الدرس في التعليق على لامية شيخ الإسلام ابن تيمية 3، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يقرر شيخ الإسلام ابن تيمية علو قدر الصحابة وفضائلهم الثابتة بالكتاب والسنة، مبيناً أن أبا بكر الصديق أفضلهم بإجماع الأمة. يستعرض أدلة فضله كسبقته إلى الإسلام من الرجال الأحرار مع التوفيق بين الأقوال في أول من أسلم.
يستعرض المقطع أدلة الكتاب والسنة على فضل أبي بكر كآيات الغار والصدق وشهادة علي المتواترة. يسرد مناقبه كجمع القرآن وورعه، ويؤكد إجماع أهل السنة على ترتيبه أفضل الصحابة ثم عمر ثم عثمان ثم علي.
يبيّن المقطع منزلة أبي بكر بين الصحابة وسبب تسميته بالصديق لتصديقه في الإسراء، وصحبته في الغار وإنفاقه ماله وعتقه العبيد. يثبت فضله في القرآن والسنة وإجماع العلماء على صحبته.
يؤكد المقطع كفر من قذف عائشة رضي الله عنها لتكذيبه القرآن، ووجوب محبة أبي بكر وعمر كما كان السلف يعلمونه. يذكر ضعف حديث أول من يدخل الجنة، ويختم بتفاصيل وفاة أبي بكر ومدة خلافته.
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. وبعد: قال شيخ الإسلام ابن تيمية عليه رحمة الله في منظومته اللامية: "ولكلهم قدر على وفضائل، لكن ما الصديق منهم أفضل". قوله: "ولكلهم" أي: كل الصحابة بدون استثناء، فإن "كل" من ألفاظ العموم فيعم الصحابة جميعًا. وقوله: "قدر" أي: قدر رفيع وسامٍ وعظيم، وثواب جسيم. وهذا كله دل عليه أدلة الكتاب والسنة، دلت عليه أدلة الكتاب والسنة. فأما أدلة الكتاب: فقول الله سبحانه وتعالى: ﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾، فالصحابة يدخلون في هذه الآية دخولًا أوليًا لأنهم المخاطبون بهذه الآية، فالقرآن أنزل عليهم. وهكذا يدل على هذه المنزلة وهذا القدر العالي الرفيع والثواب الجسيم قوله تعالى: ﴿لَّقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾، فأخبر الله عز وجل أنه رضي عنهم، ولا شك أن هذه منزلة عالية. وكذلك قول النبي عليه الصلاة والسلام: "خير الناس قرني"، وهذه شهادة من النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لهم أنهم خير الناس، ولا شك أن هذه منزلة عالية رفيعة. وكذلك قول النبي عليه الصلاة والسلام مبينًا ثوابهم وعظيم أعمالهم: «لا تسبوا أصحابي، فوالذي نفسي بيده لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهبًا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه». فدل ذلك على أن أعمالهم مضاعفة وثوابهم عظيم، وذلك لأنهم نصروا هذا الدين وبذلوا كل غالٍ ونفيس من أجل هذا الدين، فضحوا بأنفسهم وبأموالهم وديارهم وكل ما يملكون من أجل نصرة هذا الدين العظيم، فلذلك رفع الله قدرهم وأعظم ثوابهم. فهذا معنى قوله: "ولكلهم قدر على وفضائل". فضائل كثيرة ذكرت لعموم الصحابة في القرآن وفي السنة، فقد أثنى الله عز وجل عليهم في قوله: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾، فهذا لا شك أنه ثناء عظيم. وكذلك قال الله عز وجل: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا﴾، فأثبت لهم صدق نيتهم وإخلاصهم، وقال: ﴿يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾، أثبت لهم نصر هذا الدين، ﴿أُولَٰئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾، أثبت لهم الصدق. لا شك أن هذه كلها فضائل عظيمة، هذا في حق المهاجرين. وأما في حق الأنصار: فقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِن بَعْدِهِمْ﴾، وقال الله عز وجل: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ﴾، فأثبت لهم محبة إخوانهم المهاجرين، ﴿وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾، فأثبت لهم هذا الخلق العظيم وهو خلق الإيثار، ﴿وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾، فأثبت لهم أو نفى عنهم صفة البخل وأثبت لهم الفلاح: ﴿أُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾، ﴿وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾. فلا شك أن هذا فضل عظيم. وقال الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿لَا يَسْتَوِي مِنكُم مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ ۚ أُولَٰئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِّنَ الَّذِينَ أَنفَقُوا مِن بَعْدُ وَقَاتَلُوا ۚ وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾، و﴿وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾ أي: الجنة. وهذا فضل عظيم لهؤلاء الصحابة، والأدلة على ذلك أكثر من أن تحصى وتحصر، ولكن في ذكر بعضها غنية عن ذكر غيرها. فهذا معنى قوله: "ولكلهم قدر على وفضائل"، يعني: لكل الصحابة. ثم قال: "لكن ما الصديق منهم أفضل". ويريد بالصديق هنا: أبو بكر الصديق، عبد الله بن عثمان بن أبي قحافة، رضي الله تعالى عنه وأرضاه. فهو أفضل الصحابة بالإجماع، أفضل الصحابة بالإجماع. وقد ذكر الشارح المرداوي رحمه الله جملة من فضائل الصديق رضي الله تعالى عنه، فلا بأس أن نقرأها وأن نبين حالها حتى نعلم منزلة هذا الصحابي الجليل، وهو أبو بكر رضي الله تعالى عنه وأرضاه. فقال الشارح المرداوي رحمه الله: "وكان علي بن أبي طالب يحلف بالله أن الله أنزل اسم أبي بكر الصديق من السماء". وهذا الأثر لا يثبت عن علي، الحلف بأن اسم أبي بكر نزل من السماء هذا لا يصح، أخرجه الحاكم والطبراني، وفيه محمد بن سليمان العبدي وهو مجهول. ولكن هناك فضائل كثيرة صحت سيأتي ذكرها. قال: "وهو أول الناس إسلامًا بالنبي صلى الله عليه وسلم"، وقيل: علي. وهذه مسألة مشهورة في كتب السيرة، وتكلم فيها العلماء: من هو أول من أسلم من الرجال؟ ومنهم من قال: أبو بكر، ومنهم من قال: علي، وقد وردت في هذا أدلة. فجاء عند الترمذي عن أبي سعيد قال: قال أبو بكر: "ألست أول من أسلم؟" وهذا الأثر منهم من حكم عليه بالإرسال. ولكن جاء عند البخاري من حديث عمار بن ياسر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وما معه إلا خمسة أعبد وامرأتان وأبو بكر»، فلم يذكر علي في هذا الحديث، وعلي ليس من الأعبد يعني: العبيد، فهو حر، فدل على أن الأعبد غير الأحرار، ودل على أن أبو بكر هو أول من أسلم، كما ذكر ذلك الحافظ في الفتح. وأما من قال بأن أول من أسلم علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه، فقد جاء في الترمذي بإسناد حسن عن زيد بن أرقم أنه قال: "أول من أسلم علي"، وهذا الحديث حسن، حسنه جماعة من أهل العلم. ومنهم من جمع بين القولين، كما نقل ذلك المرداوي، فقال: وقال أبو حنيفة الورع عنه: "أول من أسلم من الرجال الأحرار أبو بكر الصديق، ومن الصبيان علي بن أبي طالب رضي الله عنه، ومن النساء خديجة". وهذا الذي عليه جماعة من أهل العلم، وذكر ذلك أيضًا النووي. فيقال: جمعًا بين الأدلة: أول من أسلم من الرجال الأحرار أبو بكر الصديق، لأن عليًا كان صغيرًا صبيًا غلامًا، فمرادهم أول من أسلم يعني: من الكبار أبو بكر، وأول من أسلم من الصغار الغلمان علي بن أبي طالب. فهذا الذي عليه جماعة من أهل العلم. والشاهد من هذا أن أبا بكر رضي الله عنه أول من أسلم من الرجال، ولا شك أن هذه الأولوية فيها فضل أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه، إذ لم يتردد في قبول دعوة النبي عليه الصلاة والسلام، وقد عرف النبي عليه الصلاة والسلام لأبي بكر هذا، كما سيأتي معنا في قول النبي عليه الصلاة والسلام: «كذبتموني وآمن بي» أي: على أبي بكر رضي الله تعالى عنه. ثم قال الشارح: "وفضائل الصديق كثيرة شهيرة، وقد دونت في سجلات يعني: في كتب"، وصدق رحمه الله، فمن جمع في فضائل أبي بكر الصديق يستطيع أن يجمع كتابًا حافلًا كاملًا لكثرة فضائله رضي الله تعالى عنه. قال: "ويكفي في فضله ما ورد في الكتاب والسنة، كقوله تعالى: ﴿وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى﴾، وقال تعالى: ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ﴾". فقوله: ﴿وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى﴾ جاء في التفسير عن جماعة من السلف أن الأتقى هو أبو بكر، أن الأتقى هو أبو بكر الصديق رضي الله تعالى عنه وأرضاه. وأما قوله: ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ﴾، ذهب جماعة إلى أن قوله: "وصدق به" أبو بكر، لكن لم يثبت في ذلك حديث ولا يصح تعينه، ولكن أبو بكر لا شك أنه أولى الناس بالدخول في هذه الآية، أولى الناس بالدخول في هذه الآية، فهو أول من صدق بالنبي عليه الصلاة والسلام. قال: وقوله تعالى: ﴿إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ﴾، فصاحبه المراد به أبو بكر، هذا بإجماع المفسرين، ﴿إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ﴾ أي: لأبي بكر، فهو الذي كان صاحبه في الغار، وهذا أمر معلوم مشهور. قال: "إلى غير ذلك من الآيات والأحاديث". وقد أخرج الإمام أحمد وغيره عن علي بن أبي طالب قال: «خير الأمة بعد نبيها أبو بكر ثم عمر». وهذه شهادة من هذا الصحابي الجليل، بل قال رضي الله تعالى عنه وأرضاه: «من فضلني على أبي بكر وعمر فهو مفتر كذاب» أو كما قال رضي الله تعالى عنه. لذلك قال الشارح: قال الإمام الحافظ الذهبي: "وهذا متواتر عن علي رضي الله عنه، فلعنة الله على الرافضة ما أجهلهم". انتهى كلام الحافظ الذهبي. وهذا فيه جهل الرافضة الذين يقدمون عليًا على الشيخين أبي بكر وعمر، وهذا من جهلهم، بل ومن زندقتهم، وكذلك من تعصبهم. قال: "وقال المصنف في الفتاوى المصرية" يعني: شيخ الإسلام ابن تيمية، المصنف يريد شيخ الإسلام، قد نقل عن علي رضي الله عنه من نحو ثمانين وجهًا: «خير الأمة بعد نبيها أبو بكر ثم عمر». فأين يذهب الرافضة بمثل هذه الآثار عن علي؟ يعني: أن هذا الأثر متواتر عن علي بن أبي طالب، لم ينقله واحد ولا اثنان ولا ثلاثة، بل قال: نحو ثمانين وجهًا، ثمانين طريقًا، جاء هذا الأثر عن ثمانين وجهًا، أو من نحو ثمانين وجهًا. وهذا فيه فضل أبي بكر رضي الله عنه بشهادة هذا الصحابي الجليل. قال: "وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ﴾ قال: هو أبو بكر". وهذا رواه الهيثمي في المجمع، قال: رواه البزار، قال الهيثمي في المجمع: رواه البزار، وفيه عمر بن إبراهيم الهاشمي وهو كذاب. ولم يصح تعين من صدق بالنبي عليه الصلاة والسلام في هذه الآية، ولكن كما قلنا: أبو بكر رضي الله تعالى عنه أولى الناس بالدخول في هذه الآية، أو أولى الناس بالدخول في هذه الآية. قال: "في رواية البزار: جاء بالصدق أي: الحق هو محمد صلى الله عليه وسلم، وصدق به أبو بكر". وهذا أيضًا لم يصح. قال: "وهو يذكر فضائل أبي بكر الصديق رضي الله عنه: أسلم على يده جمع من الصحابة، فهو من دعاة الإسلام، وهو من من نشر دين الله سبحانه وتعالى ودعا إليه". قال: "أسلم على يده جمع من الصحابة، منهم: عثمان بن عفان، والزبير، وطلحة، وعبد الرحمن بن عوف، وسعد بن أبي وقاص، رضي الله عنهم". فانظر هؤلاء صحابة أجلاء، دعاهم أبو بكر إلى الإسلام، فوفقه الله لدخول هؤلاء في الإسلام. قال: "وهو أول من جمع القرآن"، وقصة جمع القرآن أخرجها البخاري من حديث زيد بن ثابت، فكان القرآن مكتوبًا متفرقًا في صحف، لكن كانت مفرقة، فجمعها أبو بكر في مكان واحد، ثم كانت بعده محفوظة إلى أن أمر عثمان بجمع هذه الصحف، فنُسِّقَت في ذلك المصحف الذي يسمى بمصحف عثمان. قال: "وقاء تحرجًا من الشبهات"، يريد أن من فضائل أبي بكر الورع، الورع عن الشبهات، ويشير إلى ما أخرجه الإمام البخاري من حديث عائشة رضي الله تعالى عنها أنها قالت: "كان لأبي بكر الصديق رضي الله عنه غلام يخرج له الخراج"، ومعنى "يخرج له الخراج" يعني: يذهب يعمل ثم يأتي بأجرة هذا العمل لأبي بكر، لأن أبا بكر سيده. وكان يأتي بأجرة عمله، هذا الغلام يأتي بأجرة عمله إلى أبي بكر. فقالت: "كان لأبي بكر غلام يخرج له الخراج، وكان أبو بكر يأكل من خراجه" يعني: من هذا المال. قالت: "فجاء يومًا بشيء فأكل منه أبو بكر، فقال له الغلام: أتدري ما هذا؟" أنظر: الطعام قد أدخله أبو بكر إلى بطنه، قد أدخله إلى بطنه، لا يدري بأن هذا المال مشبوه أو حرام، ما يدري. قال: "فقال له الغلام: تدري ما هذا؟ فقال أبو بكر: وما هو؟ فقال: هذا الغلام كنت أتكهنت لإنسان في الجاهلية، وما أحسن الكهانة إلا أني خدعته فأعطاني بذلك، فهذا الذي أكلت منه". قال: "لكنت في الجاهلية تصنع الكهانة، وأنا لست كاهنًا، لكن تعرف الناس تعلقون بأي أحد فتكهن، فأعطي مقابل هذه الكهانة مالًا، لكنه لم يعطه في الحال، وإنما آجلًا، فما أعطيه إلا وهو عبد لأبي بكر بعد الإسلام". وهذا يقع مثلًا: مال عند شخص يؤخره عنك إلى فترة قادمة، فهذا الغلام ما أعطي مقابل كهنته إلا فيما بعد، وهو عبد لأبي بكر رضي الله عنه، فلما أعطي هذا المال جاء به أو جاء به إلى أبي بكر. فماذا كان من أبي بكر؟ قال: "فأدخل أبو بكر يده فقاء كل شيء في بطنه، قاء كل شيء في بطنه" يعني: أخرج الطعام الذي أكله، قاء يعني: أدخل إصبعه حتى خرج كل ما في بطنه، لأن هذا مال حرام. مع أن العلماء قالوا: لا يلزمه ذلك لأنه جاهل وما يعلم، وما أكله وهو يعلم أنه حرام، ولكن هذا مما يدل على ورعه عن الشبهات رضي الله تعالى عنه وأرضاه. وهذا تعد من مناقبه. قال: "وأول من سمى القرآن مصحفًا، وأول من سمي خليفة". كم له من الأولويات رضي الله عنه! أول من أسلم، أول من جمع القرآن، أول من سمى القرآن مصحفًا، أول من سمي خليفة. له أولويات كثيرة رضي الله عنه. بل وقال هنا: "وأول من ولي الخلافة وأبوه حي"، يعني: أن أباه أبا قحافة تأخر موته، فلما ولي أبو بكر الخلافة لا يزال أبوه حيًا. قال: "ومناقبه رضي الله عنه كثيرة جدًا، ولا يزال سيستطرد في مناقبه". قال: "وهو أفضل الصحابة وخيرهم بإجماع أهل السنة، وأما غيرهم فلا عبرة بخلافهم كالشيعة أو الرافضة الذين يقدمون عليه عليًا، فهؤلاء لا عبرة بقولهم". قال: "فقد أجمع على أن أفضل الناس بعد النبيين والمرسلين: أبو بكر، ثم عمر، ثم عثمان، ثم علي، ثم التابعون، ثم تابعوهم". فهذه عقيدة أهل السنة، كما مر معنا أن أفضل الصحابة الخلفاء الأربعة، وترتيبهم في الفضل كترتيبهم في الخلافة، ثم يأتي بعدهم العشرة، بقية العشرة المبشرين بالجنة، ثم أهل... ثم أهل بدر، ثم أهل بيعة الرضوان، ثم من بعدهم، فيقدم المهاجرون على الأنصار، وهكذا فهم مراتب الصحابة، مراتب، وفيه جواز التفضيل، وهذا ما دلت عليه الأدلة. قال: "وسمي صديقًا لأنه أول... لأنه أول من صدق"، بناء على أنه أول من آمن، وهذا المشهور، ورد فيه حديث سيذكره لكن فيه كلام، ولكن المعنى صحيح: سمي صديقًا لأنه أول من صدق. وقيل: كذلك في حادثة الإسراء، لما جاء المشركون فقالوا وقالوا لأبي بكر: "أما تعلم ما قال صاحبك؟" فقالوا له: "يزعم أنه أسري به الليلة إلى بيت المقدس، ونحن نقطع الأشهر حتى نصل"، فصدق وقال لهم: "لقد صدق، إني لأصدقه بأبعد من ذلك بخبر السماء". فقيل: من أجل ذلك سمي الصديق. وسياتي هذا. قالوا: لهذا قال أبو محجن الثقفي فيه شعرًا: «سبقت إلى الإسلام والله شاهد، وكنت جليسًا بالعريش المشهر». قال: "وأول من اشتهر، وأول ما اشتهر سيدنا أبو بكر بهذا الاسم صبيحة ليلة الإسراء"، يعني: باسم الصديق، أول من اشتهر في صبيحة ليلة الإسراء. وأورد هذا الحديث فقال: "فقد أخرج الحاكم في المستدرك عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها وعن أبيها، قالت: جاء المشركون إلى أبي بكر فقالوا: هل لك إلى صاحبك يزعم أنه أسر به الليلة إلى بيت المقدس؟ قال: أو قال ذلك؟ قالوا: نعم. فقال: لقد صدق، إني لأصدقه، إني لأصدقه بأبعد من ذلك بخبر السماء غدوة وروحة. ولذلك سمي أبو بكر صديقًا". إسناده جيد، لكن الحديث فيه محمد بن كثير وهو ضعيف، وهو ضعيف، فالحديث فيه نظر، ولكن المعنى قد يكون صحيحًا. قال: "وفي الطبراني بسنده عن الشعبي قال: سألت ابن عباس رضي الله عنهما: أي الناس كان أول إسلامًا؟ قال: أبو بكر الصديق". وهذا قلنا يحمل على أول الناس من الرجال. قال: "لم تسمع قول حسان: إذا تذكرت شجوا من... إذا تذكرت شجوا من أخي ثقة، فاذكر أخاك أبا بكر بما فعل، خير البرية أتقاها وأعلمها، بعد النبي وأوفاها بما حملا، والثاني التالي المحمود مشهده". يريد: في الغار، ويشير إلى قول الله تعالى: ﴿ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ﴾. قال: "والثاني التالي المحمود مشهده، وأول الناس منهم صدق الرسل". من صحها طيب ينظر الوجد له شاهدا بشواهده. إذن ينظر ما هي هذه الشواهد، إن شاء الله ينظر، لأن الشيخ الألباني في بعض الروايات يختلف مع غيره في مسألة الاحتجاج بأحاديثهم، فينظر إلى هذه الشواهد إن شاء الله. رقم كم الحديث؟ ما الفين ثلاثمئة وستة، يعني في المجلد الأول، نعم: ثلاثمئة وستة. قال: "وفي صحيح البخاري عن أبي الدرداء رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «هل أنتم تاركوا لي صاحبي؟ إني قلت أيها الناس: إني رسول الله إليكم جميعًا، فقلتم: كذبت، فقال أبو بكر: صدقت»". وهذا الحديث كما ذكر في البخاري، ففيه... ففيه... ففيه فضل عظيم لأبي بكر، إذ هو أول من صدق وأسلم مع النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. قال: "قال الحافظ الذهبي وغيره من حفاظ الإسلام وأئمتهم: صحب أبو بكر النبي صلى الله عليه وعلى آله من حين أسلم إلى أن توفي، لم يفارق حضرًا ولا سفرًا إلا فيما أذن له فيه من حج أو غزو، وهو رفيقه في الغار، فهو ملازم للنبي عليه صلى الله عليه، وإذا يريد أن يذهب لغزو أو حج استأذن من النبي عليه الصلاة فأذن له". قال: "وهو رفيقه في الغار، قال الله تعالى: ﴿ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ﴾ الآية. وأنفق ما له على رسول الله صلى الله عليه وسلم". وهذا كأنه يشير إلى حديث عمر عند الترمذي، لما حث النبي عليه الصلاة والسلام على الصدقة، فقال عمر: وقد وافق مالًا عنده اليوم، أسابق أبا بكر إن سبقته يومًا. فذهب عمر فأتى بنصف ماله، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «ماذا تركت لأهلك؟» قال: مثله. ثم جاء أبو بكر بماله كله، ليس بنصف ماله، أتى بكل ماله، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «ماذا تركت لأهلك؟» قال: «تركت لهم الله ورسوله»، أي: لم أترك لهم مالًا. فهو أنفق ماله على رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال: "وهو أجود الصحابة رضي الله عنه، فكان يعتق من الصحابة من كان عبدًا، فقد أعتق بلالًا وغيره". قال: "قال ابن الجوزي الحنبلي: أجمع العلماء من المفسرين وغيرهم أن هذه الآية يعني: قوله ﴿وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى﴾ أنها نزلت في أبي بكر الصديق رضي الله عنه". وهذا ذكره المفسرون. أما في ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ﴾، هذا لم يأت فيه الجزم. قال: "وأسلم له لو أربعون ألف دينار فأنفقها على رسول الله صلى الله عليه وسلم". وهذا جاء من حديث عائشة عند ابن حبان وإسناده صحيح. قال: "وفي الصحيحين عن عمرو بن العاص رضي الله عنه قال: قلت: يا رسول الله، أي النساء أحب إليك؟ قال: عائشة. قلت: من الرجال؟ قال: أبوها. قلت: ثم من؟ قال: عمر بن الخطاب". والحديث في البخاري ومسلم كما ذكر. وهذا صريح في أفضلية أبي بكر على غيره من الصحابة. قال: "وأخرج ابن سعد بسنده عن الزهري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لحسان بن ثابت: «هل قلت في أبي بكر شيئًا؟» قال: نعم. قال: «قل وأنا أسمع». فقال: وثاني اثنين في الغار المنيف، وقد طاف العدو به إذ صعد الجبل، وكان حب رسول... وكان حب رسول الله قد علم من البرية لم يعدل به رجلًا". وهذا كل ثناء على أبي بكر رضي الله تعالى عنه. قال: "فضحك رسول صلى الله عليه وسلم حتى بدت نواجذه، ثم قال: «صدقت يا حسان، هو كما قلت»". وهذا لا يصح، فهو مرسل كما سمعت: الزهري مباشرة عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وفيه متهم بالكذب. نعم عندك ماذا؟ ضعيف، ضعيف جدًا. قال: "قال العلامة محمد بن أحمد السفاريني الحنبلي رحمه الله في شرح عقيدته: قد أجمع المسلمون أن المراد بالصاحب المذكور في الآية أنه أبو بكر الصديق، فنص القرآن على ثبوت صحبته، وهذه فضيلة لم يشاركوه فيها أحد من الصحابة"، يعني: لم يذكر في القرآن أحد بصفته إلا أبو بكر رضي الله تعالى عنه بصفته. قال: "ولهذا قال العلماء: من قال إن أبا بكر لم يكن من الصحابة كفر، لتكذيبه نص القرآن، لأن القرآن أثبت له الصحبة، فقال: ﴿إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ﴾، فالذي يقول: أبو بكر ليس بصحابي، فهذا تكذيب للقرآن". قال: "وذكروا مثلًا في من قذف عائشة أم المؤمنين، لأن القرآن نزل ببراءتها رضي الله عنها، وهؤلاء هم الروافض، هؤلاء هم الروافض. فمن رمى عائشة بما برأ الله منه، ولا يزال يصفها بالقبيح، فهو كافر". واستدل العلماء بهذا على كفر الرافضة الذين يقولون ذلك، يقولون: أن عائشة فيها كذا وكذا، ويذكرون ما برأها الله منه، لأن هذا تكذيب للقرآن. الله عز وجل برأها: ﴿أُولَٰئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ﴾، وهؤلاء لا يزالون يصفون بذلك، فهذا تكذيب للقرآن. فكما قال رحمه الله: فمن قذف عائشة فهو كافر لأنه مكذب بالقرآن. قال: "وورد عن الحسن أنه قيل له: حب أبي بكر وعمر سنة؟ قال: لا بل فريضة". وهذا فيه فضل هذين الشيخين والخليفتين: أبي بكر وعمر، أو أبي بكر وعمر. قال: "وعن مالك بن أنس رضي الله عنه وعنه أنه قال: كان السلف يعلمون أبناءهم حب أبي بكر وعمر كما يعلمون السورة من القرآن". وهذا خرجه اللالكائي. قالوا: "أما الرافضة فلجهلهم سلكوا خلاف هذا الطريق، وتفرقوا على أهوائهم وبدعهم، نعوذ بالله من الزيغ والضلال، لأنهم يسبون أبا بكر وعمر ويلعنونهم ويكفرونهم، والعياذ بالله، فقبحهم الله مع ظهور وصريح هذه الأدلة في فضل أبي بكر وعمر". قال: "وفي سنن أبي داود من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أما إنك يا أبا بكر أول من يدخل الجنة من أمتي»". وهذا الحديث ضعيف، ضعفه الألباني في المشكاة. ماذا عندك؟ ضعيف، ضعيف. نعم، ضعفه الشيخ الألباني في مشكاة المصابيح برقم ستة آلاف وأربع وعشرين. قال: "وقد ورد هذا الحديث من رواية جمع من الصحابة رضي الله عنهم، فهو من الأحاديث المتواترة، ولكن كما تقدم لا يصح، فهو متواتر في طبقة الصحابة، لكن فيما بعده ففيه ضعف". قال: "وكانت وفاته رضي الله عنه سنة ثلاث عشرة من الهجرة، وغسلته زوجته أسماء بنت عميس في وصية منه، وهذا فيه دليل على جواز تغسيل الزوج لزوجته، يجوز هذا لوصية أبي بكر بذلك، وصلى عليه عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وكانت خلافته سنتين، يعني: خلافة أبي بكر مدتها، وكانت خلافته سنتين وأربعة أشهر وعشر ليال، وهذا من تدقيق أهل العلم، ذكروا حتى الليالي: سنتان وأربعة أشهر وعشر ليال، وهذا بعد السنة الهجرية". طيب، نكتفي بهذا، وإلى هنا، والله تعالى أعلم. مدتها... وإلى... أحب... أحب... أحب... أحب... أحب