التعليق على كتاب التوحيد 107

الدرس في التعليق على كتاب التوحيد 107، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة

تفسير قول الشيخ محمد بن عبد الوهاب: لا يسأل بوجه الله إلا الجنة

يشرح المقطع قول الشيخ محمد بن عبد الوهاب في بابه "لا يسأل بوجه الله إلا الجنة" مبيناً قولين: الأول أن لا يُسأل المخلوقون بوجه الله لشيء لأنهم لا يملكون الجنة، والثاني أن السؤال بوجه الله لا يكون إلا للجنة أو ما يستلزم دخولها كغفران الذنوب والنجاة من النار. وينقل عن الألباني توسيع المعنى إلى أن السؤال بوجه الله يختص بأمور الدين والآخرة دون الدنيا.

ضوابط السؤال بوجه الله العظيم واستثناؤه

الرأي الثاني يقصر السؤال بوجه الله على الجنة وأمور الدين والآخرة، ويمنع السؤال به لأمور الدنيا الحقيرة لعظمة وجه الله. ورغم ضعف حديث «لا يسأل بوجه الله إلا الجنة»، فإن الحكم ثابت بأحاديث أخرى تلعن من سأل بوجه الله لأمور تافهة، بينما تستثنى الاستعاذة بوجه الله من العظائم كعذاب الاستئصال كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم عند نزول آية الأنعام.

أحكام السؤال بوجه الله وإثبات صفة الوجه

يناقش المقطع حديث "ملعون من سأل الله بوجه الله" مبيناً الفرق بين النهي عن السؤال بوجه الله ووجوب إجابة من سُئل به، ويستعرض أقوال العلماء في قصر السؤال بوجه الله على المطالب العظيمة أو الجنة. كما يستدل المقطع على إثبات صفة الوجه لله عز وجل بالآيات القرآنية والأحاديث الصحيحة الأخرى غير الحديث المذكور.

الإيمان بوجه الله تعالى ومنهج أهل السنة في الصفات

يؤكد المقطع على وجوب إثبات وجه الله تعالى يليق بجلاله دون تمثيل ولا تحريف ولا تعطيل ولا تكييف. ويختتم الدرس القصير على أن يكمل في دروس قادمة.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ونعلاه. أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. وبعد، قال الشيخ المجدد العلامة محمد بن عبد الوهاب النجدي رحمه الله تعالى: "باب: لا يسأل بوجه الله إلا الجنة". ومعنى قوله: "لا يسأل بوجه الله إلا الجنة"، يريد بهذا أن المراد بهذا أمران اثنان. إنه جاء في معنى هذا قولان: الأول: لا يسأل أحد من المخلوقين بوجه الله؛ فإن الخلق لا يقدرون على إعطاء الجنة. فالمعنى: لا يسأل بوجه الله إلا الجنة، يعني: لا يسأل أحد من الخلق بوجه الله إلا الجنة، والجنة لا تطلب إلا من الله. يعني معنى هذا: لا تأتي عند أحد من المخلوقين وتقول له: أسألك، أسألك، وتقول له: أسألك بوجه الله أن تعطيني كذا وكذا. لا يسأل أحد من المخلوقين بوجه الله؛ لأن الخلق ليس عندهم الجنة، فلا يسأل بوجه الله إلا الجنة، والجنة ليست عند المخلوقين حتى تسألهم بوجه الله. واضح؟ هذا القول الأول: لا يسأل أي حاجة بوجه الله الخلق. طيب، إلا سألت؟ لأن الخلق يعني... بوجه الله يعني أي حاجة، أي حاجة ما يجوز على هذا القول. آه، على هذا القول سيأتي التفصيل به. والقول الثاني: لا يسأل بوجه الله إلا الجنة، يعني: إذا سألت الله الجنة، يعني بمعنى: إذا سألت الله بوجهه لا تسأله إلا الجنة، أو ما يستلزم دخولها. ومعنى ما يستلزم دخولها: يعني مثلاً تسأل بوجه الله غفران الذنوب، غفران الذنوب يستلزم دخول الجنة، صح؟ أو مثلاً تسأل بوجه الله أن يعيدك من النار، فإعادتك من النار سبب لدخولك الجنة، صح؟ فالمعنى: أنك إذا سألت الله... إذا سألت الله... إذا سألت الله بوجهه فلا تسأله إلا الجنة وما يستلزم دخولها. والشيخ الألباني رحمه الله يعني أتى بعبارة أوسع من هذا، فقال: إذا سألت بوجه الله لا تسأل إلا ما يخص الدين والآخرة، أما ما يخص الدنيا فلا تسأل بوجه الله، لا تسأل بوجه الله. فهمتم هذا الآن؟ فهذا معنى قوله: "لا يسأل بوجه الله... لا يسأل بوجه الله إلا الجنة". والمخلوق ليس عنده الجنة، صح؟ المخلوق ليست عنده الجنة، فكيف أنت تسأله بوجه الله شيئًا لا يملكه؟ والقول الثاني: إذا سألت الله بوجهه فلا تسأله إلا الجنة وما يستلزمها، أو ما يخص أمر الدين والآخرة، أما أمر الدنيا وحطام الدنيا فلا تسأل بوجه الله، لا تقول: أسألك مثلاً بوجه الله أن تعطيني مالاً أو جاهًا أو رئاسة أو نحو ذلك. ما هي العلة؟ لأن وجه الله عظيم، فلا يسأل بهذا العظيم أمرًا حقيرًا، حقيرًا. لا يسأل بوجه الله العظيم أمر حقير، فلذلك جاء النهي عن ذلك. قال: عن جابر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يسأل بوجه الله إلا الجنة». رواه أبو داود. هذا الحديث حديث ضعيف، لا يثبت عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. ضعفه الشيخ الألباني رحمه الله تعالى في "مشكاة المصابيح" برقم أربعة وأربعين وتسعمائة وألف (4944). طيب، قد يقول قائل: إذن، طالما أن الحديث ضعيف، إذن سقط حكم هذه المسألة، سقط حكم هذه المسألة؟ فأنت بنيت، أو المؤلف بنى هذا الحكم وهو "لا يسأل بوجه الله إلا الجنة" على هذا الحديث، صح؟ وأنت تقول أنه ضعيف، وهذا الحديث في أمر العقائد، فكيف بنيت عليه هذه المسألة؟ فيقال: نعم، الحديث ضعيف، لكن المسألة ثابتة بأحاديث أخرى. فمن تلك الأحاديث: أحاديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنهم، وهذا الحديث رواه الطبراني وحسنه العلامة الألباني عليه رحمة الله، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ملعون من سأل الله بوجه الله، وملعون من سئل بوجه الله ثم منع سائله، وملعون من سئل بوجه الله ثم منع سائله». فالشاهد من هذا: «ملعون من سأل الله بوجه الله». فهذا يحمل على الأشياء الحقيرة. لأن معنى حديث: أن النبي عليه الصلاة والسلام استعاذ بوجه الله، والاستعاذة هي سؤال في الحقيقة، عند نزول قوله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا﴾ [الأنعام: 65]. فلما قرأ أول هذه الآية: ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ﴾، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «أعوذ بوجهك». هذا ثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأن العذاب... العذاب أمر عظيم. ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ﴾، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «أعوذ بوجهك». ﴿أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا﴾، قال: «هذه أيسر وأسهل»، أو كما قال عليه الصلاة والسلام. فذلك على أنه يجوز الاستعاذة بوجه الله في الأمور العظيمة من أمور الدين والآخرة، من أمور الدين والآخرة. ولذلك قال: «ملعون من سأل الله بوجه الله، وملعون من سئل بوجه الله ثم منع سائله». فإذن هذا يدل على أن للحديث شواهد تدل على معناه، وإن كان لفظه لا يثبت عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. قال: فيه مسائل. شكيّف هذا الأخير؟ على الله عدم العون من سئل بوجه الله، أما منع سائله... هذا يدل على أن الخلق يسأل بوجه الله؟ هذا يدل على أن المخلوق يسأل بوجه الله؟ لا، ما فيه ذلك. فيه الاستجابة. فرق بين أن تجيب من سأل بوجه الله، وبين أن نهي عن السؤال بوجه الله. فرق بين الأمرين، صح؟ يعني الآن مثلًا: النذر أصله لا يجوز، صح؟ لكن الوفاء به واجب على قول، صح؟ أنه ما يجوز به الله، ما يجوز، خصوصًا النذر المعلق أو المقيد بشرط، تمام؟ فهذا مثله، هذا على قول. طيب، وقلنا أن قوله: "لا يسأل بوجه الله إلا الجنة"، يعني ورد فيه قولان. فبعضهم أخذ بالقول الأول والثاني، كالشيخ العثيمين، قال: ويحتمل أن الحديث إن صح يشمل الأمرين. ومنهم من قال: لا يمكن أن تسأل المخلوق بوجه الله، مع أنه لا يسأل بوجه الله إلا الجنة، لكن من ناحية الجواز يجوز، لكن يعني... ماذا يجوز ذلك؟ ولكن يحمل على الكراهة، يحمل على الكراهة. قال في مسائل: الأولى: النهي عن أن يسأل بوجه الله إلا غاية المطالب. ومعنى غاية المطالب: يعني المطالب الكبيرة العظيمة. لا يسأل بوجه الله أي مطلب، لا يسأل بوجه الله أي مطلب، وإنما المطالب العالية، المطالب الكبيرة العظيمة؛ لأن الله عظيم ووجهه عظيم، فلا يسأل به إلا الشيء العظيم. وهذا هو المعنى، وهذا مناسبة ذكر هذا الباب في كتاب ماذا؟ التوحيد. قال الثاني: إثبات صفة الوجه. أنه قال: "لا يسأل بوجه الله"، وصفة الوجه ثبتت بالكتاب والسنة. أما بالكتاب: فقوله تعالى: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ [الرحمن: 27]، ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ [القصص: 88]، وغيرها من الآيات الكثيرة المتكاثرة التي فيها إثبات صفة الوجه لله سبحانه وتعالى. وكذلك في السنة: «أعوذ بوجهك الكريم»، وجاء في هذا الحديث لكنه لا يصح. القائل: هذا الحديث نقول ما يصح، كيف تثبتون به صفة الوجه؟ نقول: لا، ما أثبتنا صفة الوجه بهذا الحديث فقط، وإنما وردت أحاديث صحيحة أخرى، مثل حديث الطبراني: «من سأل الله بوجه الله، ملعون من سأل الله بوجه الله». إذن فيه إثبات الوجه لله عز وجل. لكن وجه يليق بجلاله، لا نمثل ولا نحرف ولا نعطل ولا نكيف. وجه يليق بجلاله وعظيمه وعظيم سلطانه سبحانه وتعالى. طيب، نكتفي بهذا. هذا الباب قصير، ولكن إن شاء الله نكتفي بهذا في هذا اليوم، ونكمل ما بقي إن شاء الله في دروس قادمة. فيه شكرا.