الدرس في كتاب البيوع 11، ألقاها
بيع المزايدة هو بيع السلعة لمن يقدم أعلى سعر، وقد ذهب الجمهور إلى جوازه لعدم وجود دليل على تحريمه. الأصل في المعاملات هو الحل.
استدل الفقهاء بحديث ضعيف لجواز بيع المزايدة، بينما اعترض آخرون بحديث صحيح عن النهي عن السوم على سوم أخيه. أجيب عن هذا الاعتراض بنقل الاتفاق على جواز صورة المزايدة.
يشرح كيفية إجراء المزايدة بشكل صحيح وفقا للفتاوى الشرعية، ويبين أن بيع المزايدة لا خيار فيه للمشتري الذي رسا عليه المزاد. يطرح مسائل أخرى متعلقة برسوم المشاركة في المزاد.
يناقش تحريم اتفاق التجار على عدم المزايدة على سلعة معينة ليتم بيعها بأقل من قيمتها، ويعتبر مثل هذه الممارسات غشًا للناس. يُستثنى من ذلك الحالات الضرورية.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله حمدا كثيرا مباركا فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. ثم أما بعد، فتتمة لمسائل البيع على البيع، نذكر هنا مسألة وتحتها فروع، وهي مسألة حكم بيع المزايدة. حكم بيع المزايدة، وهو ما يسميه بعض الفقهاء ببيع من يزيد، وصورتها: أن يأتي الرجل أو البائع بسلعة إلى السوق، فيضع السلعة، فيأتي إليه التجار، فيقول: من يزيد؟ من يزيد؟ ويأخذ هذه السلعة، فيقول أحدهم مثلا: بدرهم، يقول: من يزيد؟ يقول: بدرهمين، من يزيد؟ وهكذا حتى يستقر المزايد على ثمن معين، إذا استقر المزايد على ثمن معين فإنه يكون البيع لذلك الذي دفع أكثر. ذهب الجمهور إلى جوازها، وقال الأوزاعي وإسحاق: إن ذلك في المغانم والموارث، أي أنه يكون في المغانم والموارث. وروي عن إبراهيم النخعي أنه كره بيع المزايدة. وبعض أهل العلم يحتاج في هذه المسألة إلى اتفاق في جوازها. والصحيح على ما ذكر من الأقوال هو قول الجمهور، لعدم الدليل على تحريمه. وقد قال الله جل وعلا: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾، وعندنا الأصل في المعاملات والأصل في البيوع الحل، إلا أن يدل الدليل على الحرمة، ولا دليل هنا. ومما استدل به على جواز هذا النوع من البيع أن هذا عليه عمل المسلمين من زمن النبي صلى الله عليه وسلم إلى زمننا هذا. واستدل بعضهم بحديث رواه الإمام أحمد عن أنس بن مالك أن رجلا من الأنصار أتى النبي صلى الله عليه وسلم فشكى إليه الحاجة، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «ما عندك؟» فأتاهم بحلس وقدح، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «من يشتري هذا؟» فقال رجل: أنا آخذهما بدرهم، قال: «من يزيد على درهم؟» وهذا فيه المعنى المذكور. فسكت القوم، فقال: «من يزيد على درهم؟» فقال رجل: أنا آخذهما بدرهمين. والحديث ضعيف لجهالة أبي بكر الحنفي. والمانعون استدلوا أولا بأنه قد يكون في صورة المزايدة في صورة السوم على السوم، وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم أن يسوم المسلم على سوم أخيه، كما في الصحيحين من حديث أبي هريرة. لكن أجيب عن هذا بما تقدم، يعني ما ذكره الحافظ ابن حجر رحمه الله، وفعله فيما مضى معنا عن الحافظ ابن عبدالبر أنه نقل الاتفاق على جواز صورة المزايدة على بيع المزايدة. وأيضا مما استدل به أو مما يجاب به ما ذكره الإمام ابن حزم في المحلى بأن البائع لم يطلب لم يكن الخطاب مع مشتر خاص أو مع إنسان خاص، بل كان عارضا لسلعته للناس أو للتجار، ويقول: من يزيد؟ أي من يزيد في السلعة؟ فيستحقها وأبيعها له، فالسوم في هذا لم يكن لشخص معين، فلا يكون على بيع الأخ ولا على سومه. الحاصل والخلاصة من هذا أنه يجوز بيع المزايدة، وتحت بيع المزايدة مسائل نذكر منها ما تيسر. هل يجوز في بيع المزايدة أن يبدأ بذكر ثمن السلعة أو ثمن معين ثم يقول: من يزيد؟ ذكر الشيخ عبد الرحمن حفظه الله تعالى في كتاب البيوع بأنه قال: لا يجوز؛ لأنه يظن الذي يسمع من بعيد أنه قد دفع فيها هذا الثمن. ولكن يجتمعون ثم يقول أحد المشترين بكذا، فيقال: من يزيد؟ وهكذا حتى يقف السعر عند آخر واحد ويكون هو المشتري. قالوا: بهذا أفتت اللجنة الدائمة. مسألة أخرى وهي أن بيع المزايدة لا خيار فيها للمشتري، أي الذي وقع عليه البيع. وصورة هذا كما ذكرنا يكون مثلا خمسة من التجار يضعون أسعارا أو أثمانا للسلعة، أحدهم يقول مثلا بتسعة آلاف، الثاني يقول عشرة آلاف، وهكذا حتى رسا المزاد على واحد قال 12 ألفا سعوديا، يقول: من يزيد؟ من يزيد؟ لا أحد يزيده شيئا، من رسا عليه هذا المبلغ وجب عليه أن يشتري السلعة، وليس له الخيار. قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: لا يجوز الفصل في بيع المزايدة بمدة الخيار؛ لأنه تغرير بالبائع، فقد يتفرق المشترون الذين اجتمعوا في هذه المزايدة، فيكون البائع قد خسر جميع المشترين إذا فسخ العقد. مسألة أخرى وهي: هل يجوز بيع المزاد العلني من أخذ رسوم على كل داخل في المزاد؟ وتكون السلعة لمن وقفت عنده في المزاد، ولا ترجع الرسوم لبقية المشتركين. ذكّر العلماء رحمهم الله تعالى أن هذه المسألة جائزة بشروطها، وبهذا أفتت رابطة العالم الإسلامي، وذكروا شروطا، منها: أن تكون رسومهم من جملة الثمن، وترد رسوم الآخرين. مسألة أخرى: إذا اتفق أهل السوق على عدم المزايدة في السلعة وهم محتاجون إليها، وإنما يفعلون ذلك لاجل أن يضطر البائع ليبيع السلعة بثمن بخس أو قليل، فما حكم هذا؟ قال شيخ الإسلام رحمه الله: اتفاق أهل السوق على أن لا يتزايدوا في السلعة وهم محتاجون إليها ليبيعها صاحبها بدون قيمتها، فإنه فيه من غش الناس ما لا يخفى. ولو تم من بذ فلا بأس، أي إن كان شيء لا بد منه لا بد أن يفعلوا هذا لامر لا بد منه. والله تعالى أعلى وأعلم. سبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، استغفرك وأتوب إليك.