الدرس في القواعد والأصول الجامعة 68، ألقاها
لا يجوز تقديم العبادة قبل سبب وجوبها، مثل الصلاة قبل دخول وقتها. بينما يجوز تقديمها بعد وجود السبب وقبل تحقق شرط الوجوب مثل صلاة الصبي قبل بلوغه بعد دخول وقت الصلاة.
العبادات تتكرر بتكرر أسبابها، مثل الصلوات الخمس وصيام رمضان. لا تصح العبادة قبل وجود سبب وجوبها، لكنها تصح لو وجد سبب الوجوب وإن لم يوجد شرط الوجوب.
يجوز تقديم الكفارة قبل الحنث في اليمين والنذر بعد الحلف أو النذر. يُشرع لمن حلف على يمين ثم رأى غيرها خيرًا منها أن يكفر عن يمينه ثم يأتي الذي هو خير.
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال الإمام السعدي رحمه الله في كتاب «القواعد والفوائد الأصولية ومما يتبعها من الأحكام الفقهية» القاعدة التاسعة والثلاثون: لا يجوز تقديم العبادة على سبب الوجوب، ويجوز تقديمها بعد وجود السبب وقبل شرط الوجوب وتحققه. يقول: لا يجوز تقديم العبادة على سبب الوجوب، السبب الوجوب، أي السبب الذي به يكون هذا الشيء واجبًا، فمثلًا الصلوات الخمس وجوبها متعلق بأسباب، إذا وجدت وجب فعلها، إذا وجدت هذه الأسباب وجب فعلها، وإن لم توجد فإنه لا يجوز فعلها قبل سببها. فمثلًا صلاة الفجر سببها طلوع الفجر الصادق، فلو أراد إنسان أن يصلي قبل طلوع الفجر الصادق، هل يقبل هذا منه؟ الجواب: لا، ولو صلى فصلاته باطلة؛ لأنه أدى العبادة قبل سبب الوجوب. وهكذا مثلًا صلاة الظهر سببها زوال الشمس، فإذا أراد أن يصلي قبل الزوال لم تصح صلاته ولم تقبل؛ لأنه أراد فعل العبادة قبل سبب الوجوب. وهكذا قل في صلاة العصر والمغرب والعشاء. قال: ويجوز تقديمها بعد وجود السبب وقبل شرط الوجوب وتحققه، شرط الوجوب هو يعني ما يتعلق بالتكليف كالبلوغ، فالإنسان أو الصبي لا تجب عليه الصلاة إلا إذا بلغ، فإذا أراد أن يصلي قبل البلوغ، هل تصح صلاته؟ أن نقول: إذا صلى بعد سبب الوجوب، فإن صلاته تصح وإن كانت صلاته قبل شرط الوجوب؛ لأن شرط الوجوب هو البلوغ، فهو كونه يصلي قبل البلوغ هذا يقبل منه إذا كانت الصلاة قد بعد سبب الوجوب، يعني دخل وقت الزوال، فأراد الصبي أن يصلي ولم يبلغ بعد، هل تصح منه الصلاة؟ الجواب: نعم تصح منه الصلاة؛ لماذا؟ لأن سبب الوجوب قد وجد، وإن كان قد تخلف شرط الوجوب بالنسبة له وهو البلوغ، لكن يصح منه فعل العبادة قبل شرط الوجوب وبعد سبب الوجوب. قال: وذلك أن الله جعل للعبادات أوقاتًا تجب بوجودها، يعني إذا وجدت هذه الأسباب أسباب العبادات وجدت هذه العبادات، وإذا لم توجد هذه الأسباب لم توجد هذه العبادات. قال: وتكرر بتكرارها، يعني تكرر العبادات بتكرار هذه الأسباب، قال: كأوقات الصلوات الخمس، الصلوات الخمس تتكرر بتكرر أسبابها، كلما طلع الفجر الصادق وجب صلاة الفجر، وكلما زالت الشمس وجب صلاة الظهر، وكلما صار ظل كل شيء مثله وجب صلاة العصر، وكلما غربت الشمس وجب صلاة المغرب، وكلما غاب الشفق الأحمر وجب صلاة العشاء، وهكذا تتكرر بتكرر أسبابها. قال: ورمضان كذلك أيضًا، كلما انتهى شعبان أو كملت عدة شعبان ثلاثين يومًا وجب صيام رمضان، أو رؤية الهلال في رؤية التاسع والعشرين من شعبان وجب صيام رمضان، وهذا يتكرر في كل سنة؛ لماذا؟ لأن سبب الوجوب قد وجد، وهو إكمال عدة شعبان ثلاثين يومًا أو رؤية هلال رمضان. قالوا: أوقات الحج كذلك، كلما تكرر مجيء أوقات الحج تكرر فيه فعل عبادة الحج. قال: فلو فعلت هذه قبل دخول وقتها لم تصح، لو أراد إنسان أن يصوم رمضان في شعبان، هل يصح هذا منه؟ يقول: أن سأصوم رمضان قبل شعبان بيومين أو ثلاثة أيام، هل يصح هذا؟ لا يصح؛ لماذا؟ لأن سبب الوجوب ما جاء، سبب وجوب صيام رمضان لم يأتِ، فكونه يقدم العبادة قبل سبب وجوبها لا يصح. لكن لو أراد صبي أن يصوم بعد دخول رمضان، هل يصح منه؟ الجواب: نعم يصح، يصح منه وإن لم يوجد شرط الوجوب وهو البلوغ؛ لكن يصح منه؛ لأن سبب الوجوب قد وجد. وهكذا كذلك في الحج، إذا أراد أن يحج في شوال، هل يصح منه هذا؟ أو أراد أن يحج في ذي القعدة، ما صح منه، لا بد أن يكون الحج في ذي الحجة، إذا لو أراد فعل هذه العبادة قبل سبب الوجوب لم يصح منه، لكن لو وجد سبب الوجوب ولم يوجد شرط الوجوب، كصبي أراد أن يحج، هل يصح حجه؟ الجواب: نعم يصح؛ لماذا؟ لأن سبب الوجوب قد وجد، ولا يشترط توفر شرط الوجوب. قال: ومن حلف جاز له أن يقدم الكفارة قبل الحنث، ولا يجوز تقديمها قبل الحلف، وكذلك النذر، من حلف جاز له أن يقدم الكفارة قبل الحنث، لو قال: والله لا أكلم فلانًا، ثم بدا له أن يكلمه، وأن هذا خير وأفضل، جاز له أن يكفر ثم يكلمه، يجوز أن يكفر ثم يكلمه، يعني أولًا يفعل الكفارة ثم يكلمه ويحنث، ويجوز أن يكلمه فيحنث ثم يكفر كفارة اليمين، كلا الأمرين جائز، لكن متى؟ بعد الحلف؛ لأن سبب الكفارة هو الحلف، سبب الكفارة هو الحلف، فلا يجوز له أن يكفر قبل أن يحلف، كما أنه لا يجوز له أن يصلي قبل دخول وقت الصلاة، كذلك لا يجوز أن يكفر قبل أن يحلف. لو قال شخص: أنا سأكفر اليوم ثم أحلف غدًا وأحنث اليوم، سأطعم عشر مساكين، ثم غدًا أحلف وأحنث في هذه اليمين، هل هذا يجزئه؟ الجواب: لا، نقول: إن فعلت هذا، فهذا الإطعام الذي أطعمته من يمينك وإلا صدقة، ليس بكفارة يمين؛ لماذا؟ لأن سبب الوجوب لم يأتِ؛ لأنك لم تحلف أصلا، سبب وجوب الكفارة هو الحلف واليمين وأنت لم تحلف، فكيف تكفر قبل وجود السبب؟ لكن بعد الحلف يجوز أن تقدم الكفارة؛ لماذا؟ لأن سبب الوجوب قد وجد، وإن لم يوجد شرط الوجوب وهو الحنث، شرط الوجوب هو الحنث، فكونك تكفر قبل أن تحنث هذا جائز؛ لأن سبب الوجوب قد وجد. والنبي عليه الصلاة والسلام قال: ﴿مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ فَرَأَى غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا فَلْيُكَفِّرْ عَنْ يَمِينِهِ وَلْيَأْتِ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ﴾ فأجاز النبي صلى الله عليه وسلم تقديم الكفارة بعد الحلف، وقال في رواية أخرى: ﴿فَلْيَأْتِ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ وَلْيُكَفِّرْ عَنْ يَمِينِهِ﴾. وهكذا أيضًا في النذر كذلك في النذر، لو نذر النذر طاعة ثم عجز عنه وأراد أن يكفر، نقول: يجوز لك أن تكفر، وكفارة النذر كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: كفارة يمين، كفارة النذر كفارة يمين، فيكفر بعد النذر، لكن لو أراد أن يكفر قبل أن ينذر لا يصح منه؛ لأن سبب الوجوب لم يوجد، وهو النذر، أولًا ينذر ثم بعد ذلك إذا أراد أن يترك هذا النذر فيكفر كفارة يمين، فتكون الكفارة بعد النذر وبعد الحلف، أي بعد وجود سبب الوجوب، ولا يكون قبل وجود السبب، فمثل هذا لا يصح ولا يقبل، هذا معنى هذه القاعدة: لا يجوز تقديم العبادة على سبب الوجوب، ويجوز تقديمها بعد وجود السبب وقبل شرط الوجوب وتحققه. صلى الله عليه وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.