الدرس في شرح كتاب التوحيد 175، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يتناول المقطع مقام الخوف من الله كأحد مقامات التوحيد الواجبة وأهميته في العبادة وارتباطه بمقام المحبة. يشرح تعريف الخوف وأقسامه.
يشرح المقطع الخوف من الله تعالى كمنزلة عظيمة للسائرين إلى الله وأثره في الأمن يوم القيامة، بينما يبين الخوف الشركي وتأثيره في الوقوع في الشرك. يعدد صور الخوف الشركي.
يناقش المقطع أربعة أنواع من الخوف: خوف العبادة، الخوف الشركي، خوف المعصية، والخوف الطبيعي، مع التركيز على الذنوب الكبيرة والشرك الأصغر.
يختتم المؤلف الكلام عن الخوف من الله بسرد أدلة على عظيم هذا المقام ويدعو الله أن ينفع بما قيل ويصلي على النبي محمد وآله وصحبه.
إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله تعالى: باب قول الله تعالى ﴿إنما ذلكم الشيطان يخوف أولياءه﴾. عقد المؤلف رحمه الله تعالى هذا الباب، كما هو الظاهر، في سرد الآيات والأدلة المتعلقة بالخوف من الله جل في علاه. وإنما أورد المؤلف رحمه الله تعالى هذه الآيات وعقد هذا الباب لكي يبين للناس أن من مقامات التوحيد الواجبة مقام الخوف من الله سبحانه وتعالى، هذا مما ينبغي على العباد أن يتقرب به إلى الله من العبادات الواجبة أن تملأ القلوب بالخوف والإجلال والإعظام لله جل في علاه. ولأدل من الدلال على وجوب هذا المقام ما جاء في قوله سبحانه وتعالى ﴿وخافوني إن كنتم مؤمنين﴾، فاشترط ربنا جل وعلا في صحة إيمان العباد أن يكون ممن خافوه. ﴿وخافوني إن كنتم مؤمنين﴾، فمن كان صادقًا في إيمانه فليبرهن على ذلك بخوفه من ربه سبحانه وتعالى، فدل ذلك وسائر معنى الأدل الدال على وجوب مقام الخوف، فهو من المقامات العظيمة ومن المنازل الجليلة. وأضف إلى ذلكم أن المؤلف رحمه الله تعالى ذكر هذا المقام بعد ماذا؟ بعد ذكره لمقام المحبة. مر معنا في الدروس السابقة تلكم الأدلة والتي حشدها المؤلف رحمه الله تعالى تحت ذلكم الباب السابق المتعلقة بوجوب محبة الله، فكانت هنا نكتة بديعية أن المؤلف ذكر المحبة ثم ذكر الخوف. وهل في ذلكم معنى؟ ولذلكم مغزى؟ الجواب: بلى، في ذلكم معنى ومغزى، إذ أن المحبة والخوف من أعظم مقامات الدين، بل صرح العلماء على أن ركني العبادة أنه يقوم على مقامين أساسيين: على المحبة وعلى التعظيم المبني على الخوف. هكذا العبادة لله تقوم على مقامي المحبة والخوف والوجل من الله سبحانه وتعالى. فقال العلماء: وجه ذلكم أن الإنسان في باب العبادة والتعبد لله إما أنه يتقرب إلى الله بالطاعات، وإما أنه يتعبد الله بأن يبتعد عن المنهيات. فالتقرب إلى الله بالطاعات يكون بدافع المحبة والاشتياق، والنهي عن المنهيات والمحرمات إنما يكون بدافع الخوف. الإنسان يحتاج إلى المحبة والخوف، المحبة بها يمضي قدمًا إلى أن يتفانى في إظهار طاعاته وعباداته لربه. وهكذا المسلم بمقامي الخوف يجتنب قدر الإمكان أن يقع في المعاصي والمنهيات والكبائر والموبقات وسائر المحرمات، فكانت العبادة لا تقوم إلا على هذين الأمرين الأساسيين: على المحبة والخوف. فلعظيم التلازم بينهما المؤلف رحمه الله تعالى قارن بينهما، فبدأ أولًا بمقام المحبة، ثم قارن ذلكم بعد هذا بهذا الباب والذي جعله في باب الخوف. وهنا مسألة الخوف من مسائلها المهمة كمقدمة: ما معنى الخوف؟ هذه المسائل وما تكون من أمور الصفات والمعاني من المعاني قد يصعب تحديدها بتعريف؛ لأنها أمر معنوي، والإنسان يعرف متى يكون قد أحب، متى يكون قد خاف، متى يكون قد توكل، متى قد يكون. فهذه الأشياء تعود إلى نفسه، فكل شخص أدرى بنفسه في مقام خوفه ومحبته. مع ذلكم جعل العلماء هناك ضوابط تقريبية في معرفة ما معنى الخوف. وجل التعاريف في مسألة الخوف وضابط الخوف بأنه هو: اضطراب وانفعال في القلب. وبهذا نعلم بهذا القيد على أن الخوف من الأعمال القلبية. وقد أشرنا في درس السابق على أن أعظم الأعمال التي يتقرب بها أهل الإسلام إلى الله هي أعمال القلوب. أعمال القلوب مر معنى مقام المحبة وهو من أعمال القلب، وكذلكم هذا المقام مقام الخوف. فقال العلماء بأن الخوف هو: اضطراب وانفعال في القلب لما يتوقع فيه من هلاك أو ضرر أو أذى. لما يتوقع من هلاك أو أذى أو ضرر، فإذا توقع الإنسان توقع أن يصاب بأذى أو يصاب بضرر أو يصاب بهلاك هنا ينفع القلب يضطر بالقلب، هذا يقال إنسان خائف، إنسان اتصف بمقام الخوف. إذا علمنا أن هذا هو الخوف: انفعال في القلب لما عسى أن يقع عليه من هلاك أو ضرر، تأتي مسألة مهمة يذكرها العلماء وهي أقسام الخوف. إلى كم ينقسم الخوف؟ ذكر العلماء أن الخوف ينقسم إلى عدة أقسام. أولى أقسام الخوف ما يكون من الخوف من الله جل في علاه، والخوف من الله كما سلفنا وأسلفنا أنها من العبادات العظيمة، أمر الله بها، نعم أمرًا، ووصى، وجعلها شرطًا في الإيمان ﴿وخافون إن كنتم مؤمنين﴾. ومع ذلك إن اتصف العبد بخوفه من الله سبحانه وتعالى وأصبح فزعًا وجلا من الله، فحينها يعظم الله جل وعلا له الأجر والمثوبة. قال سبحانه ﴿ولمن خاف مقام ربه جنتان﴾، جنتان يعطيه الله جل وعلا له العوض، يضاعف الله جل وعلا له الثواب والأجر لعظيم هذا المقام الذي اتصف به أن يخاف من ربه سبحانه وتعالى. وجاء في الحديث الصحيح كذلك في بيان مقام الخوف أن الله جل وعلا قال بأنه لن يجمع لعبد أمنين وخوفين، لن يجمع للعبد أمنين وخوفين. فمن أمن الله في الدنيا خوفه الله يوم القيامة، ومن خاف الله في الدنيا أمنه الله يوم القيامة، هذا وعد من الله أن الله لن يجمع للعبد خوفين. إذا كان العبد في هذه الدنيا لا زال خائفًا من الله وجلا فزعًا من أن يقع فيما يغضب الله، وإن وقع فيما هو من معاص الله فلا زال خائفًا أن الله جل وعلا ما تقبل منه توبته، فلا زال يدعو ويستغفر، يدعو ويستغفر وهو في حال من الخوف، بل ربما وصل به الخوف إلى البكاء، يبكي يبكي إذا خالى بنفسه، يبكي إذا خالى بربه في سجوده آناء الليل أطراف النهار في جوف الليل من شدة خوفه. إذا كان العبد بهذا الحال خائفًا من الله، فالله جل وعلا لن يجمع له كذلك خوف الآخرة، بل يؤمنه الله يوم القيامة، يعاملك الله كما تعامله، فمن خاف الله في الدنيا أمنه الله يوم القيامة، والعكس بالعكس. أما من أمن الله يفعل المعاصي والذنوب والموبقات ولا يستشعر بشيء من وخز الضمير -إن صح التعبير- ما يستشعر بشيء، فهذا الذي يأمن من مكر الله. وكما سيأتي معنا فالله عز وجل سيخوفه يوم القيامة بما يكون من الأهوال والكربات والشدائد. فهذا إخواني في الله المقام الأول من مقامات أو من صور الخوف ما يكون من الخوف من الله، وهذا هو الخوف التعبدي الخوف التوحيدي الذي هو من أعظم منازل السائلين والسالكين. الصورة الثانية من صور الخوف هو الخوف الشركي، الخوف الشركي الذي يوقع صاحبه في الشرك يوقع صاحبه في الكفر. وهذا الخوف الكفري والشركي له صور، من صوره أن يخاف الإنسان من مخلوق فيما لا يقدر عليه إلا الخالق، أن يخاف المخلوق من مخلوق فيما لا يقدر عليه إلا الله إلا الخالق جل في علاه. كحال من يخاف من ساداته ومن مشايخه أصبح يلقى تلكم العقيدة بأن شيخك قادر على أن يمسك بضر، بل إن شيخك قادر على أنه يقطع عليك نسلك. سبحان الله، هذا شيخي قادر على هذا يقطع علي نسلي. كحال بعض العامة الذين تعلقت قلوبهم بالكبراء والنظراء ومن جعل أندادًا من دون الله جل وعلا. فمن خاف إنسانًا كائنًا من كان في أمر لا يقدر عليه إلا الله جل في علاه، فخفته فخوفك هذا خوف شركي؛ لأن هذا لا يقدر عليه إلا الله جل في علاه. الصورة الثانية من صور الخوف الشركي ما يكون من الخوف من الجمادات، الخوف من الجمادات لا تحرك ساكنًا كما كان عليه الكفار يخافون الأخشاب يخافون الأشجار يخافون الأحجار يخافون النباتات. ويلا تحرك ساكنًا يخافون منها خوفًا شديدًا، وهكذا قل مثله من يخاف من الأموات كمن يعتقد في الأولياء يعتقد أن الولي -مع أن الولي ميت دفن قبر- لكن يخافه في أن هذا الولي وهو في قبره أن يضره فيخاف منه يخاف منه. وهذه أمثلته كثيرة جدًا. أذكر فيما ذكره لنا بعض المشايخ في هذا الخوف ما يسمى بالخوف خوف السر، وهو من خوف الشركي، على أن رجلًا كان في مدينة وكانت هذه المدينة لها معبود من دون الله قبر وضريح يعبد من دون الله، وكان الناس يعتقدون فيه الاعتقادات الفاسدة. وهذا شخص من طلاب العلم ركب سيارة وأراد أن ينتقل إلى منطقة، فإذا بسائل سائل يسأل يطلب مالًا، فجاء هذا السائل عند طالب العلم وقد ركب السيارة سيارة الأجرة، فطلب منه مالًا، فأوشك الطالب الموحد أن يخرج مال صدقة للمسكين، إلا أن المسكين معصمت وإنما قال: سألتك باسم البدوي -وهو سيد الحي سيد المدينة الذي يعتقلون فيه- حينها غضب هذا الموحد، باسم من؟ قال: باسم البدوي. قال: امشي امشي ولا أعطيك ولا درهم واحد، امش هنا دع البدوي ينفعك. وكان هذه غيرة غيرة لحماية لجناب التوحيد، فنهر هذا السائل وعلمه على إنسان لا يسأل باسم الله لا يسأل باسم غيره، ونهره ومشى. هل انتهت القصة؟ لا، القصة هنا انتقلت إلى السائق، السائق السيارة سائق الأجرة كان ممن يعتقد في البدوي. فبينما هو يسير من الأجرة وهو يتمتم يتمتم يتمتم يتمتم، الموحد الذي في السيارة طالب العلم شد انتباهه كثرت التردد من السائق، قال: يا عمي ماذا تقول؟ أسمعني، قال: ما أقول شيء. قال: لا أسمعني، يقول: استر استر استر، قال: تتحدث عن من؟ قال: ملآن سأخبرك بعدين. إلى أن خرجوا من القرية فقال الموحد الطالب العلم: يا عم على من تتكلم؟ قال: أنا أقول استر يا بدوي علينا، قال: ايش؟ قال: نعم. قال: هذا الذي فعلته هذا لن يمر علينا بخير، ما يمر علينا؟ تهين البدوي في بلدته وهو ميت، البدوي طبعًا دفن، قال: تهين البدوي في قرية وتهين هذا السائل لما سأل باسمه، ما كان ينبغي أن تفعل ذلك، سيأتينا الضر. فقال له الموحد: يا عم يا عمي، ها نحن قد وصلنا وهذه أجرتك وسأخرج، ما أتانا ضر. قال: نعم ما أتانا ضر؛ لأن البدوي كريم ستر علينا. أعوذ بالله كريم ستر علينا، هذا اعتقاد في من إخواني في الله؟ هذا ما يعتقد إلا في الله عز وجل، لكن موجود موجود عند بعض الناس يخافون من الأولياء الموتى. حتى أن بعضهم إذا توانى توانى عن زيارة من هذه الزيارات القبور لأمر طرأ أو لأمر شغل به، فلربما أصحابه خوفوه، قال: يا فلان إن شاء الله بكرة نتحرك مع الباصات، قال: يا أخوان عذروني، قال: أي شيء أتوك؟ قال: لا، أحنا ما أسيب، قال: الله أنا ما عليك أنت الله عينك شوف البدوي القبر إذا شافك ما حضرت، شوفنا نعرف النهاية ما تمر العام بخير، انتبه لنفسك. أيش أيش التحذيرات هذا من؟ هذا رب العباد، هذا هو خوف السر، هذا هو الخوف الشركي، خوف الأموات، الأموات ميت يا عبد الله لا يضر ولا ينفع. نحن لا نحكي هذا لا نحكي هذا كذبًا وزورًا، بل والله نحكيه حقيقة، القوم قد ملئت قلوبهم إجلالًا وإعظامًا للموتى ومنهم الخوف خوفهم من الأموات. هذه الصورة الثانية، الصورة الثالثة من الخوف ما يكون من الخوف المعصية، خوف المعصية، وأنك يا عبد الله تخاف من إنسان حتى يلجئك إلى أن تقع في معصية أو تترك واجب، تقع في معصية أو تترك واجب، هذه معصية وذنب، حجة الخوف ما هي كافية. كحال بعض الناس يقول: أنا أخاف، لماذا يا عبد الله ما تأتي بهذه السنة؟ لماذا ما تفعل هذه الطاعة؟ لماذا لا تفعل كذلك؟ يقول: والله أنا خايف، خايف من من؟ والله خايف من كلام الناس، كلام الناس أتقدم كلام الناس على كلام الله جل في علاه، وهذا يا إخواني في الله قد ابتلينا به. حتى أن من الناس لو ربما في اتشاراتهم يبيع المحرمات يبيع الدخان، فيقال: الأخ ما يجوز، يقول: أنا والله أعرف ما يجوز، طيب، قال: يا أخي الناس يتكلمون عليه، أنت ما تبيع؟ طيب، وهل تقدم كلام الناس على كلام الله جل وعلا وحكم الله وشرعه؟ هذا خوف، نعم، لكن خوف معصية. فكل خوف أدى إلى أنك تترك واجب وتقع في معصية فهذا خوف معصية، خوف معصية. ولكن اختلف العلماء في أمر: هل هذا خوف معصية كبيرة أم أنه من الشرك الأصي الأصغر؟ من أهل العلم من ذهب إلى أنه من شرك الأصغر، إذا تركت أمرًا من طاعات الله الواجبة لكلام الناس. وبعض مستدل بما جاء في بعض الأحاديث أن الله جل وعلا يقول يوم القيامة: أي عبدي رأيت منكرًا فلم تغيره؟ فيقول: يا رب خفتك وخفت الناس، خفتك وخفت الناس، فقال الله: إيايا كنت تخشى، إيايا كنت تخشى، أي ما تقارني بأحد. فمن أهل العلم على صحة هذا الحديث -وإن كان معل- يرون أن من فعل معصية لكلام الناس ولأجل الناس فقد وقع في الشرك الأصغر. وإلا فإنه من كبائر الذنوب، وهو أنك لا تفعل شيء مما حرم الله بحجة الخوف. ثم القسم الأخير من أقسام الخوف وهو الخوف الطبيعي، الخوف الطبيعي أن يخاف الإنسان مما جرت العادة بالخوف منه، كأن يأتيك الخوف من السباع، الخوف من الهوام، الخوف من الأشياء المؤذية، الخوف من الأشياء الضارة، هذه أشياء قد جبل الله عليها البشر. وخرج منها خائفًا يترقب في حق موسى عليه السلام، هذا خوف طبيعي؛ لأنه يخاف من الأعداء الذي إذا تصلطوا عليه قتلوه، وهذا خوف من الموت، شيء طبيعي بشري، فهذا لا يضر إلا إذا زاد عن حده وأصبح يخاف مما لا يخاف منه، حين يصل إلى حد الجبن يكون جبانًا، ليس بخوف. فهذا إخواني في الله أربعة مراتب يذكرها العلماء في أقسام الخوف: خوف العبادة وهو خوف من الله، والخوف الشركي إما ما يكون من الخوف من مخلوق فيما لا يقدر عليه إلا الله، أو الخوف من الجمادات والأموات، وهناك الخوف المعصية وهو الخوف من الناس ومن كلام الناس الذي يؤدي إلى فعل معصية وترك واجب، وهناك الخوف الطبيعي أن تخاف مما جرت العادة بالخوف منه. وسيأتي معنى في كلامي، وبحث المؤلف رحمه الله تعالى أن سرد لنا الأدلة الدالة على عظيم مقام الخوف من الله جل في علاه. أسأل مولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.