الدرس في كتاب الصيام 13، ألقاها
إذا أفطر المسلم يومًا من رمضان بغير عذر، وجب عليه التوبة والاستغفار وقضاء اليوم. هناك خلاف حول وجوب القضاء إذا أفطر بغير عذر، ويجب القضاء على التراخي إذا أفطر بعذر.
يُنصح بالإسراع في قضاء أيام رمضان الفائتة وتبرئة الذمة. يُشجع على صيام ستة أيام من شوال لتحصيل أجر صيام الدهر، ولا يشترط التتابع في قضاء الصيام أو صيام الست.
يشرح المقطع أحكام صيام ست من شوال ويوم عرفة لغير الحاج ويوم عاشوراء. يُبين استحباب صيام هذه الأيام وتفاصيلها الفقهية، مع ذكر درجات صيام يوم عاشوراء.
الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال مؤلف فقه الله: الباب الرابع في القضاء والصيام المستحب، وما يكره ويحرم من الصيام، وفيه مسائل. المسألة الأولى: قضاء الصيام إذا أفطر المسلم يومًا من رمضان بغير عذر، وجب عليه أن يتوب إلى الله ويستغفره؛ لأن ذلك جرم عظيم ومنكر كبير. ويجب عليه مع التوبة والاستغفار القضاء في قدر ما أفطر بعد رمضان. ووجوب القضاء هنا على الفور، على الصحيح من أقوال أهل العلم؛ لأنه غير مرخص له في الفطر، والأصل أن يؤديه في وقته. إذا أفطر المسلم يومًا من رمضان بغير عذر، وقد وقع في كبيرة من كبائر الذنوب، وجب عليه التوبة النصوح. وقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم في عقوبة من تعجل الفطر قبل وقته، كما في السنة، في حديثه بأمامة، أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «أتاني الليلة آتيان، فقال لي: انطلق. قال: فانطلقنا، فأتينا على مكان وعر، فقال لي: اصعد. فقلت: إني لا أطيق. قال: إنا سنساعدك. قال: فاصعدت». ثم ذكر أنه أتى على قوم معلقين بعراقيهم، تسيل أشداقهم دمًا. قال: «فقلت: من هؤلاء؟ قالوا: هؤلاء الذين يفطرون قبل تحلة صومهم». يعني قبل أن يحل وقت الإفطار، فيعاقبون بهذا العقاب؛ أن يعلقوا بعراقيهم وتسيل أشداقهم دمًا. فهذا يدل على أن الفطر هذا في حق من صام وأفطر قبل وقت الفطر، فكيف بمن أفطر ابتداء ولم يصم؟ فإذا صام وأفطر من رمضان من غير عذر، فقد وقع في كبيرة من كبائر الذنوب، وجب عليه أن يتوب إلى الله جل وعلا ويستغفره. وقوله: يجب عليه مع التوبة القضاء بقدر ما أفطر من رمضان، يعني يقضي هذه الأيام التي أفطرها. هذا قول جماعة من أهل العلم، وبه قال جمهور أهل العلم: أنه يقضي الأيام التي أفطرها بغير عذر. وهناك قول آخر لبعض أهل العلم، منهم شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، وقول الظاهرية، ومنهم الدقيق العيد وغيرهم من المحققين، فقالوا: من أفطر بغير عذر، فإنه لا ينفعه القضاء؛ بل الذي عليه التوبة، والقضاء ما ينفعه. لماذا؟ لأنه أفسد العبادة بغير عذر شرعي، فلا ينفعه إلا أن يتوب إلى الله عز وجل توبة صادقة وتوبة نصوح. وأما قضاء هذا اليوم، فلا ينفع؛ لأنه أفسده بقصد واختياره. وإنما القضاء في حق من أفطر بعذر. ولعل هذا القول أقرب؛ فإن بذلك زجر لأمثال هؤلاء الذين يفطرون بغير عذر، فإنهم إن علموا أنه لا ينفعهم القضاء، لعظم جرمهم وكبير ذنبهم، وأنه لا ينفعهم إلا التوبة الصادقة. قال: وأما إذا أفطر بعذر كحيض أو نفاس أو مرض أو سفر أو غير ذلك من الأعذار المبيحة للفطر، فإنه يجب عليه القضاء. إذا كان الفطر بعذر من الأعذار المبيحة للفطر، كان حيض المرأة أو نفاس أو يمرض الصائم فيفطر أو يسافر فيفطر أو غير ذلك من الأعذار المبيحة للفطر، فهنا الذي يلزمه أن يقضي هذا اليوم الذي أفطره. قال: غير أنه لا يجب على الفور، بل على التراخي إلى رمضان الآخر. لكن يندب له ويستحب التعجيل بالقضاء. لا يجب القضاء على الفور، يعني ما يلزمه إذا انتهى رمضان ودخل شوال أن يقضي في شوال، له أن يقضيه في أي شهر من الشهور التي بعد رمضان، لكن قبل أن يأتي رمضان الذي بعده. فالقضاء يكون على سبيل التراخي، بدليل حديث عائشة رضي الله عنها في الصحيح، قالت: «كان يكون علي الصوم من رمضان، فما أستطيع أن أقضيه إلا في شعبان؛ لما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يشتغل بي». فكانت تؤخر القضاء إلى شعبان، فتقضي ما عليها من أيام من رمضان. قال: إلا أنه يندب له ويستحب التعجيل بالقضاء؛ لأنه إسراع في إبراء الذمة، ولأنه أحوط للعبد؛ فقد يطرأ له ما يمنعه من الصوم، كمرض ونحوه. يعني يندب ويستحب أن يبادر بالقضاء على جهة الاستحباب. يقال: الأفضل والمستحب أنك تعجل بقضاء ما عليك من أيام من رمضان؛ لأن هذا أبرأ للذمة، فأنت ذمتك معلقة بهذا الصيام، بهذا القضاء، فإذا عجلت بقضائه وصيامه، سقطت عنك هذا الواجب وبرئت ذمتك. وكذلك أيضًا أنه أحوط؛ لأن الإنسان ربما تعتريه مشاغل وأمراض وأمور ربما تمنعه من قضاء ما عليه من أيام، خاصة إذا ضاق الوقت. ربما يؤخر القضاء إلى أن يأتي شعبان، ثم ما يدري إلا وقد شغل في شعبان وأتته أمور كانت مانعة له من القضاء. فلذلك الأولى والأفضل أن يعجل بالقضاء، فعنده ما شاء الله الأشهر العديدة يقضي فيها ما عليه من أيام. قال: فإن أخره حتى رمضان الثاني، وكان له عذر في تأخيره، كأن استمر عذره، فعليه القضاء بعد رمضان الثاني. يعني إذا تأخر بالقضاء حتى جاء رمضان الثاني ولم يقض، فإن كان له عذر، فعليه أن يقضي بعد رمضان الثاني. قال: أما إن أخره إلى رمضان الثاني بغير عذر، فعليه مع القضاء إطعام مسكين عن كل يوم. يقول: إن أخره من غير عذر حتى جاء رمضان الثاني، فيلزمه مع القضاء الإطعام؛ القضاء لأنه واجب عليه في ذمته، والإطعام في مقابل التأخير. والقول بوجوب الإطعام مع القضاء روي عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، وعن ابن عباس. وأثر أبي هريرة رواه الدارقطني والبيهقي وضعفاه. وكذلك أيضًا جاء من حديث ابن عباس، وكذلك رواه الدارقطني والبيهقي وضعف الدارقطني أثر أبي هريرة. وبقي أثر ابن عباس، وبه قال جماعة من أهل العلم: أنه يلزمه الإطعام مع القضاء. وهناك قول آخر، وهو أنه لا يلزمه إلا القضاء فقط؛ لا يلزمه إلا القضاء مع التوبة بسبب تأخيره لقضاء ما عليه من رمضان حتى جاء رمضان الآخر. وهذا القول هو الأصح؛ لأنه لا دليل يدل على الإلزام بالإطعام. والله عز وجل يقول: ﴿فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾. والذي أمر الله عز وجل به هو قضاء أيام أخر، بدلًا من هذه الأيام التي أفطرها في رمضان. قال: ولا يشترط في القضاء التتابع، بل يصح متتابعًا ومتفرقًا؛ لقوله تعالى: ﴿فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾. فلم يشترط سبحانه في هذه الأيام التتابع. ولو كان شرطًا لبينه سبحانه وتعالى. لا يشترط في القضاء التتابع، إنسان عليه عشرة أيام من رمضان، هل يلزمه أن يصوم متتابعة من غير أن يفصل بينها؟ الجواب: لا يلزمه؛ لأن الله عز وجل قال: ﴿فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾، ولم يقل: فعدة من أيام أخر متتابعات. إذن فيجوز أن يصومها متفرقة، ولا يلزمه التتابع. المسألة الثانية: الصيام المستحب قال: من حكمة الله عز وجل ورحمته بعباده أن جعل لهم من التطوع ما يماثل الفرائض، وذلك زيادة في الأجر والثواب للعاملين، وجبرًا للنقص والخلل الذي قد يطرأ على الفريضة. فقد سبق معنى أن الفرائض تكمل من النوافل يوم القيامة. قال: والأيام التي يستحب صيامها هي: أولًا صيام ستة أيام من شوال؛ لحديث أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «من صام رمضان ثم أتبعه بست من شوال، كان كصيام الدهر». والحديث رواه مسلم. من صام رمضان ثم أتبعه بست من شوال، كان كصيام الدهر؛ هذا فيه استحباب صيام ستة أيام من شوال. وقول عليه الصلاة والسلام: «كان كصيام الدهر»، يعني كصيام السنة؛ وذلك أن الحسنة بعشر أمثالها. رمضان ثلاثون يومًا، بثلاثمئة حسنة؛ الحسنة بعشر أمثالها، فتكون بثلاثمئة حسنة، بمقابل صيام ثلاثمئة يوم. وستة أيام بستين؛ الحسنة بعشر أمثالها، فتكون في مقابل الستين، وذلك عدد أيام السنة. وقوله عليه الصلاة والسلام: «من صام رمضان ثم أتبعه بست من شوال»، هل يلزم في تحقيق هذه الفضيلة أن يصوم مباشرة بعد رمضان؟ يعني مثلًا يفطر يوم الفطر، ثم يصوم اليوم الثاني من شوال حتى يتحقق له هذا الأجر؟ الجواب: لا، بل له أن يصومها متفرقة في نصف شوال، في آخر شوال؛ فالأمر في ذلك واسع؛ لأن المقصود أن يصوم ستة أيام، وهذا يتحقق فيمن صام بعد يوم الفطر مباشرة، ومن صام في نصف شوال، ومن صام في آخر شوال؛ فإنه يصح بحقه أنه صام ستة أيام بعد رمضان. وكما قلنا: له أن يصومها متفرقة، وله أن يصومها متتابعة. وقوله: «ثم أتبعه بست من شوال»، تأتي هنا مسألة: من عليه قضاء من رمضان، هل يبدأ بصيام الست من شوال أو يقضي ما عليه من أيام؟ الجواب: أولًا يبدأ بقضاء ما عليه من أيام؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام يقول: «من صام رمضان ثم أتبعه»، والذي عليه قضاء ما صام رمضان؛ ما صام رمضان، فلا يتحقق في حقه أنه صام رمضان ثم أتبعه بست إلا إذا قضى ما عليه من أيام. فلذلك يقال في حق من عليه قضاء من رمضان: أنه يبدأ أولًا بالقضاء، ثم يصوم الست من شوال، إلا إذا تعذر عليه، وما أمكنه ذلك، وخشي أن يفوته أجر صيام الست، فلا بأس حينئذ أن يقدم صيام الست. قال: ثانيًا: صيام يوم عرفة لغير الحاج؛ لحديث أبي قتادة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «صيام يوم عرفة، أحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله والسنة التي بعده». والحديث رواه مسلم. أما الحاج، فلا يسن له صيام يوم عرفة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أفطر في ذلك اليوم، والناس ينظرون إليه، ولأنه أقوى للحاج على العبادة والدعاء في ذلك اليوم. صيام يوم عرفة لغير الحاج، اليوم التاسع من ذي الحجة، فصومه مستحب. وقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أنه يكفر ذنوب سنتين: سنة قبله، والسنة التي بعده؛ كما في حديث أبي قتادة في مسلم. وقوله: لغير الحاج؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام أفطر في يوم عرفة، ولو كان صيامه مستحبًا لصامه عليه الصلاة والسلام. فأفطر؛ حتى يبين للناس أن الأفضل في حق من كان في عرفة في الحج أن يفطر؛ حتى يتقوى على العبادة في ذلك الموضع، فهو يحتاج إلى أن يدعو الله عز وجل، ويكثر عليه الطاعة والعبادة، والفطر أقوى له في ذلك. فلذلك ذكر أهل العلم: أنه يستحب لمن كان في عرفة أن يفطر. قال: الثالث: صيام يوم عاشوراء؛ فقد سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن صوم عاشوراء، قال: «أحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله». صيام يوم عاشوراء، أي العاشر من محرم. النبي عليه الصلاة والسلام لما قدم المدينة، وجد اليهود يصومون هذا اليوم، سأل عن ذلك، فأخبر أنه اليوم الذي نجى الله عز وجل فيه موسى وقومه، فنحن نصومه. أي قال اليهود: نحن نصومه شكرًا لله. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «أنا أولى بموسى منكم»، فصامه عليه الصلاة والسلام وأمر بصيامه. فكان صيام يوم عاشوراء واجبًا، ثم لما فرض رمضان، نسخ حكم الوجوب، فكان صيامه مستحبًا؛ من شاء صامه، ومن شاء أفطره. وسئل النبي صلى الله عليه وسلم عن صوم يوم عاشوراء، فقال: «أحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله». والحديث هو نفس حديث أبي قتادة الذي رواه الإمام مسلم. فصوم يوم عاشوراء يكفر ذنوب سنة. قال: ويستحب صيام يوم قبله أو يوم بعده؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: «لئن بقيت إلى قابل لأصومن التاسع». والحديث رواه مسلم. لئن بقيت إلى قابل لأصومن التاسع؛ يعني اليوم التاسع من محرم، أن يصوم التاسع ويصوم العاشر. لكن توفي عليه الصلاة والسلام قبل أن يدرك اليوم التاسع من تلك السنة. وهذا من أجل مخالفة أهل الكتاب؛ من أجل مخالفة أهل الكتاب، فأراد عليه الصلاة والسلام أن يصوم يومًا قبله. ولقوله صلى الله عليه وسلم: «صوموا يومًا قبله أو يومًا بعده؛ خالفوا اليهود». الحديث أخرجه الإمام أحمد وابن خزيمة، وهذا الحديث رواه كذلك البيهقي وعبد الرزاق في مصنفه، وفيه ضعف؛ المرفوع منه ضعيف؛ ففيه محمد بن أبي ليلى، متكلم فيه. لكن صح عن ابن عباس موقوفًا من قوله: «صوموا يومًا قبله أو يومًا بعده؛ خالفوا اليهود». وبعض أهل العلم قال: يستحب أن يصوم يومًا قبابة قبله ويومًا بعده، فيصوم التاسع والعاشر والحادي عشر؛ فيكون هذا أعلى المقامات والأحوال في صيام يوم عاشوراء. والحالة الثانية: أن يصوم يومًا قبله أو يومًا بعده، فيصوم التاسع والعاشر، أو العاشر والحادي عشر. والحالة الثالثة: أن يصوم عاشوراء وحده، وهذا جائز. ذكر ذلك الإمام ابن القيم رحمه الله بكتابه «الزاد». صلى الله وسلم على نبينا محمد، وآله وصحبه أجمعين.