التعليق على لامية شيخ الإسلام ابن تيمية  2

التعليق على لامية شيخ الإسلام ابن تيمية 2

الدرس في التعليق على لامية شيخ الإسلام ابن تيمية 2، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة

شرح بيت "اسمع كلام محقق" من منظومة اللمية

يفسر المقطع الافتتاحي من منظومة اللمية لشيخ الإسلام ابن تيمية، مبيناً أن أمر "اسمع" للتنبيه على أهمية العقيدة، و"كلام محقق" يفيد الثقة بالبحث لا التزكية، وأن "قوله" يشمل قول القلب واللسان، بينما "لا ينثني عنه ولا يتبدل" يصف ثبات عقيدة أهل السنة مقابل تقلب أهل البدع، مستدلاً برفض الإمام مالك مجادلة مبتدع.

العقيدة الصحيحة سبب الثبات وحب الصحابة أصل الاعتقاد

يؤكد المقطع أن العقيدة الصحيحة هي أعظم أسباب الثبات على الدين، مستشهداً بآية التثبيت وسير العلماء كالأحمد وابن تيمية. ويبين أن حب جميع الصحابة رضي الله عنهم أصل من أصول اعتقاد أهل السنة، وعلامة على صحة العقيدة، بينما بغضهم دليل على الفساد، مستدلاً بحديث "المرء مع من أحب".

موقف أهل السنة من حب الصحابة وآل البيت والتوسل المشروع

يبيّن المقطع أن أهل السنة والجماعة يتوسطون في حب الصحابة وآل البيت حباً شرعياً، مبيناً أن حب الصحابة فريضة وعقيدة يُعلمها الصغار، وأن مودة القربى عبادة يتوسل بها إلى الله ضمن التوسل المشروع بالأعمال الصالحة، رداً على غلو الرافضة وجفاء النواصب.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. وبعد: قال الناظم شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى في منظومته اللمية: "اسمع كلام محقق في قوله لا ينثني عنه ولا يتبدل". فقوله "اسمع": فعل أمر مبني على السكون، وأتي به لتنبيه السائل إلى الاهتمام بالأمر، فكأنه يقول له: انتبه لما أقرر ولما أحقق من مسائل العقيدة. وهذا كذلك أسلوب قرآني، فمثل ذلك قول الله عز وجل: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا اللَّهُ﴾، فوقت بهذا للانتباه. تريد أن تلقي أمراً مهماً إلى شخص حتى يهتم به، تقول له: "اسمع، اسمع، افعل كذا وكذا، أو اذهب كذا وكذا"، فيؤتى بهذه الكلمة لتنبيه المخاطب على أهمية ما يلقى إليه. وأما قوله "كلام محقق": يعني كلام باحث ومطلع ودارس لهذه المسائل التي ستذكر، فالتحقيق هو البحث والدراسة والاطلاع. ولم يقل الناظم ذلك تزكية لنفسه، لم يقل ذلك تزكية لنفسه، وإنما هو من باب إدخال الاطمئنان، وهكذا من باب الارتياح أن يرتاح ويطمئن السائل إلى ما سيلقى إليه. فهذه المسائل لم تكن ارتجالية، أو لم تكن عن جهل، أو عن قلة بحث ومراجعة وتحقيق. فاطمئن، فاطمئن، فهذا هو المعنى. مثل ما تلقى مثلاً مسألة من المسائل في مجلس من المجالس، فيقول قائل: هذه المسألة لي فيها بحث وتحقيق واطلاع، فجمعت فيها كذا وكذا من أقوال العلماء. فهذا ليس على سبيل التزكية لنفسه، إنما على سبيل أنه إذا تكلم فيها فإن قوله هو الأقرب إلى الصواب لأنه أخذ ذلك عن تحقيق وجمع ودراسة. وهذا تجده في بعض مؤلفات أهل العلم، مثلاً يذكر حديثاً ومسألة ويقول: "وقد حققت هذا الحديث في رسالة مستقلة". هذا ليس من باب التزكية، وإنما من باب إرشاد القارئ واطمئنان القارئ إلى مثلاً صحة هذا الحديث، إذ أن المؤلف قد بحث وحقق. فمعنى "كلام محقق": يعني باحث ودارس بهذه المسائل. وشيخ الإسلام رحمه الله تعالى من أفضل من عرف بتحقيق المسائل وبتقرير العقيدة، فلذلك قال: "اسمع كلام محقق في قوله". وقوله "في قوله": المراد بالقول هنا ما سأل عنه السائل من أمور العقيدة. والقول إذا أطلق -وهذا قد مر معنا في شرح الحائية- أن القول إذا أطلق فيراد به قول القلب وقول اللسان. فقول القلب المراد به الاعتقاد، وقول اللسان المراد به النطق. وقد وردت أدلة في القرآن والسنة تبين هذا المعنى، فأطلق فيها القول وأريد به الاعتقاد مع النطق باللسان. من ذلك قول الله عز وجل: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا﴾ إلى آخر الآية، فالمراد بالقول هنا اعتقاد القلب مع النطق باللسان. ومن ذلك قول الله عز وجل: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ﴾، يعني قالوا بألسنتهم واعتقدوا بقلوبهم. ومن ذلك حديث سفيان بن عبد الله لما قال للنبي عليه الصلاة والسلام: "قل لي في الإسلام قولاً لا أسأل عنه أحداً غيرك"، فقال له النبي عليه الصلاة والسلام: "قل آمنت بالله ثم استقم". هل معنى "قل آمنت بالله" بلسانك فقط؟ لا، قل آمنت بالله بلسانك واعتقد ذلك بقلبك. فإذن معنى قوله "في قوله": المراد بالقول هنا قول القلب وقول اللسان، فالمراد به العقيدة التي ينبغي أن يعتقدها كل مسلم: "لا ينثني عنه ولا يتبدل". ومعنى "لا ينثني": يعني لا يرجع، الانثناء الرجوع. يعني هذه العقيدة عقيدة راسخة، عقيدة ثابتة لا تتزعزع ولا يتراجع صاحبها عنها، لأنها عقيدة من الله سبحانه وتعالى. "لا ينثني عنه ولا يتبدل": يعني ما يرجع عن هذه العقيدة، ولا كذلك يبدلها بغيرها. وهذه الصفة خاصة بأهل السنة والجماعة ممن عرفوا العقيدة الصحيحة، فإن هذه العقيدة ناتج عن وضوح، وناتج كذلك عن اعتقاد جازم لا تردد فيه ولا شك، فهي عقيدة نقية صافية كاملة لا يرجع عنها أهلها. بخلاف أهل البدع وأهل العقائد الفاسدة، فإنهم أهل تنقل وعدم ثبات على اعتقاد، وأهل تبديل، وكل يوم وهم على مذهب وعقيدة. هل سمعت يوماً أن عالماً من علماء أهل السنة رجع عن عقيدته أبداً؟ وأن وقع ذلك فهو أندر من النادر. أما أهل الأهواء فكل يوم يأتون بمعتقد وبطريق يسيرون عليه. ولذلك فإن أهل السنة لا يجادلون أهل البدع لأنهم أهل تنقل وخصومات وعنات. جاء عن عمر بن عبد العزيز رضي الله تعالى عنه ورحمه الله أنه قال: "من جعل دينه عرضة للخصومات أكثر التنقل". لأنه ما يجادل إلا الشاك في دينه وعقيدته، أما الراسخ الثابت على العقيدة الصحيحة فإنه لا يخاصم ولا يجادل. فمما اشتهر بالتنقل والخصومات هم أهل البدع. ولذلك جاء رجل من أهل البدع إلى الإمام مالك بن أنس إمام دار الهجرة رحمه الله تعالى، فقال له هذا الرجل: "أريد أن أجادلك". فقال له الإمام مالك: "فإن غلبتني؟" قال: "اتبعني". قال: "فإن غلبتك؟" قال: "أتبعك". فقال الإمام مالك: "فإذا جاء ثالث وغلبنا جميعاً؟" قال: "نتبعه". فقال له: "اذهب إلى شاك مثلك، فإني على بينة من أمري. اذهب إلى شاك مثلك". فالدين ليس لمن غلب، الدين ليس لمن غلب، وإنما الدين والعقيدة لمن استدل من الكتاب والسنة. ولذلك ذم العلماء علم الكلام، لأن مبناه على ماذا؟ على الجدل والخصومات، وليس مبناه على أدلة الكتاب والسنة. فحذر العلماء من علم الكلام. فالشاهد من هذا أن المؤلف والناظم يريد أن يبين للسائل أن هذه العقيدة التي ستلقى عليه عقيدة راسخة ثابتة، لا يتزعزع أهلها ولا يرجعون عنها ولا يبدلونها بغيرها. وهذا فيه دليل على أن العقيدة من أعظم أسباب الثبات، العقيدة الصحيحة من أعظم أسباب الثبات. ويدل على ذلك قول الله سبحانه وتعالى: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾. فأهل العقيدة الصحيحة أهل ثبات. انظر إلى العلماء، علماء السنة، كم ابتلوا وضربوا وسجنوا من أجل أن يرجعوا عن العقيدة الصحيحة، فثبتهم الله. الإمام أحمد رحمه الله كم ابتلي من أجل مسألة من مسائل العقيدة، وهو القول بخلق القرآن. أراد الأمراء في ذاك الزمان ممن دخلت عليهم هذه العقيدة الفاسدة أن يلزموه وأن يلجؤوه إلى أن يقول بعقيدة خلق القرآن، فثبت، فثبته الله مع ضربهم له وسجنهم له، وليس أي ضرب، بل ضرب شديد حتى يغمى عليه رحمه الله، إلى أن جاء الفرج، ولم يستجب لهم، ولم يقل حتى بالتورية كما قال بها بعض من في زمنه، ثبته الله. وهكذا شيخ الإسلام ابن تيمية عليه رحمة الله، كم سجن من أجل هذه العقيدة، بسجن القلعة أكثر من مرة حتى مات في السجن. كل ذلك حتى يقول ببعض العقائد الفاسدة، فأبى وأصر على أن يبين عقيدة السلف، فثبته الله. والأمثلة على ذلك كثيرة. فإذا من أعظم أسباب الثبات على الدين العقيدة الصحيحة. وهذا يحثنا على الاهتمام بأمر العقيدة. لا تقول: يكفي، قد درست في العقيدة. العقيدة لا بد أن يكون لك فيها دروس في جميع حياتك. وإن درست جميع كتب العقيدة، أعد هذه الكتب، فلما تعيدها كأنك تدرسها في أول مرة، لأنها تغذي القلب. العقيدة ليست كغيرها من العلوم، ليست كعلم النحو أو علم الفقه أو علم الأصول، تضبط مسائل وانتهيت. لا، العقيدة لها تعلق بالقلب، وكلما تعلمت العقيدة خرجت من هذا الدرس بشحنة إيمانية. ولذلك علماء السنة في هذا الزمان لا يفترون من دراسة العقيدة، كلما انتهوا من كتاب فتحوا كتاباً آخر. فهذا يحثنا إلى الاهتمام بأمر العقيدة، لا نهون من شأنها، ولا نقول: أنا بحاجة إلى علوم أخرى. أصل العلوم علوم العقيدة والتوحيد. بل بعض العلماء يسمي العقيدة بالفقه الأكبر، بالفقه الأكبر. فالعقيدة بني عليها بقية العلوم، فمن فسدت عقيدته فسدت عبادته، وفسدت أخلاقه، وفسدت كذلك معاملاته. ثم قال رحمه الله: "حب الصحابة كلهم لي مذهب، ومودة القربى بها أتوسل". بدأ الآن في تفصيل مسائل الاعتقاد، وبدأ بمسألة حب الصحابة، لأن بحب الصحابة رضي الله تعالى عنهم صلاح العقيدة. فلذلك تجد الطاعنين في الصحابة رضي الله تعالى عنهم من أسوأ الناس حالاً، فجمعوا مع سبهم للصحابة عبادة غير الله والاستغاثة بغير الله، وجمعوا جميع الأخلاق الفاسدة الهابطة، فهم أهل معاصم وأهل فسق وفجور. فمن تجرأ على سب الصحابة وبغض الصحابة فسدت عقيدته وفسدت أخلاقه وفسدت أحواله جميعاً. فلذلك الرافضة والصوفية بدأوا الآن كذلك يسبون الصحابة، خصوصاً معاوية رضي الله تعالى عنهم، فتجد هؤلاء أهل خرافة، يعتقدون في تراب ويطوفون بالقبور ويستغيثون بغير الله، حتى في هيئاتهم حرموا الاقتداء بالنبي عليه الصلاة والسلام. فيتبين لك أهمية الابتداء بحب الصحابة. فمن أحب الصحابة وسلم قلبه من بغضهم وسبهم وعداوتهم، فهذا دليل على صحة عقيدته، وأنه يوفق إلى كل خير. فلذلك بدأ بهذا المبحث. وكما تعلمون أن من أوثق عرى الإيمان الحب في الله والبغض في الله، من أوثق عرى الإيمان يعني من أقواها وأشدها الحب في الله والبغض في الله. وأفضل وأعظم ما يحب المرء صحابة رسول الله عليه الصلاة والسلام، فهم أفضل الأمة بعد نبيها عليه الصلاة والسلام. وكما قال النبي صلى الله عليه وسلم: "إن من أوثق عرى الإيمان الحب في الله والبغض في الله". فحب الصحابة ينال به العبد أعلى الدرجات، حب الصحابة ينال به العبد أعلى الدرجات وأرفع الدرجات. يدل على ذلك حديث أنس: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم فقال: "يا رسول الله، الرجل يحب القوم ولما يلحق بهم"، يعني الرجل يحب القوم لكن عمله قاصر لا يستطيع أن يعمل مثل عملهم الصالح، لكنه يحبهم. فقال له النبي عليه الصلاة والسلام: "المرء مع من أحب". انظر، إذا أنت تحب الصحابة حباً صادقاً فأنت تحشر معهم، تحشر معهم وتكون في رفقتهم يوم القيامة: "المرء مع من أحب". أما إذا كنت تبغضهم فإنك لا تحشر معهم، بل تحشر مع الفساق والفجرة، لأنه لا يبغض الصحابة إلا فاسق أو كافر. فإذا لم تحب الصحابة فإنك لم تحب من يحبهم، وإنما تحب من يبغضهم، فأنت تحشر معهم. فإذا يتبين لنا هنا أهمية هذا المبحث، مبحث حب الصحابة رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم. فقول الناظم: "حب الصحابة كلهم لي مذهب"، هذا فيه رد على بعض الطوائف الذين أحبوا بعض الصحابة وأبغضوا البعض الآخر، مثل الرافضة أبغضوا أكثر الصحابة ولم يحبوا أو يوالوا بزعمهم إلا بعض الصحابة كالحسين وبعض ذريته، وأما غالب الصحابة فإنهم يبغضونهم بل ويكفرونهم. فاعتقاد أهل السنة والجماعة حب جميع الصحابة، أهل السنة ما يبغضون أحداً من صحابة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وهكذا فيه رد على النواصب الذين نصبوا العداء لأهل بيت النبوة، فأهل السنة وسط، يحبون أهل البيت حباً شرعياً ويحبون بقية الصحابة كذلك حباً شرعياً. فحب الصحابة دين يتقرب به إلى الله سبحانه وتعالى، ومن لازم حبهم الترضي عنهم والدعاء لهم، وسلامة القلب من كرههم وبغضهم والطعن فيهم، وهكذا سلامة اللسان من الكلام فيهم بالباطل والسب والشتم. وقد جاء ذلك في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِن بَعْدِهِمْ﴾، بعدما ذكر المهاجرين والأنصار في سورة الحشر، قال: ﴿يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِّلَّذِينَ آمَنُوا﴾. يرحمك الله. فقوله تعالى: ﴿يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا﴾، هذا فيه سلامة ألسنتهم، سلامة ألسنة المؤمنين من الطعن في الصحابة. وقوله: ﴿وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا﴾، هذا فيه سلامة قلوبهم من بغض الصحابة وكرههم ونحو ذلك. فإذا هذا معنى قول الناظم: "حب الصحابة كلهم لي مذهب". ومعنى "لي مذهب": يعني أذهب إليه وأعول عليه في الاعتقاد، فأعتقد حب الصحابة جميعاً، فهذا مذهبي وهذا اعتقادي في هذا الباب، باب الصحابة، لا كاعتقاد الرافضة ومذهبهم، ولا كاعتقاد الناصبة ومذهبهم، وإنما اعتقاد أهل السنة والجماعة في حب الصحابة جميعاً. ثم قال: "ومودة القربى بها أتوسل". ومعنى "مودة القربى": يعني محبة القربى، المودة يعني المحبة، والمراد بالقربى قرابة النبي عليه الصلاة والسلام، وهم أهل بيته. وأهل بيته هم من يجمعه بهم قرابة في جده الأقرب عبد المطلب، هؤلاء هم قرابة النبي عليه الصلاة والسلام وأهل بيته. ويدخل فيهم أي في آل البيت أزواجه عليه الصلاة والسلام. ومما يدل على ذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ﴾، هذه الآية وردت في سياق ذكر أمهات المؤمنين، فقال: ﴿أَهْلَ الْبَيْتِ﴾، يعني يا أهل البيت، فيكون الخطاب موجهاً إليهن. فأزواج النبي عليه الصلاة والسلام كذلك من القربى. فمحبة القربى عبادة وطاعة، وهذا فيه رد على الرافضة والصوفية الذين يزعمون أن أهل السنة لا يحبون آل بيت النبوة، وهذا ظلم. أهل السنة يحبونهم لكن حباً شرعياً، لا يغلون فيهم، لا يدعونهم من دون الله، لا يبنون على قبورهم الأضرحة والمشاهد، ولا يدعون لهم علم الغيب كما يدعي ذلك الرافضة. فأهل السنة يحبون آل بيت النبوة حباً شرعياً، فهم يتقربون إلى الله عز وجل بحب آل البيت، وهذا معنى قوله "أتوسل"، يعني أتقرب إلى الله تعالى بحبهم. فمن التوسل المشروع التوسل بالأعمال الصالحة، صح التوسل بالأعمال الصالحة. فهناك توسل مشروع وهناك توسل ممنوع. فالتوسل المشروع: التوسل بأسماء الله الحسنى وصفاته، والتوسل بالأعمال الصالحة، والتوسل بدعاء الرجل الصالح. هذا ما دلت عليه الأدلة، كما جاء في التوسل بالأعمال الصالحة حديث الثلاثة الذين انطبقت عليهم الصخرة، وكل واحد توسل بعبادة عظيمة كان يعملها، وذاك توسل ببره بوالديه، وذاك توسل بعفته عن الزنا، وذاك توسل بأمانته ووفائه بعهده، ففرج الله عنهم. وكذلك قوله: "ومودة القربى بها أتوسل"، عنه توسل بحب قرابة النبي عليه الصلاة والسلام، فهي عبادة. ولم يقل المؤلف هنا "أتوسل بذواتهم أو بجاههم"، فهذا لا يجوز، لا يجوز أن يتوسل بذات أحد أو بجاه أحد ولو كان النبي عليه الصلاة والسلام. وإنما هنا التوسل بحبهم، وحبهم عبادة، مثل قول الله عز وجل، كذلك هذا من أدلة التوسل بالعمل الصالح: ﴿رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا﴾، فتوسلوا بإيمانهم، والإيمان عبادة تقرب به العبد إلى الله سبحانه وتعالى. وهكذا مودة القربى عبادة يتوسل فيها العبد إلى الله سبحانه وتعالى. وقد أوصى النبي عليه الصلاة والسلام بقرابته خيراً، كما في حديث غدير خم: "أذكركم الله في أهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي"، كرر ذلك ثلاثاً عليه الصلاة والسلام. وهكذا أبو بكر في خلافته أوصى بقرابة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم خيراً. فإذا حب الصحابة كلهم، وحب كذلك آل البيت، هذا من أعظم أمور العقيدة، من أعظم أمور العقيدة، ولذلك ابتدأ بها المؤلف رحمه الله. سئل الحسن البصري رحمه الله تعالى عن حب أبي بكر وعمر: أهو سنة؟ قال: لا، بل فريضة. حب الصحابة فريضة، واجب، من لم يحبهم فهو آثم، من لم يحبهم فهو آثم. فحبهم واجب فريضة، ليس سنة، بل من صميم العقيدة. وهكذا جاء عن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه كما روى ذلك اللالكائي في اعتقاد السنة والجماعة، قال أنس بن مالك: "كانوا يعلمون الصغار حب أبي بكر وعمر كما يعلمونهم السورة من القرآن". فأنها عقيدة، أول ما ينشأ فيهم الناشئ من الغلمان يعلمونه حب أبي بكر وعمر، هذا يدل على أهمية هذا الباب، كما يعلمونهم السورة من القرآن، مثل ما يلقنونهم السورة حتى يحفظونها أو يتقنون حفظها، فكانوا كذلك يعلمونهم حب الصحابة. فإذا ينبغي علينا أن نبث هذا الأمر وأن نعتني به، لا سيما في هذا الزمان الذي تجرأ فيه الروافض، سواء كان في بلاد اليمن أو في غيرها، على سب الصحابة، على سب الصحابة. فينبغي أهل السنة أن يبثوا في مجتمعات المسلمين هذه العقيدة في الصحابة، وهو حبهم جميعاً، ونشر فضائلهم، وبيان مناقبهم، فهذا كله من صميم اعتقاد أهل السنة والجماعة. طيب، نكتفي بهذا، ونكمل ما بقي إن شاء الله في درس قادم. إلهنا الله تعالى. اشتركوا في القناة، اشتركوا في القناة، اشتركوا في القناة.