القواعد والأصول الجامعة 38

الدرس في القواعد والأصول الجامعة 38، ألقاها

مقدمة في القاعدة الخامسة عشرة

القاعدة الخامسة عشرة تنص على 'لا ضرر ولا ضرار' وتعني إزالة الضرر ونفيه. هذه القاعدة مستمدة من حديث النبي صلى الله عليه وسلم.

تحريم الإضرار بالآخرين وتطبيقاته

يحرم على المسلم الإضرار بالآخرين سواء كان ذلك بالقول أو الفعل. هذا التحريم يشمل جميع أنواع الضرر وينطبق على الجيران والمسلمين عامة.

عقوبة الإضرار بالناس

من يضر الناس فإن الله يلحق به الضرر في نفسه أو ماله أو أولاده كعقوبة على أفعاله. هذا يشمل من يسبب الأذى للآخرين بغير حق.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال العلامة السعدي رحمه الله في كتابه «القواعد والأصول الجامعة»، القاعدة الخامسة عشرة: «لا ضرر ولا ضرار». هذه القاعدة من القواعد الكبرى، ويعبر عنها العلماء بقولهم: «الضرر يزال». الضرر يزال يعني يرفع، إذا وقع فإنه يرفع، وكذلك قبل وقوعه فإنه يدفع. ويعبر عنها بقولهم «لا ضرر ولا ضرار»، موافقة لحديث النبي عليه الصلاة والسلام «لا ضرر ولا ضرار». ومعنى «لا ضرر ولا ضرار»، بعض أهل العلم قال: الضرر والضرار بمعنى واحد، هما كلمتان بمعنى واحد، يراد بهما إزالة الضرر ونفي الضرر. وقيل: الضرر إلحاق مفسدة بالغير، إلحاق مفسدة بالغير، والضرار مقابلة الضرر بالضرر، الضرار مقابلة الضرر بالضرر، يعني الضرر أن تضر بغيرك من غير أن يضر هو بك، لكن الضرار أن تقابل هذا الضرر بضرر، يعني يكون الضرار في جهة المقابلة، هو الضرر من غير مقابلة. وقيل: الضرر إذا وقع على جهة الخطأ أو على جهة العمد يسمى الضرر إذا وقع على جهة الخطأ أو على جهة العمد، والضرار إذا كان على جهة العمد والقصد إذا كان على جهة العمد والقصد. نعم، وقيل غير ذلك. فالمهم أن الشريعة جاءت بنفي الضرر، وكذلك أيضا نفي المضارة، أن يضر الإنسان غيره في مال أو في نفس أو في عرض. قال رحمه الله: هذا الأصل لفظ الحديث الذي رواه الإمام أحمد وغيره من حديث ابن عباس، أي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا ضرر ولا ضرار». وحديث ابن عباس جاء من عدة طرق بها شيء من الضعف، لكن بمجموع هذه الطرق يصلح الحديث للشواهد، ولهذا صححه الشيخ الألباني رحمه الله في «الصحيحة»، وأخرجه كذلك الإمام أحمد، وابن ماجة من حديث عبادة بن الصامت. قال: فالضرر منفي شرعا، الضرر منفي شرعا، فلا يحل لمسلم أن يضر أخاه المسلم بقول أو فعل أو سبب، بغير حق، وسواء كان له في ذلك نوع منفعة أو لا. قال: فالضرر منفي شرعا، النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا ضرر»، هذا نفي، نفي والنفي كذلك يدل على النهي، بل هو أوكد من النهي، فقوله: «لا ضرر»، نفي لوقوع الضرر، ومعنى أنه لا يجوز للإنسان أن يضر بغيره، وأن يوقع به الضرر. فلا يحل لمسلم أن يضر أخاه المسلم بقول يضره، بقول بسب أو شتم أو لعن أو طعن أو قذف، أو كذلك أن ينسب إليه قولا لم يقوله افتراء، وغير ذلك من أنواع الضرر بالقول. قال: أو فعل، أن يضره بفعل، كضرب أو قتل أو جرح. قال: أو سبب، بغير حق، أو سبب بغير حق، يعني يضره بسبب، كأن يحفر حفرة في طريقه فيسقط فيها فيتأذى ويتضرر. قال: بغير حق، قوله بغير حق خرج إذا كان بحق، إذا كان بحق فليس عليه شيء، القصاص، القصاص فيه مضارة، لكن هذا بحق، كونك مثلا تقتص من شخص اعتدى عليك وتطلب القصاص، أو قتل بعض أقاربك فطالبت بالقصاص فاقتص منه، هذا إضرار بحق، أنت كنت سببا في قتله حين طالبت بالقصاص، لكن هذا بحق، فلا يكون هذا من الضرر المحرم، لا يكون هذا من الضرر المحرم. ولهذا ينبه أيضا إلى أنه إذا قال قائل: أليس يعني الشريعة أجازت رجم الزاني المحصن، وجلد الزاني غير المحصن، وقطع يد السارق، وغيرها من الحدود؟ أليست هذه فيه مضارة؟ فيها ضرر على هؤلاء الذين تقام عليهم الحدود؟ الجواب: نعم، فيه ضرر عليهم، لكن هذا الضرر بحق، وهذا الضرر بحق وبإذن من الشرع. طيب فلا يكون هذا مما يعترض على هذا الحديث وهذه القاعدة. قال: وسواء كان له في ذلك نوع منفعة أم لا، يعني سواء كان ينتفع بهذا الضرر أو لا ينتفع، فلا يجوز له أن يضر بأخيه المسلم. مثال ما فيه نفع: السرقة، السارق يضر بأخيه بأخذ ماله وأخذ متاعه، هذا لا شك أن فيه ضررا وفيه أذية، والسارق ينتفع بذلك، ينتفع بهذا المال الذي سرقه، فهنا فيه مضرة، ماذا فيها نفع؟ مضرة، فيها نفع، وبغير نفع، كإحراق، يحرق ماله، يأتي إلى مزرعة شخص من الناس فيحرقها، هذا ضرر بلا نفع، ضرر بلا نفع، أو يأتي إلى سيارتي فيحرقها، هذا ضرر بلا نفع، وكلاهما محرم، سواء كان فيه نفع أو لم يكن فيه نفع، فلا يجوز للمسلم أن يضر بأخيه المسلم. قال: وهذا عام في كل حال، على كل أحد، هذا عام في كل حال، على كل أحد، يعني لا يجوز لأحد أن يضر بأحد في سائر الأحوال. قال: وخصوصا من له حق متأكد، كالقريب والجار والصاحب ونحوهم، يعني ممن بينك وبينهم صلة وقرابة، كالوالدين مثلا، فمضارة الوالدين أشد إثما من مضارة غيرهما، إذا ضر الإنسان والده وآذاه، لا شك أن هذا إثم أعظم، لما فيه من العقوق وترك لواجب بر الوالدين، وإيقاع الأذية عليهم، وهو أعظم إثما من أن يضر بشخص أجنبي ليس بينه وبينه قرابة. قال: فيحرم على الجار أن يضر بجاره، ولو أن يحدث بملكه ما يضره، يحرم على الجار أن يضر بجار، لأن الجوار ينبغي أن يحفظ وأن يحسن المسلم جوار أخيه، فيبعد عنه شره ويبعد عنه أذيته، ويحسن في جواره وفي قربه، سواء كان بالقول أو كان بالفعل، فلا يجوز له أن يؤذي جاره، فكيف بالإضرار بالجار؟ حتى ولو كان ذلك بأن يفعل شيئا في ملكه، لكن يتأذى منه الجار، يعني أنت في بيتك، في ملكك، في بيتك تريد أن تفعل شيئا، لكن هذا الشيء يتأذى منه الجار، فلا يجوز لك أن تفعله، ولو كان في ملكك وفي بيتك، ما دام أن فيه مضارة بالجار، فلا يجوز لك أن تفعله. قال: وكذلك لا يحل أن يجعل في طرق المسلمين وأسواقهم ما يضر بهم من أخشاب أو أحجار أو حفر أو نحو ذلك، إلا ما كان فيه نفع ومصلحة لهم. نعم، لا يجوز لك أن تضر بالمسلمين على جهة العموم، كوضع أشياء في الطريق تؤذي الناس، تضع خشبة أو تضع أحجارا أو تحفر حفرة في طريق الناس، يتأذى ويتضرر منها الناس، فهذا لا يجوز، إلا إذا كان في ذلك نفع، مصلحة، فلا بأس، يعني مثلا حفرت حفرة يراد منها إخراج الماء، مثلا، لا بأس، شيء فيه مصلحة، فيه منفعة، أما من غير نفع ومن غير مصلحة فإنه لا يجوز. قالوا: في الحديث الصحيح «من ضار مسلما ضاره الله»، وهذا الحديث رواه الإمام أحمد، والترمذي، وابن ماجه بلفظ «من ضار ضار الله به»، من ضار ضار الله به. طيب هذا اللفظ «من ضار ضار الله به»، ومعنى أن الله عز وجل يلحق به الضرر، أن الله عز وجل يلحق به الضرر، يعني من عامل الناس بالمضارة وبالأذية وإيقاع الضرر بهم، فإن الله سبحانه وتعالى يلحق به الضرر، سواء في نفسه أو في ماله أو في أولاده، فيقع به من الضرر بسبب مضارته للناس. صلى الله وسلم على نبينا محمد، وآله وصحبه أجمعين.

شاركنا على