كتاب الصوم وأسراره ومهماته 2

الدرس في كتاب الصوم وأسراره ومهماته 2، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة

سنن الصوم: الجود والصدقة وفعل المعروف في رمضان

يستحب في رمضان الإكثار من الجود والصدقة وإفطار الصائمين اقتداءً بالنبي صلى الله عليه وسلم. وتعد هذه الأعمال من أبواب الخير التي يتضاعف أجرها في هذا الشهر الفضيل.

فضل مدارسة القرآن في رمضان وأحكام التلقي

تشرع مدارسة القرآن بين اثنين أو أكثر للتصحيح والتجويد كما فعل جبريل مع النبي ﷺ. ولا يُتقن القرآن إلا بالتلقي عن متقن مع العناية بتلاوته وتدبره والعمل به.

العمل بالقرآن واعتكاف العشر الأواخر وإحياء الليل

يؤكد المقطع على أهمية العمل بالقرآن لا مجرد تلاوته، ويستعرض سنة الاعتكاف في العشر الأواخر. ويبين معاني شد المئزر وإحياء الليل وإيقاظ الأهل لطلب ليلة القدر.

خاتمة الدرس والدعاء الختامي

يختتم المتحدث الدرس بالاكتفاء بما ذُكر من سنن وآداب، ويصلي ويسلم على النبي محمد وآله وصحبه. ويختم بحمد الله رب العالمين مع الإشارة إلى إعداد الترجمة.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. وبعد: قال الحافظ عبد الغني المقدسي رحمه الله من كتابه "مختصر من هاج القاصدين"، وهو في فصل سنن الصوم: قال: "ويستحب الجود في رمضان وفعل المعروف وكثرة الصدقة، اقتداء برسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم". وقوله: "ويستحب الجود في رمضان" يعني الإنفاق، والإنفاق في رمضان لا يقتصر على الصدقة الواجبة كالزكاة، وإنما يشمل جميع معاني الجود، فيدخل في هذا الصدقة المستحبة، وذلك كإعطاء الفقير والمسكين والمحتاج، وكإفطار الصائمين أيضاً، فهذا من الجود. وإفطار الصائمين لا يجوز أن يكون من الصدقة الواجبة من الزكاة، لأن إفطار الصائم ليست من مصارف الزكاة كما أفتى بذلك العلماء، ولكن إفطار الصائمين في رمضان من الصدقة المستحبة ومما رغب فيه الشرع، وهذا يدل على جود فاعله. فقد جاء في حديث زيد بن خالد الجهني رضي الله تعالى عنه أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «من فطر صائماً كان له مثل أجره، لا ينقص من أجر الصائم شيء». انظروا كيف جعل النبي عليه الصلاة والسلام أجر من فطر صائماً له مثل أجر هذا الصائم. انظروا ماذا لهذا الصائم إذا صام من الأجر، تعلمون أجر ذلك، فمن فطر صائماً كان له... فمن فطر صائماً كان له مثل أجره، لا ينقص من أجر الصائم شيء. فهذا من الجود في رمضان. وكذلك من الجود في رمضان الجود بالنفس، وذلك بالخدمة والإعانة، وهذا من المعروف، ولذلك قال: "وفعل المعروف". ففعل المعروف في رمضان وفي غيره يشمل أبواباً كثيرة، منها إعانة المحتاج، وهكذا القيام معه، وهكذا الإعانة في تفطير الصائمين، وإن لم يكن بمالك فهو بجهدك، فهذا يدخل في فعل المعروف. فلا تحقرن من المعروف شيئاً، كما قال ذلك النبي عليه الصلاة والسلام: «لا تحقرن من المعروف شيئاً، ولو أن تلقى أخاك بوجه طلق»، ولو أن تلقى أخاك بوجه طلق. وهكذا لا تحقرن من الصدقة شيئاً، كما قال عليه الصلاة والسلام: «اتقوا النار ولو بشق تمرة»، ليس بتمرة كاملة، بشق تمرة يعني بنصف تمرة. فلا تحقرن من المعروف شيئاً، لا سيما في هذا الشهر المبارك الذي تتضاعف فيه الأجور والحسنات. وكذلك كثرة الصدقة. ولماذا هنا ذكر أولاً الجود ثم الصدقة؟ كما تقدم أن الجود هو أعم من الصدقة، هو أعم من الصدقة، فيشمل أبواباً كثيرة وإن لم تكن على وجه الزكاة والصدقة، وإنما على وجه الجود والكرم والعطاء. وهكذا كثرة الصدقة، فإنما إخراج الناس مثلاً للصدقة الواجبة في رمضان هذا لا بأس به، هذا لا بأس به، ويُرجى في ذلك زيادة الأجر لفضيلة الزمان، لفضيلة هذا الشهر المبارك. ولكن أيضاً يكثر المسلم من الصدقات المستحبة، يكثر من وسع الله عليه وعنده من الأموال التي يستطيع أن يتصدق بها أن يفعل ذلك. وتعلمون فضل الصدقة وفضل كذلك العطاء والإنفاق. وقوله: "اقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم"، لأن النبي عليه الصلاة والسلام كان يفعل ذلك، كما في حديث ابن عباس في البخاري ومسلم، قال رضي الله تعالى عنه: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أجود الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان». من أخلاقه الدائم عليه الصلاة والسلام الجود والكرم، ولكن يزداد جوده وكرمه عليه الصلاة والسلام في رمضان، في رمضان. فلذلك قال: «وكان أجود ما يكون في رمضان» لفضيلة الزمان وفضيلة هذا الشهر المبارك. فهذه من الأعمال التي ينبغي أن يحرص عليها المسلم، وينوع في أعمال الخير. وهذا من رحمة الله عز وجل بهذه الأمة أن نوع لهم أبواب الخير، لم يجعل أبواب الخير مقصورة ومحدودة، وإنما عدد ونوع أبواب الخير، تستطيع في أي لحظة تستثمر هذه اللحظة في طاعة الله، في طاعة الله عز وجل. وهذا من رحمة الله سبحانه وتعالى بهذه الأمة. لا تقل: أنا ما عندي مال، لا أستطيع أن أعمل صالحاً. أبدا أعطاك الله صحة وعافية وقوة ونشاطاً وشباباً، فاستغل هذا في طاعة الله، في قراءة القرآن، في زيارة الأرحام، في إعانة المحتاج، في كذلك أبواب الخير والبر والإحسان. فأبواب الخير كثيرة، لا تقتصر ولا تنحصر بأعمال محددة. ثم قال: "ويستحب دراسة القرآن". هذا أيضاً من سنن الصيام ومستحباته، دراسة القرآن. وهذا يدل عليه كذلك حديث ابن عباس: «وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل فيدارسه القرآن». هذا في رمضان ينزل جبريل عليه السلام أمين الوحي فيدارس النبي عليه الصلاة والسلام القرآن. وما هي المدارسة؟ المدارسة هي أعم من التلاوة والقراءة، فالمدارسة تكون بين اثنين أو أكثر، وذلك بأن يقرأ أحدهما فيستمع الآخر ويصحح قراءته. واستدل العلماء بهذا أن القرآن يؤخذ بالتلقي والمدارسة، لا يستطيع أي شخص مهما بلغ في رتب العلم الدنيوية أن يقرأ القرآن قراءة صحيحة بدون مدارسة وبدون تلقي لهذا القرآن أبداً. لو أن شخصاً قد بلغ من رتب الدنيا أعلى المراتب من الدكتوراه أو الماجستير أو البروفسور أو نحو ذلك، لكنه لم يتلقَ القرآن عن متقن له ومجيد لقراءته، لا يستطيع أن يقرأ القرآن قراءة صحيحة. وهذه سنة تكاد أن تكون قليلة في هذا العصر وفي هذا الوقت، مدارسة القرآن، حلقات القرآن، أخذ القرآن عن من قد أصبح ماهرا به، هذا قل ما تجده إلا في بعض المساجد وفي بعض الحلقات. فاحرص على مدارسة القرآن، يشمل ذلك النطق الصحيح، وهكذا يشمل ذلك أخذ التجويد وأحكام التلاوة ونحو ذلك. فحبذ لو تُحيى هذه السنة، فيكون هناك حلقات للمدارسة، مدارسة القرآن، يجلس مجموعة، هذا يقرأ فإذا أخطأ صحح له خطأه، أو طريقة التلقين أيضاً يأتي المدرس المتقن للقرآن فيلقن الطلبة، هذا أيضاً له أثر عظيم في إتقان الطلبة للقرآن، في إتقان الطلبة للقرآن. تجد الآن كثير منا إذا قرأ القرآن لا تخلو قراءته من أخطاء، سواء كانت لفظية أو كذلك في التجويد والتلاوة. فإذا مدارسة القرآن تكون من اثنين فأكثر. وأيضاً يكثر من قراءة القرآن في رمضان، فإن رمضان شهر القرآن، ففيه أنزل كما قال الله عز وجل: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾، الذي أنزل فيه القرآن. ولعل هذا هو السر في نزول جبريل على نبينا محمد عليه الصلاة والسلام ومدارسته إياه القرآن، جاء ذلك في شهر رمضان، فدل ذلك على أن المسلم ينبغي عليه أن يعتني بالقرآن، ليس تلاوة حسب، يعتني بالقرآن مدارسة كما سمعت في حديث ابن عباس: «حين يلقاه جبريل فيدارسه القرآن»، فيدارسه القرآن. يكون بمدارسته، ويكون بتلاوته وقراءته، ويكون كذلك بتدبره، وهذه هي الغاية العظمى من قراءة القرآن، التدبر والتمعن لألفاظه ولأحكامه ولمعانيه ولمعجزاته، كما قال الله عز وجل: ﴿كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾. هذه الغاية من قراءتك للقرآن أن تتدبر، أن تقف عند أوامره فتسأل نفسك: هل أنت عامل بهذه الأوامر؟ وهكذا تقف عند نواهيه فتسأل نفسك: هل أنت منتهٍ عن هذه النواهي؟ فالعمل بالقرآن هو كذلك من الأمور التي يجب الاعتناء بها. فالقرآن كما جاء في حديث أبي مالك الأشعري: «إما حجة لك وإما حجة عليك». متى يكون حجة لك؟ إذا قرأته وتدبرته وعملت بأحكامه وشرائعه، هذا يكون حجة لك، يقول: يا رب هذا قرآني وعمل بي، فيحاج عنك القرآن يوم القيامة كما جاء في الحديث. ومتى يكون القرآن حجة عليك؟ يقول: القرآن حجة عليك يوم أن تقرأه وتتلوه ولا تعمل بأحكامه، تمر على أوامر أمرك الله عز وجل بها فلا تبالي بها ولا تعمل بها، تمر على قول عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أو ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾، وأنت تعبد غير الله، تدعو غير الله، تتعلق بغير الله، تستغيث بغير الله. وهكذا تمر بقول الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾، وأنت لا تقيم هذه الصلاة. تمر بقول الله عز وجل: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَّوْقُوتًا﴾، وأنت لا تحرص على أن تؤدي الصلاة في أوقاتها ومع الجماعة، لربما تصلي الفجر بعد أن يخرج وقتها، أو تصلي العصر بعد أن يخرج وقتها، أو نحو ذلك. فهذا أيضاً من عدم العمل بالقرآن. وهكذا تقف على النواهي التي نهاك الله عز وجل عنها وأنت تقع فيها، تمر بقول الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا﴾، وأنت لا تزال تتعامل بالربا. تمر بقول الله عز وجل: ﴿قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ﴾، وأنت تطلق لسانك فيما حرم الله عز وجل. فإذا ينبغي أن نعتني كذلك بالعمل بالقرآن. هذا أمر طيب أن ترى من المسلمين في رمضان الإنكباب على تلاوة القرآن، ولكن أين نحن من التدبر؟ وأين نحن من العمل؟ وكذلك قوله: "والاعتكاف في رمضان لا سيما في العشر الأواخر، وزيادة الاجتهاد فيه". والاعتكاف في رمضان من سنة النبي عليه الصلاة والسلام ومن عمله الذي مات عليه عليه الصلاة والسلام، كما في حديث عائشة: «كان النبي عليه الصلاة والسلام يعتكف في العشر الأواخر من رمضان حتى توفاه الله، فلما مات اعتكف أزواجه من بعده عليه الصلاة والسلام». فسنة نبينا عليه الصلاة والسلام وسنة أصحابه الكرام رضي الله تعالى عنهم أجمعين. فمن تيسر له ذلك الأمر بأن لا يضيع واجباً من تفريط في تربية أولاد أو أسرته أو في إعالة أو نحو ذلك، وتهيئت له الأمور، فيستحب له أن يعتكف في أي مسجد جامع، فيتفرغ ويخلو بربه في هذه الأيام الفاضلة التي فيها ليلة خير من ألف شهر، من حرم خيرها فقد حرم، ألا وهي ليلة القدر. فمن اعتكف واجتهد في هذه العشر فهو لا محالة مدرك لهذه الليلة، مدرك لهذه الليلة. وكان النبي عليه الصلاة والسلام يجتهد في هذه العشر بالاعتكاف والطاعة والعبادة. ومن لم يتيسر له الاعتكاف فلا يمنعه من أن يجتهد في هذه العشر ويتفرغ بما يسر الله عز وجل له. قال: وفي الصحيحين من حديث عائشة رضي الله عنها قالت: «كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا دخل العشر الأخير شد مئزره، وأحيى ليله، وأيقظ أهله». قال: وذكر العلماء في معنى شد المئزر وجهين: أحدهما: أنه الإعراض عن النساء، بمعنى أنه لا يفتح إزاره ولا يعاشر أزواجه، بل يعتزل نساءه تفرغاً لطاعة الله عز وجل. فهذه كناية عن الإعراض عن النساء والاشتغال بهن عن طاعة الله. هذا وجه. الثاني: أنه كناية عن الجد والتشمير في العمل، وهذا كذلك وجه آخر. شد مئزره يعني جد واجتهد، وهذا دارج في كلام الناس وفي لغة العرب، فتقول لشخص تريد أن يجد ويجتهد: شد نفسك، شد نفسك، أو شد حيلك، بمعنى جد واجتهد وشمر. فهذا معنى آخر، فيحتمل هذا ويحتمل هذا. والمعنى أنه كان يجتهد ويجد في العمل الصالح في هذه الليالي العشر، في هذه الليالي العشر. وأما قوله: «وأحيى ليله»، أي بطاعة الله عز وجل، بطاعة الله سبحانه وتعالى، فكان لا ينام عليه الصلاة والسلام في هذه العشر بل يحييها بين صلاة وذكر ودعاء وقراءة للقرآن. وكما ذكر العلامة ابن عثيمين أنه لا يمنع من إحياء الليل أن يقضي الإنسان بعض حوائجه التي لا بد منها من أكل وشرب ونحو ذلك، فهذا يدخل في إحياء الليل لأنه مما لا بد منه ومما يتقوى به المتهجد على طاعة الله سبحانه وتعالى. وأما قوله: «وأيقظ أهله»، أي شارك أهله في هذا الخير، في هذه الفضيلة، فأيقظهم وأعانهم على القيام وعلى الجد والاجتهاد. وهذا فيه -بارك الله فيكم- أن المسلم يعتني بأهله، يعتني بأهله ويعينهم على الاجتهاد والطاعة، كما حرصه على ذلك أنت تحرص على قيام الليل، تحرص على الاعتكاف، تحرص على الاجتهاد، فاسأل نفسك: أين زوجتك؟ وأين بناتك؟ وأين أولادك؟ هل هم مثلك في العبادة والطاعة، أم أنهم في الغفلة واللهو والسهو واللعب والتسكع في الأسواق والشوارع ونحو ذلك؟ فينبغي للمسلم أن يعتني بأهله. فهذا نبينا عليه الصلاة والسلام كان يوقظ أهله حتى يشاركوه هذه الفضيلة وهذه الليالي الفاضلة التي فيها ليلة هي خير من ألف شهر. ولذلك قال: «وكان سبب اجتهاده في العشر طلب ليلة القدر، طلبوا ليلة القدر». وبهذا يكون قد انتهى المؤلف رحمه الله من سنن الصوم. ففي الفصل القادم إن شاء الله سيذكرون فصلاً في بيان أسرار الصوم وآدابه. نكتفي بهذا، وإلى هنا وصل. اللهم صل وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والحمد لله رب العالمين. ترجمة نانسي قنقر