مرة أخرى ودخل، حلف ودخل، واليمين واحدة، يعني متكررة، لكن فعل واحد على أمر واحد. فهل تلزمه كفارة واحدة؟ يكفر كفارة واحدة عن جميع هذه الأيمان الثلاثة؛ لأن الفعل الذي فعله واحد. لكن إذا حلف فدخل، ثم كفر، والله لا أدخل بيت فلان، ثم دخل فكفر عن يمينه، ثم حلف مرة أخرى نفس اليمين، والله لا أدخل بيت فلان، فهنا عليه كفارة ثانية؛ لأنه قد كفر عن الأولى. بخلاف إذا لم يكفر، فإنه تلزمه كفارة واحدة. قال: فإن كان الحلف على شيئين فأكثر، وحنث في الجميع، فكذلك على المشهور من المذهب. إن كان الحلف على شيئين فأكثر، وحنث في الجميع، قال: قال فكذلك على المشهور من المذهب، يعني المذهب الحنابلة: أنه لا تلزمه إلا كفارة واحدة. وهذا له صورتان: الصورة الأولى أن تكون اليمين واحدة، والأشياء متعددة، مثلا: والله لا أكلم فلان، ولا أكل طعامه، ولا أدخل بيته. هذه الآن يمين واحدة على أشياء متعددة، فإذا حنث فكلمه، أو دخل بيته، أو أكل طعامه، هل تلزمه ثلاث كفارات، أو تلزمه كفارة واحدة؟ فالمشهور عند الحنابلة أنه تلزمه كفارة واحدة. والصورة الثانية أن تتعدد الأيمان مع تعدد المحلوف عليه، فيقول: والله لا أكلم فلان، والله لا أدخل بيت فلان، والله لا أكل طعام فلان. هنا تعددت الأيمان، والمحلوف عليه كذلك متعدد، وحنث في الجميع، وحنث في الجميع قبل أن يكفر، قبل أن يكفر. يعني كلمه، ثم دخل بيته قبل أن يكفر، ثم أكل طعامه قبل أن يكفر، فعند الحنابلة لا يجب عليه إلا كفارة واحدة. قال: واختار الشيخ تقي الدين في هذه المسألة الأخيرة أن الكفارة تتعدد بتعدد المحلوف عليه. أي شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله ذهب إلى أنه إذا تعدد المحلوف عليه، فإنها تتعدد الكفارات، فيكون لكل محلوف عليه كفارة. وخالف رحمه الله في هذا المذهب. فإذا حنث في إحدى الصورتين، سواء الأولى أو الثانية، فإنه يلزمه -إذا حنث في الجميع- ثلاث كفارات، تلزمه ثلاث كفارات. وهذا الأظهر، والله أعلم: أنه تلزمه ثلاث كفارات؛ لأن لكل يمين مستقلة تعتبر لها حكم مستقلة عن الأخرى، والأشياء التي حلف عليها متعددة، فتكون لكل يمين كفارة. لكل يمين كفارة، إلا أن في الصورة الأولى يحتمل أنه يكتفي بكفارة واحدة. في قوله: والله لا أدخل بيت فلان، ولا أكلم فلان، ولا أكل طعام فلان، هذا يمين واحدة في أشياء متعددة، فإذا حنث في واحدة منها وجبت عليه الكفارة. إذا حنث في واحدة منها وجب عليه الكفارة، ففي هذه الصورة -يعني- الأظهر أنه يجب عليه كفارة واحدة فقط. لكن إذا تعددت الأيمان وتعدد المحلوف عليه، فإنه يلزمه في كل واحدة منها كفارة. قال: وأما إذا كانت الكفارات متباين مقاصدها، ككفارة ظهار، ويمين بالله، وأولى الوطي في نهار رمضان، وجب عليه كفارات لكل واحدة منها. إذا كانت الكفارات متباين مقاصدها، يعني مختلفة، ما يمكن اجتماعها، ككفارة ظهار، إذا ظهر رجل من امرأته، قال: أنت علي كظهر أمي، هنا وجب عليه الكفارة المغلظة: عتق رقبة، فإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين، فإن لم يستطع فإطعام ستين مسكينا. ويمين بالله كفارتها إطعام عشرة مساكين، أو كسوتهم، أو تحرير رقبة، فإن لم يستطع فصيام ثلاثة أيام. أو كذلك أيضا للوطئ في نهار رمضان، كذلك كفارتها ككفارة الظهار، لكن السبب مختلف. فهنا تباينت واختلفت هذه الكفارات وأسبابها، فهنا لا يمكن أن تجتمع، بل تجب عليه لكل واحدة منها كفارة مستقلة. تجب عليه لكل واحدة منها كفارة مستقلة.