شرح كتاب مختصر فرض طلب العلم  4

شرح كتاب مختصر فرض طلب العلم 4

الدرس في شرح كتاب مختصر فرض طلب العلم 4، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

مقدمة في فضل طلب العلم

يبدأ الدرس بتوضيح أهمية طلب العلم في حياة المسلم، مشيرًا إلى فضائله في الدنيا والآخرة مستندًا إلى الآيات القرآنية والأحاديث النبوية. يُبرز أن طلب العلم واجب وله فضائل متعددة.

أهمية النية الصالحة في طلب العلم

يؤكد الدرس على أهمية حسن النية في طلب العلم، مشددًا على أن النية الحسنة شرط لصحة العمل وقبوله عند الله، وأن الموافقة للسنة أمر ضروري بجانب حسن النية.

أثر النية في قبول العمل وخطورة طلب العلم لغير الله

يناقش الدرس أثر النية في قبول العمل، ويوضح أن النية السيئة قد تؤدي إلى مكر الله بالشخص، بينما النية الصالحة تجعل العمل خالصًا لله، ويشدد على أهمية إصلاح النية.

توجيهات لطالبي العلم بشأن العمل بالعلم

يختتم الدرس بالتوجيه نحو أهمية العمل بالعلم وعدم الظلم، ويحث على نصيحة الآخرين بإزالة المخالفات بطريقة مشروعة مع التأكيد على الأخلاق العالية والتواضع لطالبي العلم.

التفريغ النصي الكامل

يسر إخوانكم بموقع دار الحديث بالشحر أن يقدم لكم شرح كتاب مختصر فرض طلب العلم للإمام الآجري رحمه الله تعالى، اختصره فضيلة الشيخ عمر بن مصلح الحسين، شرح فضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، القائم على دار الحديث بالفيوش ودار الحديث بالشحر. والآن مع الدرس الرابع. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعود بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. أما بعد، مر معنا في الدرس الماضي ما ذكره المؤلف رحمه الله تعالى في سياق ذكره لما يتعلق بفرض طلب العلم وما يلحق به من مسائل، وكان آخر ما مر معنا قوله رحمه الله: «فليس ينفك المؤمن العاقل أبدًا عن طلب العلم ما كان في الدنيا»، بعد أن ذكر أنه قد يمر بالمسلم من مسائل العلم التي هي في أصلها ليس مما يجب ويفرض، ولكن إذا دخل فيها وجب عليه أن يتعلم من أحكامها ما يقوم به بحق الله عز وجل فيها، كالنكاح والطلاق والخصومات وغيرها. ثم قال رحمه الله تعالى: «وقد سبق الكلام على هذا». قال رحمه الله: «من كان مراده طلب العلم الذي لا يسعه جهله وحسنت فيه نيته لم يلبث أن يوفقه الله عز وجل لطلب علم ما قد يحتاجه قبل وروده عليه خوفًا أن يبتلى». ختم هذا الفصل بهذه العبارة، وهي توطئة لأهل الدخول في الفصل الذي بعده، وفيه إشارة أن طالب العلم والمسلم عمومًا إذا كان الطلب العلم الذي لا يسعه جهله وهو الواجب، كما تقدم، وحسنت نيته وحسنت نيته في هذا الطلب، فإن الله يوفقه لطلب ما قد يحتاجه مما هو أكثر من الفرض الواجب، مما يكون به كماله في الدنيا وفي الآخرة. في الدنيا بالحياة الطيبة، إذ لا يمكن للإنسان أن يضع الشيء في موضعه على الوجه الذي يحبه الله ويرضاه، وتكون به خيريته في الدنيا والآخرة إلا بالعلم. قال الله عز وجل: ﴿قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون إنما يتذكر أولو الألباب﴾، أبدًا لا يستوون، لا شك. فهذا الذي يسير في هذه الدنيا بغير علم يتخبط في الشبهات والشهوات، بما يكون به خسارته وذله في الدنيا قبل الآخرة. قال النبي صلى الله عليه وسلم: «وجعل الذل والصغار على من خالف أمري»، المعنى كما تقدم أن من حسنت نيته أعانه الله لطريق العلم فيما يحتاجه، ويكون له التوفيق في الدنيا والآخرة، وهذه هي الحياة الطيبة التي يرجوها الإنسان في الدنيا والآخرة. من عمل صالح، من ذكر أنه أنت وهو مؤمن، «فلا نحينه حياة طيبة ولن يجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون». وقوله: «قبل وروده عليه خوفًا أن يبتلى به»، والمعنى أنه يوفق لطلب العلم والنظر فيه، فيكون عنده من العلم لأن نيته حسنت، فصار عنده من الخوف من الله ومن الرغبة بما عند الله ما دفعه لأخذ العلم لله، بما يعينه على إصلاح حال نفسه قبل ورود مسائل العلم خوفًا أن يبتلى بها، لأجل لا يرد عليه شيء إلا وهو عنده علم يستطيع أن يحمي نفسه من الشهوات والشبهات، وأن يؤدي ما أوجب الله عليه في كل حق يرد عليه. هذا هو الفرق بين طالب العلم وبين من ليس يطلب العلم، قد يكون محبًا، وقد يكون مقتصرًا على الواجب. فما سبقت الإشارة إليه مما قد يرد على بعض الناس من مسائل النكاح والطلاق والخصومات ونحوه، هذا يتصور في من لم يسلك طريق العلم، فيمر بهذه المسائل قبل أن ترد عليه. أما من طلب هذا العلم وتوسع فيه ومرت عليه هذه المسائل، فهو متجهز لها، لن تأتي عليه إلا وهو قد تزود بزاد العلم ما يعينه على أداء حق الله عز وجل فيها وفي مثلها ونظائرها من المسائل التي ترد عليه. فهذا معنى كلامه رحمه الله تعالى. ثم قال رحمه الله تعالى: «قال فضل طلب العلم»، والمعنى هذا فصل فيما يتعلق بفضل طلب العلم. قال: «من طلب العلم فليبشر، فإنه قد سلك طريقًا يسهل الله له به طريقًا إلى الجنة». فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من سلك طريقًا يلتمس فيه علمًا سهل الله له به طريقًا إلى الجنة»، وهو الحديث المشهور الذي رواه الإمام مسلم رحمه الله تعالى في صحيحه، وغيره من أهل الحديث. ومراده رحمه الله أن هذا الفصل فيه إشارة إلى فضل طلب العلم، وطلب العلم فيه فضائل كثيرة، وأدلته أكثر من أن تحصى في كتاب الله وفي سنة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. ومر ما يعانى بعضها، وسيمر بنا إن شاء الله بعضها كذلك. قال الله عز وجل: ﴿يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات﴾، وقال سبحانه: ﴿قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون﴾، وهكذا هذا الحديث. ومر معنا حديث النبي صلى الله عليه وسلم: «من يرد الله به خيرًا فقهه في الدين»، والمعنى أن للعلم فضائل كثيرة كفيلة بأن تحث كل مسلم على أن يطلب العلم وأن يحسن نيته في طلب هذا العلم، لما فيه من الفضل في الدنيا وفي الآخرة. هو الموفق من وفقه الله سبحانه وتعالى، فلا يقف المسلم عند طلب العلم الواجب فقط وما لا يسعه جهله، بل ينبغي أن يتعداه إلى ما هو فوقه وأكثر منه مما فيه الخير له في الدنيا وفي الآخرة، لما في العلم من فضائل كثيرة. وقد مر معنا حديث الثلاثة، فلنكن خير هؤلاء الثلاثة، نأوي إلى العلم فيؤوينا الله سبحانه وتعالى بواسع عطائه وفضله، بما فيه الخير لنا في الدنيا وكذلك في الآخرة. ثه رحمه الله: «فإنه قد سلك طريقًا يسهل الله له به طريقًا إلى الجنة»، يشير إلى الحديث الذي أشار إليه أن من سلك طريق العلم سهل الله له بهذا السلوك طريقًا إلى الجنة، يعني أن طريق العلم أوله في الدنيا وآخره في جنة الله سبحانه وتعالى. لما يفتح الله عز وجل على طالب العلم بأنواع وعدة أسباب تكون سببًا في وصول صاحبها لطريق العلم، والموفق من وفقه الله، فإنه بسلوكه طريق العلم يصل إلى جنة الله سبحانه وتعالى، لأن العلم يدعو إلى أداء الواجبات وترك المحرمات والحرص على المستحبات والتنزه عن المكروهات والاحتساب في المباحات، وغير ذلك من الخصال الحميدة والصفات النبيلة التي وفق لها طالب العلم، بما يكون له الخير في الدنيا وكذلك في الآخرة. وكل هذا سبب لرضى الرحمن سبحانه وتعالى وورود جنته جل وعلا، وغير ذلك كثير مما هو يدخل في معنى أن العلم أو طريق العلم يسهل سلوك طريق الجنة. ومر معنا قول الله عز وجل: ﴿قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون﴾، فالذي يعلم يسير ببصيرة. لهذا قال الله عز وجل: ﴿إنما يخشى الله من عباده العلماء﴾، العلماء بما علموا من دين الله، وما علموا من عظمة الله، وما علموا من حقائق ما في هذه الدنيا وما في الآخرة، أورثهم ذلك وغيره خشية الله سبحانه وتعالى. وهذا قليل من كثير من معنى: ﴿قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون﴾، والموفق من وفقه الله سبحانه وتعالى. قال رحمه الله: «وهذا الفضل إنما هو لمن حسنت نيته في طلب العلم»، فإن قيل: «وما حسن النية فيه؟» قيل: «من خرج ليتعلم من العلم ما ينفي به عنه الجهل بما لله عز وجل عليه من حق عبادته، حتى يعبد الله الكريم بعلم، فطلب من العلم ما ينفع به في دينه، وكلما ورد عليه أمر من أمر الدنيا والآخرة مما قد أشكل عليه يريد السلامة منه، لم يكن عنده فيه علم، يسعى إلى العلماء فيه ليتعلمه لله عز وجل، ويطلب بذلك سلامة دينه». فأي طريق سلك هذا الطالب قصيرًا أو طويلا كان، داخلا في معنى ما ذكر من الفضل لطلبة العلم، ويعين عليه إن شاء الله. وفي هذا إشارة منه رحمه الله إلى أن من أهم الأمور التي ينبغي أن يحرس عليها طالب العلم أن تحسن نيته. فهذا الفضل المذكور في هذا الحديث وفي غيره من الأحاديث الأخرى، إنما لمن حسنت نيته بطلب العلم. ثم فسر ما معنى حسن النية. ولكن ينبغي أن ننتبه هنا أن ما ذكره المؤلف ليس هو حصر، ولكن ذكر لما هو مهم في صلاح طالب العلم في سيره في طلب العلم، ولكن ليس هو فقط، بل معه أمور أخرى. من أهم هذه الأمور الأخرى الموافقة للسنة، الموافقة للسنة. فكونه عنده نية حسنة وعمله ليس موافقًا للسنة، هذا لا يكفي، هذا لا يكفي في أن يوفق وأن يقبل منه هذا العمل. فأهل البدع والأهواء ربما بعضهم كان عنده نية حسنة، ولكن عمله باطل غير موافق للسنة، فإنه يحرم ما هو فيه وما أراده. فلا يكفي أن يحسن المرء النية إذا كان عمله غير صحيح. ولا أدل على ذلك من حديث عائشة في الصحيحين، في الثلاثة الذين أرادوا أن يتقربوا إلى الله بما يظنوا أنه عبادة وقربة، فأحدهم أراد أن يصوم دون أن يفتر، والآخر أراد أن يقوم دون أن ينام، والثالث أراد أن يترك التزوج، كل ذلك أرادوا به قربة، فنيتهم حسنة، ولكن لأنه مخالف للسنة صار عمله مردودًا غير مقبول. فالنبي عليه الصلاة والسلام ماذا قال؟ «من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد». «أما إني أخشاكم لله وأدقاكم لله وأدقاكم له» الحديث. فالشاهد من هذا لا يكفي النية الحسنة، فلابد مع النية الحسنة من الموافقة للسنة، من الموافقة للسنة. ولكن ها هنا لما كان المقصود التنبيه على هذا الجانب من طلب من يطلب العلم، وهو أصلا على السنة وعلى طريق السنة، ويطلب علم السنة، فاحتاج أن ينبه إلى هذا الجانب الآخر، ألا وهو حسن النية. ثم فسر رحمه الله حسن النية هذا بأنه: «من خرج ليتعلم من العلم ما ينفي به عنه الجهل»، يعني هذا من معاني حسن النية. الجهل بما هو لله عز وجل في حق عبادته، يعني في حق ما يعبد به ربه جل وعلا. قال: «حتى يعبد الله الكريم بعلم»، وهذا هو الواجب أن تعبد الله بعلم لا بجهل. فمن طلب العلم بهذه النية هذا مقصد حسن وهذه النية حسنة. قال: «فطلب من العلم ما ينفع به في دينه»، يعني هذا الذي سلك هذا المسلك طلب من طريق العلم ما فيه منفعة لدينه، ليس لدنيا، ليس مجاملة، وليس رياء وسمعة، وليس كذلك منافسة، وإنما أراد به أن يرفع الجهل عن نفسه، وأن يعبد ربه على الوجه الذي يحبه سبحانه وتعالى. قال: «وكلما ورد عليه أمر من أمر الدنيا والآخرة مما قد أشكل عليه يريد السلامة منه، ولم يكن عنده فيه علم، يسعى إلى العلماء»، وهذا السعي من طلب العلم، يعني سؤالهم وتعلمه فيما يمر به، هذا من طلب العلم. وقصده بذلك كما تقدم إصلاح أمره في دنياه وفي آخرته على الوجه الذي يحبه الله ويرضاه. فهذا كذلك من معاني حسن النية. قال: «يسعى إلى العلماء فيه ليتعلمه لله عز وجل، ويطلب بذلك سلامة دينه»، أي بماذا؟ بالعلم يسلم دينه، بالعلم يضع كل شيء في موضعه على الوجه الذي يحبه الله ويرضاه. قال: «فأي طريق سلك هذا الطالب قصيرًا أو طويلا كان داخلا في معنى ما ذكر»، يعني: إذا كان على هذا الحال نيته لله عز وجل ومقصده ما هو لله عز وجل، فإذا كان على هذا الحال سواء كان طريقه طويلا أو قصيرًا، أي في طلب العلم، أي أخذ شيئًا يسيرًا أو كثيرًا، استمر أو انقطع به لسبب عارض، فإنه في ذاك الحال وهو على هذا الأمر يدخل في هذا الفضل، في هذا الفضل الذي ذكر في هذا الحديث وفي غيره من الأحاديث الأخرى. قال: «وعين عليه إن شاء الله»، يعني أن من طلب العلم بهذا المعنى وهذه النية أعين عليه. وهذا قول من قال من أهل العلم، وما روي عن بعض الأئمة: «من حسنت نيته حسنت عاقبته»، إذا حسنت نية العبد أحسن الله عز وجل عاقبته. «ومن يتق الله يجعل له مخرجًا ويرزقه من حيث لا يحتسب ومن يتق الله يجعل له من أمره يسرًا»، وغير ذلك من الأدلة في الكتاب والسنة التي تدل على هذا المعنى. فالإنسان يحتاج أن يصلح نيته لتصلح له عاقبته في الدنيا وفي الآخرة. فإصلاح النية أمره عظيم في دين الله عز وجل. ولذلك جاء في الحديث في الصحيح حديث عمر مشهور في الصحيحين: «إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى»، صلاح الأعمال بصلاح النيات. ويروى عن مطرف بن عبد الله بن الشخير أنه قال: «صلاح القلب بصلاح العمل وصلاح العمل بصلاح النية»، هذا تفسير لحديث عمر المشهور الذي دلت عليه أدلة كثيرة من الكتاب والسنة والأثر، مشهور ذكره ابن رجب في جامع العلوم والحكم، وأظنه فيما أذكر في الحلية لأبي نعيم. فهكذا ينبغي لطالب العلم أن يحرص على إصلاح نيته، وكلما حسنت نيته حسن عمله، حتى في المباحات. كما يروى عن بعض السلف: «إن العبد لا يؤجر إذا حسنت نيته حتى باللقمة». بل جاء بالحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم: «أن العبد يؤجر وأن كلما يفعله صدق حتى ما يجعل في في امرأته»، لماذا؟ باحتسابه وحسن نيته. وإن قال قائل: «كيف الجمع بين هذا وبين ما يروى عن بعض الأئمة والسلف: طلبنا العلم لغير الله فأبى أن يكون إلا لله؟» الجواب عليه من وجهين: الوجه الأول أن بعض أهل العلم كذب هذا الخبر، ولم يصححه، كما فعل ابن حزم رحمه الله في بعض كتبه ورسائله. فقد أشار إلى هذا الأثر وأنكره إنكارًا شديدًا. له رسالة اسمها «التلخيص لوجوه التخليص»، وقد أشار في هذه الرسالة إلى هذا الأثر، فقال في معنى كلامه رحمه الله: «أنه لا يغركم قول من قال كاذبًا أو قال مفتريًا على أهل العلم أنهم قالوا: طلبنا العلم لغير الله فما زال على ذلك حتى كان لله»، أو كما قال رحمه الله. ثم قال رحمه الله منكرًا هذا الأثر: «أن أن يبارك له فيه وهو لغير الله»، معنى كلامه رحمه الله: يعني إذا كان لغير الله لا يمكن أن يبارك له فيه، وأن يحصل له الخير منه. وكلامه صحيح إذا كان على ظاهر هذا التفسير. ولهذا كان تفسير أهل العلم لهذا الأثر على قول من صححه -لأنه روي في الحقيقة عن عدة من الأمة- فقد روي عن الدارقطني رحمه الله، ذكره في «تذكرة السامع والمتكلم»، وروي معناه عن مجاهد كذلك، وروي معناه عن سفيان، كما ذكره السبكي في فتاويه، وروي عن غيرهم. فيكون المعنى على قول من صحح هذا الأثر: «أنهم طلبوا العلم في أول الأمر ولم يقصدوا بذلك نية معينة»، يعني لم يستحضروا أن يكون خالصًا لله. وحسنت نيتهم فيه في أول الأمر، ربما لأنه جرى حال الناس على ذلك، موافقة أو غير ذلك مما لا يسلم منه البشر. ولكن لأن طلب العلم خير أعانهم استمرارهم في طلب العلم لإصلاح حالهم، فوفقوا لإصلاح نياتهم، فصار بذلك لله عز وجل. وأما من أدرك حقيقة خطر طلب العلم لغير الله، وجعله لغير الله، فهذا هو الذي يدخل في معنى ما أشار إليه الإمام ابن حزم رحمه الله، بل وأدلة الكتاب والسنة تدل على ذلك. من سمع سمع الله به، «فمن عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد». كذلك ما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عن ربه عز وجل في الحديث القدسي: «في عمل العبد إذا أراد به غير وجه الله رده الله عز وجل عليه ولم يوفقه لما هو فيه». «أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملا أشرك معي فيه غيري تركته وما أشرك»، الحديث رواه مسلم. وروى حماد بن سلمة رحمه الله أنه قال: «وأنه كرر هذه المقولة: من طلب الحديث لغير الله مكر به، من طلب الحديث لغير الله مكر به»، ومعناه: لم يوفق في طلبه للحديث، لم يوفق في طلبه للحديث. وهذا هو ما جاء معناه في أحاديث أخرى، كقول النبي صلى الله عليه وسلم: «إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة فيما يبدو للناس حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها». وطلب العلم من عمل أهل الجنة، فإذا لم يكن خالصًا لله مكر به، ولم يوفق للاستمرار فيه، لم يوفق للاستمرار فيه. فلذلك ينبغي أن يحذر المسلم وطالب العلم على وجه الخصوص من أن تكون له نية سيئة في عمل من الأعمال، ومن ذلك طلب العلم، يجتهد في إصلاح نيته وإخلاصها لله، حتى تحسن عاقبته ويكون له الخير في الدنيا وكذلك في الآخرة. ويروى عن حبيب بن أبي ثابت رحمه الله تعالى أنه كان يقول: «طلبنا العلم وما لنا فيه نية، ثم جاءت النية والعمل بعد ذلك»، أو كما قال رحمه الله تعالى. والمعنى أنه قد يكون في أول الأمر العمل من غير نية مستحضرة، بسبب بداية الطلب ونحو ذلك. لكن ليس معناه ثم يصلح حاله باستمراره بطريق العلم، لأن العلم لا يدل إلا على خير، فيعينه على إصلاح النية ويعينه على إصلاح العمل. لكن إذا كان الإنسان ليس كذلك، بل هو يعلم خطر فساد النية ويستمر على ذلك، فهنا يخشى من تغير بقلبه وأن يمكر به. هكذا تجمع الآثار، يجمع بين الآثار المروية في هذا الباب. ومهم جدًا أن يجمع طالب العلم بين الأدلة وبين الآثار، لأجل يصل إلى المعنى الصحيح الذي به تجتمع الأدلة والآثار، بما لا يعارض بعضها بعضًا. فإذا كانت النية سيئة مع علمه بخطر سوء النية، فهذا خطر على صاحبه، قد يمكر به، كما قال الله عز وجل: ﴿ونقلب أفئدتهم وبصائرهم كما لم يؤمنوا به أول مرة ونذرهم في طغيانهم يعمهون﴾، أي يمكر بهم بسبب عدم عملهم بالعلم، ومن ذلك خطر من علم فساد خطورة فساد النية في الأعمال الصالحة، ومنها طلب العلم. ومما يروى في ألفاظ هذه العبارة، وهذا مما كذلك قد يوجه به كلام ابن حزم، ما ذكره وأشار إليه المعلم رحمه الله في بعض كتبه، أنه صوب العبارة بقوله: «طلبنا العلم لغير الله فأبى العلم أن يكون إلا لله»، «طلبنا العلم لغير الله فأبى العلم أن يكون إلا لله». ومعنى أن العلم يعين على إصلاح النية والعمل، كما تقدم في كلام حبيب بن أبي ثابت، ليس معنى عدم المبالاة بعدم صلاح النية، فإن هذا خطر وأمر خطير لا ينبغي التغافل عنه، بل ينبغي أن يجتهد المسلم دائمًا وأبدًا على إصلاح نيته، بما يكون به صلاحه. ولا ينافي ذلك أن يعترف الإنسان بالتقصير، لا على وجه الرضا بالتقصير، ولكن على وجه نية الإصلاح وعدم الإغترار بالعمل. فمثلًا وفقك الله لطاعة من الطاعات، فأنت لا تقول إذا سئلت: «ما شاء الله، أنت صاحب عبادة»، «نسأل الله صلاح النية»، «نسأل الله نعيننا على أداء حق الله»، ويحاول الإنسان يستتر في عبادته وطاعته، لا يغتر. ومن هذا القبيل ما أشار إليه الذهبي رحمه الله في ترجمة الوليد بن مسلم، أنه قال: «سألت الأوزاعي وسعيد بن عبد العزيز وابن جريج: لمن طلبت العلم؟» قال الوليد بن مسلم: «كلهم قال: لنفسي، إلا ابن جريج قال: للناس». قال الذهبي معلقًا على هذا الأثر: «قلت: ما أحسن الصدق»، واليوم تسأل الفقيه ويقول: «طلبته لله»، ويكذب، وإنما طلبه للدنيا، إلى آخر كلامه رحمه الله. ففي هذا إشارة إلى ما تقدم، إلى أن الإنسان قد يعترف بتقصير، ولا يريد بذلك عدم المبالاة بهذا التقصير، ولكن يريد بذلك عدم ثناء الناس، وأن يشير إلى أنه مجتهد على إصلاح نفسه ونيته، بما يعينه على قبول العمل، يكسر نفسه أولا، ويربي غيره ثانيًا. وبهذا يعرف معنى إنكار الذهبي رحمه الله لما قال: «أن بعض الفقهاء قد يسأل فيقول: طلبناه لله»، وهذا من الغرور. بل ينبغي أن يقول: «نسأل الله السلامة»، «نسأل الله حسن النية»، «نسأل الله عز وجل التوفيق»، «حسن العمل»، ونحو ذلك من العبارات التي تليق بحامل العلم، المليئة بالتواضع، وكذلك طلب ما عند الله سبحانه وتعالى. طيب لعلنا نكتفي هذا اليوم بهذا القدر وإلى هنا. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والحمد لله رب العالمين. وإن شاء الله ننظر إلى ما يتيسر من الأسئلة. هذا السائل يسأل، يقول: وهو من الإخوة المسؤولين في دار الحديد والفيوش، يقول: «يعزم بعض إخواننا في المكتب على النزول إلى السوق والبلوكات لإزالة المخالفات والاعتداءات في الشوارع، فيرجون كلمة ونصيحة لهؤلاء المخالفين، ولعموم الساكنين في التعاون في هذا الأمر، لتبقى الشوارع والمتنفسات مصلحة للجميع ومحكمة. فعلهم هذا؟» الجواب: كما لا يخفى على مسلم فضلًا عن طالب علم أنه لا يجوز الظلم، والظلم ظلمات يوم القيامة، ومن اختطع شبرًا «طوّق من سبع أراضيين يوم القيامة»، كما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم في صحيح مسلم. ونحن طلبة علم، ينبغي أن يكون عندنا حرص على العمل بالعلم. وسمعنا في الدرس ودروس سابقة، ونصائح أهل العلم كثيرة: أن طالب العلم إذا لم يعمل بعلمه يحرم الله، يحرم طريق العلم. كما سمعتم في أثر حماد: «ينكر به»، فالعمل بالعلم مهم، وعدم العمل به خطير، سببه أو عاقبته وخيمة في الدنيا فضلًا عن الآخرة. بل يكون سببًا في دخول النار. أولًا في الحديث: «أول من تسعر بهم النار ثلاثة»، ومنهم: «من العالم الذي لم يعمل بعلمه»، وهذا يشمل العلم الكثير أو القليل. ولهذا قال القائل: «عالم بعلمه لم يعمل، معذب من قبل عباد الوثن»، يعني أنه جاء في الحديث أنه يعذبون قبل المشركين، من أول من تسعر بهم النار؟ لماذا؟ لأنه قدوة سيئة، قدوة سيئة، ويسن سن سيئة. فحق أن يكون من هذا حاله أن يعجل بعقوبته. نسأل الله السلامة والعافية، وأن يعيننا وإياكم على العمل بما نعلم. فلذلك أنصح نفسي وإخواني بأن نتواصى بالحق في هذا الباب، وأن نسعى وننصح من يكون حاله كهذا. ثم أين ما ينبغي أن يرتقي به المسلم فضلًا عن طالب العلم من الأخلاق العالية الكريمة، التي تقتضي بإشاعة الخير والحب الخير للآخرين، وطلب ما فيه المنفعة العامة على الخاصة؟ فلا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه، لا تكن أنانيًا، تأخذ من الأرض العامة ومن الشوارع والمتنفسات لأجل أن يزيد لك متر أو أقل أو أكثر، يعني خلق ذميم. أن يكون عند طالب العلم، أن يكون عند المسلم فضلًا عن طالب العلم مثل هذا الخلق الذميم، وهو الأنانية وحب النفس والطمع بشيء من الدنيا على حساب الدين، وغير ذلك من المعاني النبيلة التي ينبغي أن يترفع طالب العلم عن مخالفتها. فالموفق من وفقه الله، فإذا لم يستجب مع نصح الناصحين بعض المخالفين، فلا حرج أن يرد ظلم الظالم، ومن ذلك إزالة هذه المخالفات والاعتداءات، إزالة مثل هذه المخالفات والاعتداءات. والله المستعان. طيب لعلنا نكتفي بهذا السؤال لانتهاء الوقت، وتأخر ورود الأسئلة الأخرى. وإلى هنا. وصلى الله وسلم على نبينا محمد عليه الصلاة والسلام. وأسأل الله خيرًا. اشتركوا في القناة.