الدرس في التعليق على أصول في التفسير للعثيمين 13، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يحذر الشيخ من تفسير القرآن بالرأي ويبين أن القول على الله بغير علم من أعظم المحرمات، مستدلاً بآيات الوعيد الشديد. ويؤكد أن التزام الوحي هو السبيل الوحيد للسلامة في التفسير.
يشرح المقطع أن المرجع الأساسي في التفسير هو القرآن نفسه، حيث تفسر الآيات بعضها بعضاً بضرب أمثلة واضحة. ويُعد هذا المنهج أساساً قبل الرجوع إلى غيره من المصادر.
يبيّن أن السنة النبوية تأتي في المرتبة الثانية لتفسير القرآن، حيث تفسر المجمل وتوضح المراد، مع أمثلة كقول النبي صلى الله عليه وسلم: «ألا إن القوة الرمي».
يعرض المقطع مكانة أقوال الصحابة رضي الله عنهم لتميزهم باللغة والعدالة، ثم أقوال التابعين لقربهم من عصر الوحي، محذراً من مخالفة منهج السلف في التفسير.
الحمد لله، وصلى الله وسلم على رسول الله، وعلى آله وصحبه أجمعين. أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد، قال العلامة ابن عثيمين عليه رحمة الله في كتابه "أصول في التفسير": "قال: الواجب على المسلم في تفسير القرآن...". ومعنى "الواجب على المسلم في تفسير القرآن" يعني: لا يفسر القرآن من تلقاء نفسه، بل يتقيد بما ذكره العلماء من تفسير القرآن ومن بيان معانيه. قال: "الواجب على المسلم في تفسير القرآن أن يشعر نفسه"، يعني: يستشعر في نفسه حين يفسر القرآن بأنه مترجم عن الله تعالى، شاهد عليه بما أراد من كلامه، فيكون معظماً لهذه الشهادة، خائفاً من أن يقول على الله بلا علم، فيقع فيما حرم الله. أنت الآن لا تفسر أي كلام من كلام البشر، أنت تفسر كلام الله، فاحذر أن تجتهد في تفسير آية أو تفسير كلمة ما طلعت على كلام أهل العلم فيها. لا تقول مثلاً: "أظن أن معنى كذا كذا وكذا"، وأنت لم تقف على تفسير هذه الآية أو على تفسير هذه الكلمة؛ لأنك تفسر كلام الله. فإذا فسرت كلام الله تفسيراً خاطئاً، قلت على الله عز وجل بغير علم، قلت على الله عز وجل بغير علم. ينبغي أن تخاف من ذلك في هذا الموضع خاصة، وفي غيرها من المواضع، حتى السنة أو العلم الشرعي، لكن في القرآن أعظم؛ لأنك كما قال: مترجم عن الله تعالى، شاهد عليه بما أراد. أنت تقول: "أراد الله كذا"، وفي الحقيقة لم يرد الله عز وجل ما قلت؛ لأنك فسرت القرآن من تلقاء نفسك. فهمتم هذا الآن؟ قال: "فيقع فيما حرم الله، فيخزى بذلك يوم القيامة"، لأن هذا إثم عظيم. القول على الله بغير علم إثم عظيم. قال الله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾. الشاهد: ﴿وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾. وقد ذكر ابن القيم أن في هذه الآية ذكر ربنا عز وجل المحرمات من الأدنى إلى الأعلى، فأعلى المحرمات ذكر في آخر الآية، وهو قوله: ﴿وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾. وقد يقول قائل: أليس الشرك بالله أعظم الذنب؟ فيقال: نعم، لكن القول على الله بغير علم هو شرك وزيادة. لماذا؟ لأنك قد تقول على الله بغير علم فتشرك بالله، وتدعو إلى الشرك، فلا تشرك في نفسك بل تدعو غيرك إلى أن يشرك، كما هو حال دعاة أهل الضلال. دعاة أهل الضلال يدعون عامة الناس إلى عبادة القبور والاستغاثة بهم ودعائهم ونحو ذلك. فهؤلاء قالوا على الله بغير علم، ووقعوا في الشرك، وأوقعوا غيرهم في الشرك. فصح ما قاله ابن القيم: أن الله عز وجل في هذه الآية ذكر المحرمات من الأدنى إلى الأعلى. وقال تعالى: ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ﴾. وهذا معنى قولي: "فيخزى بذلك يوم القيامة". وأعظم الخزي أن يكون وجهك مسوداً. وما سبب ذلك؟ القول على الله بغير علم، الكذب على الله. فمن قال في القرآن بغير علم فقد كذب على الله، ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ﴾. ﴿أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْمُتَكَبِّرِينَ﴾. طيب، يؤذن المؤذن، ثم نقرأ ما بقي إن شاء الله. قال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله: "المرجع في تفسير القرآن"، يعني: بماذا يفسر القرآن؟ إذا أردت أن تفسر القرآن فأين ترجع، ومن أين تأخذ تفسير القرآن؟ قال: "يرجع تفسير القرآن إلى ما يأتي: أولاً: كلام الله تعالى، فيفسر القرآن بالقرآن؛ لأن الله تعالى هو الذي أنزله وهو أعلم بما أراد به، وهذا أفضل أنواع التفسير، ولذلك أورده أولاً. يفسر القرآن بالقرآن فيما ورد في ذلك من تفسير القرآن بالقرآن". وضرب الشيخ على ذلك ثلاثة أمثلة. قال: "ولذلك أمثلة منها: أولاً: قوله تعالى: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾. فإذا سألك سائل: من هم أولياء الله؟ هل هم الذين على قبورهم الأضرحة والمشاهد والقباب والبناء؟ أو هو الذي لا عقل له مجنون؟ أو هو الذي من قبيل معينة؟ أو من هو هذا الولي؟ تجد تفسير ذلك أين؟ في القرآن. ماذا قال الله عز وجل بعد هذه الآية؟ فقد فسر أولياء الله بقوله في الآية التي تليها: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾. هذا هو الولي، سواء كان عربياً أو أعجمياً، أسود أو أبيض، ذكراً أو أنثى، شريفاً في النسب أو وضيعاً، كما قال شيخ الإسلام: كل مؤمن تقي فهو لله ولي. وهذا أخذناه من أين؟ من القرآن: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾. فهذا مثال لتفسير القرآن بالقرآن. المثال الثاني: قوله تعالى: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا الطَّارِقُ﴾. فإذا سئلت: ما هو الطارق؟ ما معنى الطارق؟ جاء تفسيره في الآية التي بعده، وهذا من تفسير القرآن بالقرآن. قال: فقد فسر الطارق بقوله في الآية الثانية: ﴿النَّجْمُ الثَّاقِبُ﴾، فهو اسم للنجم، ولذلك قال: ﴿النَّجْمُ الثَّاقِبُ﴾. هذا مثال ثانٍ. مثال ثالث: قوله تعالى: ﴿وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا﴾. فما معنى دحاها؟ قال: فقد فسر دحاها بقوله في الآيتين بعدها: ﴿أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا * وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا﴾. فدحي الأرض: ما أخرج منها من ماء ومرعى، وما أرسى فيها من جبال. هذا معنى دحاها. من أين أخذنا هذا التفسير؟ من القرآن. ففسر القرآن القرآن. هذا أول مرجع يفسر به القرآن، وهو تفسير القرآن بالقرآن". قال: "ثانياً: يعني ممن يرجع إليه في تفسير القرآن، كلام رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فيفسر القرآن بالسنة. وهذا يأتي في الدرجة الثانية في تفسير القرآن: تفسير القرآن بكلام رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. قال: لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم مبلغ عن الله تعالى، فهو أعلم الناس بمراد الله تعالى بكلامه، والسنة مبينة للقرآن، والسنة مبينة للقرآن". وضرب على ذلك مثالين. قال: "ولذلك أمثلة منها: قوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾. الحسنى: الجنة، وزيادة. قد يسأل: ما هي الزيادة هذه؟ جاء تفسيرها في ماذا؟ في السنة، وأنها النظر إلى وجه الله سبحانه وتعالى، أو إلى الرب سبحانه وتعالى. قال: فقد فسر النبي صلى الله عليه وسلم الزيادة بالنظر إلى وجه الله تعالى، فيما رواه ابن جرير وابن أبي حاتم صريحاً من حديث أبي موسى وأبي بن كعب، ورواه ابن جرير من حديث كعب بن عجرة، وفي صحيح مسلم عن صهيب بن سنان عن النبي صلى الله عليه وسلم في حديث قال فيه: ﴿فَإِذَا هُمْ يَنْظُرُونَ﴾... فيكشف الحجاب، أو فيكشف الحجاب، فما أعطوا شيئاً أحب إليهم من النظر إلى ربهم عز وجل، ثم تلا هذه الآية: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾. فإذا هذا تفسير من النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. مثال ثاني: قول تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾. فما هي القوة؟ جاء تفسيرها في ماذا؟ في السنة. قال: فقد فسر النبي صلى الله عليه وسلم القوة بالرمي، رواه مسلم. قال: ﴿أَلَا إِنَّ الْقُوَّةَ الرَّمْيُ، أَلَا إِنَّ الْقُوَّةَ الرَّمْيُ، أَلَا إِنَّ الْقُوَّةَ الرَّمْيُ﴾. ومعناه: أن أعظم أسباب القوة الرمي. وقد ذكر الحكم في ذلك: أن الرمي قد يرمي قائداً كبيراً من قادات العدو فيقتله، فيكون سبباً لهزيمة الجيش. فالرمي مهم جداً في الجهاد في سبيل الله وفي الإعداد، ولذلك اعتنى الإسلام بالحث والتشجيع على الرمي، وليس هذا موضعه". قال: "ثالثاً: يعني مما يفسر به القرآن ويرجع إليه في تفسير القرآن، كلام الصحابة رضي الله عنهم، لا سيما ذو العلم منهم والعناية بالتفسير؛ لأن القرآن نزل بلغتهم وفي عصرهم، ولأنهم بعد الأنبياء أصدق الناس في طلب الحق، وأسلمهم من الأهواء، وأطهرهم من المخالفة التي تحول بين المرء وبين التوفيق للصواب. فالصحابة هم أعلم بعد نبي الله صلى الله عليه وسلم بالقرآن للأسباب التي ذكرها الشيخ: لأن القرآن نزل بلغتهم، ولم تتلوث لغتهم بلغات غير العرب، فكانوا هم العرب الفصحاء البلغاء، فهم أعلم وأدرى بلغة القرآن. ولأن الصحابة عدول ثقات، فلا يفسر أحد منهم القرآن بما يوافق مذهبه؛ لأنهم ليسوا أصحاب أهواء ولا محدثات ولا مخالفات. فهم كما ذكر: أصدق الناس في طلب الحق، وأسلمهم من الأهواء، وأطهرهم من المخالفة. قال: ولذلك أمثلة كثيرة جداً، يعني تفسير الصحابة للقرآن. وأنت إذا قرأت في التفسير، كتفسير ابن كثير وغيره، تجد النقول الكثيرة عن الصحابة في تفسير القرآن. ولذلك ذكر العلماء أن المفسر لا ينبغي له أن يخرج في تفسيره عن ما جاء عن الصحابة وعن السلف، ولا يحدث قولاً جديداً في تفسير القرآن. وهذا فيه رد على الذين يفسرون القرآن بأهوائهم، كالذين يدعون علم الإعجاز العلمي، فيفسرون القرآن بما يواكب أهوائهم، ولا يرجعون إلى كلام الصحابة ومن بعدهم من التابعين من أهل الفضل والعلم. قال: ولذلك أمثلة كثيرة جداً منها: قولوا تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾. فقد صح عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه فسر الملامس بالجماع، خلافاً لمن فسرها باللمس باليد، فجعل لمس المرأة الأجنبية ناقضاً للوضوء. وهذا غير صحيح؛ لأن ترجمان القرآن وأعلم الناس بتأويل القرآن، ابن عباس، فسر الملامس بالمجامعة: أن يجامع الزوج زوجته. فإذا كان الأمر كذلك فهنا يجب عليه أن يتطهر. أما إذا لامس زوجته بيده فالصحيح أن ذلك لا ينقض الوضوء، بل جاءت السنة تبين أن ذلك لا يضر. لقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي في الليل وكانت عائشة معترضة أمامه، فإذا أراد السجود غمزها بيده، يعني: مسها. فلو كان مس المرأة ينقض الوضوء ما استمر في صلاته عليه الصلاة والسلام. فإذا فسر الملامس بماذا؟ بالجماع. وهذا فيه تفسير السلف. ومن ذلك قول الله عز وجل: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾. أهل الأهواء يفسرون الآية بأهوائهم، أهل التكفير يفسرون الكفر هنا بالكفر المخرج من الملة، فيقولون: الحاكم الذي لا يحكم بغير ما أنزل الله فهو كافر مطلقاً، دون تفصيل: هل حكم معتقداً أن حكم غير الله أفضل أو مساوياً لحكم الله؟ أو لم يفصل؟ فبمجرد أن يحكم بغير ما أنزل الله عندهم كافر. هذا مذهب الخوارج. ولو رجعوا إلى تفسير ابن عباس، ترجمان القرآن وأعلم الصحابة بتأويل القرآن، لما ذهبوا هذا المذهب، ولما فسروا الآية بهذا التفسير. فجاء عن ابن عباس أنه قال: "ليس الكفر الذي تعنون، إنما هو كفر دون كفر"، يعني: فسر الكفر هنا بالكفر الأصغر الذي لا يخرج من الملة، الذي لا يخرج من الملة. فإذن ينبغي للمسلم أن يرجع بتفسير القرآن إلى كلام الصحابة، وهذا هو المصدر الثالث في تفسير القرآن بعد الكتاب والسنة". قال: "رابعاً: كلام التابعين الذين اعتنوا بأخذ التفسير عن الصحابة رضي الله عنهم؛ لأن التابعين خير الناس بعد الصحابة، وأسلم من الأهواء ممن بعدهم. قول النبي عليه الصلاة والسلام: «خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم». فالتابعون كذلك أقرب إلى الصواب والحق. قال: ولم تكن اللغة العربية تغيرت كثيراً في عصرهم، فكانوا أقرب إلى الصواب في فهم القرآن ممن بعدهم. وهذا واضح. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: إذا أجمعوا يعني التابعين على الشيء، فلا يغتاب في كونه حجة، يعني: لا يشك أحد في أنه حجة، وأنه هو المراد في تفسير القرآن. قال: فإن اختلفوا، فلا يكون قول بعضهم حجة على بعض، هذا عند الاختلاف، ولا على من بعده، ويرجع في ذلك إلى لغة القرآن، يعني: إلى ما يدل عليه القرآن أو السنة، أو عموم لغة العرب، أو أقوال الصحابة في ذلك. وهذا هو طريق المفسرين كابن كثير وغيره: يجمع بين الأقوال، ويذكر خلاف المفسرين في معنى الآية، ثم يرجح على حسب ما ترجح له ودل عليه الدليل. وقال أيضاً، أي شيخ الإسلام، وكلامه هذا في مجموع الفتاوى: «من عدل عن مذاهب الصحابة والتابعين وتفسيرهم إلى ما يخالف ذلك، كان مخطئاً في ذلك بل مبتدعاً». انظر: يعني أحدث أقوال في التفسير لم ترد عن الصحابة ولا عن التابعين، فلا يجوز أن يحدث قولاً يخالف قول الصحابة والتابعين. فمن عدل عن مذاهب الصحابة والتابعين وتفسيرهم إلى ما يخالف ذلك، يعني: ما يخالف ما عليه الصحابة والتابعون، كان مخطئاً في ذلك بل مبتدعاً، وإن كان مجتهداً مغفوراً له خطأه. ثم قال: «فمن خالف قولهم وفسر القرآن بخلاف تفسيرهم، فقد أخطأ في الدليل والمدلول جميعاً». أخطأ في الدليل، يعني: في منهج التفسير. فمن المنهج الصحيح الذي ينبغي أن يسير عليه المفسر أن يأخذ التفسير من الصحابة والتابعين. والمدلول: يعني ما ذكره من تفسير في هذه الآية يخالف ما عليه الصحابة، فهو ضال، مخطئ في منهج تفسيره، وفي كذلك تفسيره لهذه الآية أو تلك. وهذا كله يدل على أن التفسير ينبغي أن يدقق فيه، ينبغي أن يدقق فيه كما تقدم، وأن لا يتكلم فيه بغير علم، بل يرجع في تفسيره إلى أقوال الصحابة. وابن جرير الطبري في تفسيره ذكر في مواضع كثيرة من تفسيره آثاراً كثيرة عن الصحابة والتابعين ومن تبعهم بإحسان في تفسير القرآن. فالمنهج الصحيح في تفسير القرآن: الرجوع إلى تفسير السلف، وأن يفسر القرآن بما جاء عن السلف رحمهم الله تعالى. نكتفي بهذا، ونكمل ما بقي إن شاء الله في درس قادم. إلى هنا، والله تعالى أعلم. ترجمة نانسي قنقر ترجمة نانسي قنقرالحمد لله، وصلى الله وسلم على رسول الله، وعلى آله وصحبه أجمعين. أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد، قال العلامة ابن عثيمين عليه رحمة الله في كتابه "أصول في التفسير": "قال: الواجب على المسلم في تفسير القرآن...". ومعنى "الواجب على المسلم في تفسير القرآن" يعني: لا يفسر القرآن من تلقاء نفسه، بل يتقيد بما ذكره العلماء من تفسير القرآن ومن بيان معانيه. قال: "الواجب على المسلم في تفسير القرآن أن يشعر نفسه"، يعني: يستشعر في نفسه حين يفسر القرآن بأنه مترجم عن الله تعالى، شاهد عليه بما أراد من كلامه، فيكون معظماً لهذه الشهادة، خائفاً من أن يقول على الله بلا علم، فيقع فيما حرم الله. أنت الآن لا تفسر أي كلام من كلام البشر، أنت تفسر كلام الله، فاحذر أن تجتهد في تفسير آية أو تفسير كلمة ما طلعت على كلام أهل العلم فيها. لا تقول مثلاً: "أظن أن معنى كذا كذا وكذا"، وأنت لم تقف على تفسير هذه الآية أو على تفسير هذه الكلمة؛ لأنك تفسر كلام الله. فإذا فسرت كلام الله تفسيراً خاطئاً، قلت على الله عز وجل بغير علم، قلت على الله عز وجل بغير علم. ينبغي أن تخاف من ذلك في هذا الموضع خاصة، وفي غيرها من المواضع، حتى السنة أو العلم الشرعي، لكن في القرآن أعظم؛ لأنك كما قال: مترجم عن الله تعالى، شاهد عليه بما أراد. أنت تقول: "أراد الله كذا"، وفي الحقيقة لم يرد الله عز وجل ما قلت؛ لأنك فسرت القرآن من تلقاء نفسك. فهمتم هذا الآن؟ قال: "فيقع فيما حرم الله، فيخزى بذلك يوم القيامة"، لأن هذا إثم عظيم. القول على الله بغير علم إثم عظيم. قال الله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾. الشاهد: ﴿وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾. وقد ذكر ابن القيم أن في هذه الآية ذكر ربنا عز وجل المحرمات من الأدنى إلى الأعلى، فأعلى المحرمات ذكر في آخر الآية، وهو قوله: ﴿وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾. وقد يقول قائل: أليس الشرك بالله أعظم الذنب؟ فيقال: نعم، لكن القول على الله بغير علم هو شرك وزيادة. لماذا؟ لأنك قد تقول على الله بغير علم فتشرك بالله، وتدعو إلى الشرك، فلا تشرك في نفسك بل تدعو غيرك إلى أن يشرك، كما هو حال دعاة أهل الضلال. دعاة أهل الضلال يدعون عامة الناس إلى عبادة القبور والاستغاثة بهم ودعائهم ونحو ذلك. فهؤلاء قالوا على الله بغير علم، ووقعوا في الشرك، وأوقعوا غيرهم في الشرك. فصح ما قاله ابن القيم: أن الله عز وجل في هذه الآية ذكر المحرمات من الأدنى إلى الأعلى. وقال تعالى: ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ﴾. وهذا معنى قولي: "فيخزى بذلك يوم القيامة". وأعظم الخزي أن يكون وجهك مسوداً. وما سبب ذلك؟ القول على الله بغير علم، الكذب على الله. فمن قال في القرآن بغير علم فقد كذب على الله، ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ﴾. ﴿أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْمُتَكَبِّرِينَ﴾. طيب، يؤذن المؤذن، ثم نقرأ ما بقي إن شاء الله. قال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله: "المرجع في تفسير القرآن"، يعني: بماذا يفسر القرآن؟ إذا أردت أن تفسر القرآن فأين ترجع، ومن أين تأخذ تفسير القرآن؟ قال: "يرجع تفسير القرآن إلى ما يأتي: أولاً: كلام الله تعالى، فيفسر القرآن بالقرآن؛ لأن الله تعالى هو الذي أنزله وهو أعلم بما أراد به، وهذا أفضل أنواع التفسير، ولذلك أورده أولاً. يفسر القرآن بالقرآن فيما ورد في ذلك من تفسير القرآن بالقرآن". وضرب الشيخ على ذلك ثلاثة أمثلة. قال: "ولذلك أمثلة منها: أولاً: قوله تعالى: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾. فإذا سألك سائل: من هم أولياء الله؟ هل هم الذين على قبورهم الأضرحة والمشاهد والقباب والبناء؟ أو هو الذي لا عقل له مجنون؟ أو هو الذي من قبيل معينة؟ أو من هو هذا الولي؟ تجد تفسير ذلك أين؟ في القرآن. ماذا قال الله عز وجل بعد هذه الآية؟ فقد فسر أولياء الله بقوله في الآية التي تليها: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾. هذا هو الولي، سواء كان عربياً أو أعجمياً، أسود أو أبيض، ذكراً أو أنثى، شريفاً في النسب أو وضيعاً، كما قال شيخ الإسلام: كل مؤمن تقي فهو لله ولي. وهذا أخذناه من أين؟ من القرآن: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾. فهذا مثال لتفسير القرآن بالقرآن. المثال الثاني: قوله تعالى: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا الطَّارِقُ﴾. فإذا سئلت: ما هو الطارق؟ ما معنى الطارق؟ جاء تفسيره في الآية التي بعده، وهذا من تفسير القرآن بالقرآن. قال: فقد فسر الطارق بقوله في الآية الثانية: ﴿النَّجْمُ الثَّاقِبُ﴾، فهو اسم للنجم، ولذلك قال: ﴿النَّجْمُ الثَّاقِبُ﴾. هذا مثال ثانٍ. مثال ثالث: قوله تعالى: ﴿وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا﴾. فما معنى دحاها؟ قال: فقد فسر دحاها بقوله في الآيتين بعدها: ﴿أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا * وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا﴾. فدحي الأرض: ما أخرج منها من ماء ومرعى، وما أرسى فيها من جبال. هذا معنى دحاها. من أين أخذنا هذا التفسير؟ من القرآن. ففسر القرآن القرآن. هذا أول مرجع يفسر به القرآن، وهو تفسير القرآن بالقرآن". قال: "ثانياً: يعني ممن يرجع إليه في تفسير القرآن، كلام رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فيفسر القرآن بالسنة. وهذا يأتي في الدرجة الثانية في تفسير القرآن: تفسير القرآن بكلام رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. قال: لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم مبلغ عن الله تعالى، فهو أعلم الناس بمراد الله تعالى بكلامه، والسنة مبينة للقرآن، والسنة مبينة للقرآن". وضرب على ذلك مثالين. قال: "ولذلك أمثلة منها: قوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾. الحسنى: الجنة، وزيادة. قد يسأل: ما هي الزيادة هذه؟ جاء تفسيرها في ماذا؟ في السنة، وأنها النظر إلى وجه الله سبحانه وتعالى، أو إلى الرب سبحانه وتعالى. قال: فقد فسر النبي صلى الله عليه وسلم الزيادة بالنظر إلى وجه الله تعالى، فيما رواه ابن جرير وابن أبي حاتم صريحاً من حديث أبي موسى وأبي بن كعب، ورواه ابن جرير من حديث كعب بن عجرة، وفي صحيح مسلم عن صهيب بن سنان عن النبي صلى الله عليه وسلم في حديث قال فيه: ﴿فَإِذَا هُمْ يَنْظُرُونَ﴾... فيكشف الحجاب، أو فيكشف الحجاب، فما أعطوا شيئاً أحب إليهم من النظر إلى ربهم عز وجل، ثم تلا هذه الآية: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾. فإذا هذا تفسير من النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. مثال ثاني: قول تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾. فما هي القوة؟ جاء تفسيرها في ماذا؟ في السنة. قال: فقد فسر النبي صلى الله عليه وسلم القوة بالرمي، رواه مسلم. قال: ﴿أَلَا إِنَّ الْقُوَّةَ الرَّمْيُ، أَلَا إِنَّ الْقُوَّةَ الرَّمْيُ، أَلَا إِنَّ الْقُوَّةَ الرَّمْيُ﴾. ومعناه: أن أعظم أسباب القوة الرمي. وقد ذكر الحكم في ذلك: أن الرمي قد يرمي قائداً كبيراً من قادات العدو فيقتله، فيكون سبباً لهزيمة الجيش. فالرمي مهم جداً في الجهاد في سبيل الله وفي الإعداد، ولذلك اعتنى الإسلام بالحث والتشجيع على الرمي، وليس هذا موضعه". قال: "ثالثاً: يعني مما يفسر به القرآن ويرجع إليه في تفسير القرآن، كلام الصحابة رضي الله عنهم، لا سيما ذو العلم منهم والعناية بالتفسير؛ لأن القرآن نزل بلغتهم وفي عصرهم، ولأنهم بعد الأنبياء أصدق الناس في طلب الحق، وأسلمهم من الأهواء، وأطهرهم من المخالفة التي تحول بين المرء وبين التوفيق للصواب. فالصحابة هم أعلم بعد نبي الله صلى الله عليه وسلم بالقرآن للأسباب التي ذكرها الشيخ: لأن القرآن نزل بلغتهم، ولم تتلوث لغتهم بلغات غير العرب، فكانوا هم العرب الفصحاء البلغاء، فهم أعلم وأدرى بلغة القرآن. ولأن الصحابة عدول ثقات، فلا يفسر أحد منهم القرآن بما يوافق مذهبه؛ لأنهم ليسوا أصحاب أهواء ولا محدثات ولا مخالفات. فهم كما ذكر: أصدق الناس في طلب الحق، وأسلمهم من الأهواء، وأطهرهم من المخالفة. قال: ولذلك أمثلة كثيرة جداً، يعني تفسير الصحابة للقرآن. وأنت إذا قرأت في التفسير، كتفسير ابن كثير وغيره، تجد النقول الكثيرة عن الصحابة في تفسير القرآن. ولذلك ذكر العلماء أن المفسر لا ينبغي له أن يخرج في تفسيره عن ما جاء عن الصحابة وعن السلف، ولا يحدث قولاً جديداً في تفسير القرآن. وهذا فيه رد على الذين يفسرون القرآن بأهوائهم، كالذين يدعون علم الإعجاز العلمي، فيفسرون القرآن بما يواكب أهوائهم، ولا يرجعون إلى كلام الصحابة ومن بعدهم من التابعين من أهل الفضل والعلم. قال: ولذلك أمثلة كثيرة جداً منها: قولوا تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾. فقد صح عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه فسر الملامس بالجماع، خلافاً لمن فسرها باللمس باليد، فجعل لمس المرأة الأجنبية ناقضاً للوضوء. وهذا غير صحيح؛ لأن ترجمان القرآن وأعلم الناس بتأويل القرآن، ابن عباس، فسر الملامس بالمجامعة: أن يجامع الزوج زوجته. فإذا كان الأمر كذلك فهنا يجب عليه أن يتطهر. أما إذا لامس زوجته بيده فالصحيح أن ذلك لا ينقض الوضوء، بل جاءت السنة تبين أن ذلك لا يضر. لقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي في الليل وكانت عائشة معترضة أمامه، فإذا أراد السجود غمزها بيده، يعني: مسها. فلو كان مس المرأة ينقض الوضوء ما استمر في صلاته عليه الصلاة والسلام. فإذا فسر الملامس بماذا؟ بالجماع. وهذا فيه تفسير السلف. ومن ذلك قول الله عز وجل: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾. أهل الأهواء يفسرون الآية بأهوائهم، أهل التكفير يفسرون الكفر هنا بالكفر المخرج من الملة، فيقولون: الحاكم الذي لا يحكم بغير ما أنزل الله فهو كافر مطلقاً، دون تفصيل: هل حكم معتقداً أن حكم غير الله أفضل أو مساوياً لحكم الله؟ أو لم يفصل؟ فبمجرد أن يحكم بغير ما أنزل الله عندهم كافر. هذا مذهب الخوارج. ولو رجعوا إلى تفسير ابن عباس، ترجمان القرآن وأعلم الصحابة بتأويل القرآن، لما ذهبوا هذا المذهب، ولما فسروا الآية بهذا التفسير. فجاء عن ابن عباس أنه قال: "ليس الكفر الذي تعنون، إنما هو كفر دون كفر"، يعني: فسر الكفر هنا بالكفر الأصغر الذي لا يخرج من الملة، الذي لا يخرج من الملة. فإذن ينبغي للمسلم أن يرجع بتفسير القرآن إلى كلام الصحابة، وهذا هو المصدر الثالث في تفسير القرآن بعد الكتاب والسنة". قال: "رابعاً: كلام التابعين الذين اعتنوا بأخذ التفسير عن الصحابة رضي الله عنهم؛ لأن التابعين خير الناس بعد الصحابة، وأسلم من الأهواء ممن بعدهم. قول النبي عليه الصلاة والسلام: «خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم». فالتابعون كذلك أقرب إلى الصواب والحق. قال: ولم تكن اللغة العربية تغيرت كثيراً في عصرهم، فكانوا أقرب إلى الصواب في فهم القرآن ممن بعدهم. وهذا واضح. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: إذا أجمعوا يعني التابعين على الشيء، فلا يغتاب في كونه حجة، يعني: لا يشك أحد في أنه حجة، وأنه هو المراد في تفسير القرآن. قال: فإن اختلفوا، فلا يكون قول بعضهم حجة على بعض، هذا عند الاختلاف، ولا على من بعده، ويرجع في ذلك إلى لغة القرآن، يعني: إلى ما يدل عليه القرآن أو السنة، أو عموم لغة العرب، أو أقوال الصحابة في ذلك. وهذا هو طريق المفسرين كابن كثير وغيره: يجمع بين الأقوال، ويذكر خلاف المفسرين في معنى الآية، ثم يرجح على حسب ما ترجح له ودل عليه الدليل. وقال أيضاً، أي شيخ الإسلام، وكلامه هذا في مجموع الفتاوى: «من عدل عن مذاهب الصحابة والتابعين وتفسيرهم إلى ما يخالف ذلك، كان مخطئاً في ذلك بل مبتدعاً». انظر: يعني أحدث أقوال في التفسير لم ترد عن الصحابة ولا عن التابعين، فلا يجوز أن يحدث قولاً يخالف قول الصحابة والتابعين. فمن عدل عن مذاهب الصحابة والتابعين وتفسيرهم إلى ما يخالف ذلك، يعني: ما يخالف ما عليه الصحابة والتابعون، كان مخطئاً في ذلك بل مبتدعاً، وإن كان مجتهداً مغفوراً له خطأه. ثم قال: «فمن خالف قولهم وفسر القرآن بخلاف تفسيرهم، فقد أخطأ في الدليل والمدلول جميعاً». أخطأ في الدليل، يعني: في منهج التفسير. فمن المنهج الصحيح الذي ينبغي أن يسير عليه المفسر أن يأخذ التفسير من الصحابة والتابعين. والمدلول: يعني ما ذكره من تفسير في هذه الآية يخالف ما عليه الصحابة، فهو ضال، مخطئ في منهج تفسيره، وفي كذلك تفسيره لهذه الآية أو تلك. وهذا كله يدل على أن التفسير ينبغي أن يدقق فيه، ينبغي أن يدقق فيه كما تقدم، وأن لا يتكلم فيه بغير علم، بل يرجع في تفسيره إلى أقوال الصحابة. وابن جرير الطبري في تفسيره ذكر في مواضع كثيرة من تفسيره آثاراً كثيرة عن الصحابة والتابعين ومن تبعهم بإحسان في تفسير القرآن. فالمنهج الصحيح في تفسير القرآن: الرجوع إلى تفسير السلف، وأن يفسر القرآن بما جاء عن السلف رحمهم الله تعالى. نكتفي بهذا، ونكمل ما بقي إن شاء الله في درس قادم. إلى هنا، والله تعالى أعلم. ترجمة نانسي قنقر ترجمة نانسي قنقر