الحوادث المرورية أسبابها وطرق تجنبها

الخطبة بعنوان الحوادث المرورية أسبابها وطرق تجنبها، وكانت بمسجد التقوى بدار الحديث بالشحر 23 جمادى الأول 1439هـ ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة

خطر السرعة الجنونية ووجوب حفظ الأنفس

تحذر الخطبة من تفشي حوادث السير الناتجة عن السرعة الجنونية وتسلط الضوء على فتوى ابن باز بتحريمها. وتدعو المسلمين إلى تقوى الله والالتزام بالأنظمة المرورية لحفظ الأرواح.

أسباب الحوادث المرورية والتحذير الشرعي منها

يستعرض الخطيب أسباب الهلكة في الطرق كإهمال الصيانة والانشغال بالقيادة مستدلاً بالأحاديث النبوية. ويبين أن هذه المخالفات توجب الدية وتحرم الأهل من معيلهم داعياً لاجتناب أسباب التهلكة.

كفارة القتل خطأ وعلاج ظاهرة الحوادث

يبين المقطع وجوب كفارة القتل خطأ وهي عتق رقبة أو صيام شهرين كحق لله لا يسقط بالعفو. ويعرض حلولاً للحوادث عبر تطبيق الأنظمة والفحص الدوري وينهى عن الأصوات المزعجة للدراجات.

الصلاة على النبي والأذان

يفتتح المقطع بالصلاة والسلام على النبي محمد وآله وصحبه وسلم. ثم ينتقل إلى تكبيرات الأذان والشهادتين كجزء من نداء الصلاة.

  • 24 جمادى الأولى 1439هـ - 09/02/2018مـ
التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ * وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾. أما بعد، فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمدٍ صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. أيها المسلمون، عباد الله، إن مما أنعم الله عز وجل به علينا في هذا العصر تلك السيارات والدراجات التي يقودها الصغير والكبير، والعاقل والسفيه، والذكر والأنثى. فهل شكرنا الله عز وجل على هذه النعمة؟ وهل استعملناها فيما يحب الله ويرضاه؟ أيها المسلمون، عباد الله، إن حوادث السيارات والدراجات في هذه الأوقات كثرت كثرة فاحشة، فأصبح المصابون بها بين جريح وكسير، وبين ميت وطريح، ليس بالأفراد فحسب، بل بالأفراد أحياناً وبالجملة أحياناً. ألا واعلموا عباد الله أن لهذه الحوادث أسبابًا يجب تجنبها والحذر منها، لأن هذا الدين جاء بحفظ هذه النفس، فحفظ النفس من الضروريات الخمس التي يجب على المسلم أن يحافظ عليها. فإن لهذه الحوادث عباد الله أسبابًا كثيرة، فمن تلك الأسباب أن هذه المركوبات تُعطى لكل من هب ودب، فتُعطى لصغار السن وصغار العقل، تُعطى لذلك الصغير في السن الذي لا يكاد يُرى من نافذتها، أو تُعطى تلك الدراجة لصغير السن الذي لا تكاد رجله أن تمس الأرض. وهكذا تُعطى لكبير السن ولكنه صغير العقل، متهور لا يراعي الأنظمة ولا يبالي بالأرواح، يسرع سرعة جنونية. ونعني بالسرعة الجنونية هي كل سرعة تزيد على ما كان ينبغي أن يسير عليه، ويختلف ذلك باختلاف المكان وزحمة السكان، فالسرعة داخل البلد تختلف عن السرعة خارجها، والسرعة في المنعطفات وفي التقاطعات تختلف عن السرعة في الطريق المستوي المستقيم. فمن أعظم أسباب تلك الحوادث هي السرعة الجنونية، وبإحصاء من قبل شرطة السير المرور فقد أوضحوا أن أغلب الحوادث سببها السرعة الزائدة، أغلب الحوادث، فهذا السبب الرئيس في تلك الحوادث المتكررة والمتعددة. لا يكاد يمر يوم أو أسبوع إلا ونسمع بحادث مروري، ولا حول ولا قوة إلا بالله. أخي المسلم، لو نظرت إلى الفرق بين المسرع والمعتدل في الوقت لرأيت أن الفارق دقائق معدودة ووقت يسير لا يتجاوز العشر دقائق أو نحوها بحسب طول المسافة وقصرها، فما أيسر هذا أو ما أيسر هذا الفارق الذي به تحفظ الأموال والأرواح، فلِمَ الإسراع أيها المسلمون، عباد الله؟ لقد أفتى الإمام العلام ابن باز عليه رحمة الله أن السرعة الجنونية من إلقاء النفس إلى التهلكة، واستدل بقول الله عز وجل: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾، واستدل بقول الله سبحانه وتعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾. فارحموا أنفسكم عباد الله، واحذروا من أسباب الهلكة، هلكة الأرواح والأموال. فإذا كان الشرع عباد الله حرم أشياء ربما تكون نادرة لأنها سبب لهلاك هذا الإنسان، فكيف بالسرعة الزائدة؟ نهى الشرع أن تترك النار في البيت بالليل حين ينام أهل هذا البيت، كما في حديث ابن عمر في الصحيحين: «لا تترك هذه النار حين النوم»، وجاء من حديث أبي موسى الأشعري في الصحيحين أن بيتًا في المدينة احترق، فأخبر النبي عليه الصلاة والسلام بذلك، فقال: «إن هذه النار عدو لكم، فإذا نمتم فأطفئوها». لماذا هذا النهي؟ سلامةً للأنفس والأموال. وهل في السرعة سلامة للأنفس والأموال؟ وكذلك نهى الشرع عن أن يبيت المسلم على سطح بيت ليس عليه إجار، أي ما يصد النائم عن السقوط، لماذا؟ حتى لا يهلك هذا النائم فيسقط من على السطح إلى الأرض. ونهى عن ركوب البحر حين ارتضامه وهيجانه، لماذا؟ حفظًا للأنفس والأموال. وهكذا قاس العلماء كل ما يؤدي إلى هلاك الأنفس أو كذلك هلاك الأموال، ومن ذلك السرعة الزائدة في قيادة السيارة أو الدراجة. وكذلك عباد الله، من أسباب هذه الحوادث -أجارني الله وإياكم منها- إهمال تفقد السيارة أو الدراجة من حيث إطاراتها ومحركاتها، من حيث إطاراتها ومحركاتها وأضواؤها وإشاراتها، لا سيما في قيادة الليل، فإن السيارة إذا لم يكن بها أضواء وإشارات تشكل خطرًا عظيمًا. وقد جاء أيضًا في إحصائية لشرطة السير أن حوادث الليل أكثر من حوادث النهار بسبب هذا الإهمال. تجد سيارة فيها إشارة واحدة، بل أطم من ذلك سيارة ليس فيها ضوء وهو يمشي بالليل، فإذا قُرِب منه من خلف كاد أن يصطدم به إن لم يصطدم به. هذا من الإهمال عباد الله، ومن إلقاء النفس إلى التهلكة، وكم من حوادث وقعت بسبب هذا الإهمال. فاتقوا الله عباد الله، واجتنبوا أسباب الهلكة. وكذلك عباد الله، من أسباب تلك الحوادث كذلك الانشغال أثناء القيادة بغير القيادة، كالاتصال أو المزاح أو نحو ذلك. وهكذا من الأسباب أيضاً أن يقود الشخص سيارته وهو متعب منهك يكاد النوم أن يغلبه، فكم من شخص نام وهو يقود، فليت شعري كيف يكون حاله بعد أن يصحو من رقدته إن صحا، ولا حول ولا قوة إلا بالله. فنسأل الله بمنه وكرمه أن يوفقنا لما يحب ويرضى، وأن يحفظنا في أنفسنا وفي أموالنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه. أقول ما سمعتم، وأستغفر الله. الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهديه واستن بسنته إلى يوم الدين. أما بعد، أيها المسلمون، عباد الله، إن هذا الشخص الذي يفقد بسبب هذا الحادث يترتب عليه خسائر فادحة في روحه وفي ماله، بل وفي أهله. فيلزم من فقده خروجه من هذه الحياة فيفقد العمل الصالح، وهكذا يفقد الاستعتاب والتوبة، يفقد الاستعتاب والتوبة إن كان مسيئًا، وهكذا يُحرم أهله وأصحابه من التمتع بلقياه، وهكذا فيه إرمال لزوجته وإيتام لأولاده إن كان ذا أهل وأولاد. وهكذا يترتب على ذلك غرامة الدية لمن قتله خطأ أو تسبب في قتله أو باشر ذلك بنفسه، فتُعطى تلك الدية لأهل الميت إلا أن يعفوا. وهكذا يترتب على ذلك وجوب الكفارة حقًا لله سبحانه وتعالى، فمن قتل مسلمًا خطأ فعليه تلك الكفارة، وهي عتق رقبة، ولم تكن متوفرة في هذا الزمان، فينتقل إلى صيام شهرين متتابعين لا يفصل بينهما بفطر، بفطر إلا لعذر شرعي كمرض ونحوه، فإن أفطر من غير عذر استأنف الصيام من جديد، فهو حق لله سبحانه وتعالى، ولا يسقط بسبب إعفاء الورثة هذا الصيام لأنه ليس من حقهم، وإنما هو حق لله سبحانه وتعالى. وكيف ما هو علاج هذه الظاهرة الخطيرة وتلك الحوادث الكثيرة؟ إن أعظم علاج أن تنفذ أنظمة السير، أن تنفذ أنظمة السير، فلا تعطى هذه المركوبات إلا برخصة، ويُشدد في ذلك، وهكذا لا تعطى إلا لمن يستحقها وقد بلغ السن القانوني في أخذها. وهكذا تنفذ قوانين السير، فمن أسرع في مكان سرعة جنونية يعاقب ويغرم. وهكذا تُفحص المركبات وينظر إلى صلاحيتها من عدمه، وهذا موكول إلى الجهات المختصة، أسأل الله أن يوفقهم لذلك وأن يعينهم. وكذلك من الحلول للقضاء على هذه الظاهرة بث الوعي بين الناس والتنبيه على ذلك في الخطب، في المحاضرات، في المنشورات، فيتوَعَى الناس ويعلموا خطورة هذا الأمر الذي هم سالكوه. وكذلك من تلك الحلول من قبل الآباء، فيأيها الأب، احذر أن تعطي ولدك الصغير أو المتهور، أو حتى لو كان كبير السن لكنه صغير العقل، احذر أن تعطيه هذه المركوبات، فما يدريك لعلك تصاب به، ولا حول ولا قوة إلا بالله. وأخيرًا عباد الله، أحب أن أنبه على أمر له تعلق بهذا الموضوع، وهو ظاهرة انتشرت بين بعض الشباب في قيادة الدراجات، وهو إصدار الأصوات المزعجة. هذا لا يجوز في دينك أخي الشاب، لما فيه من الأذى، ولما فيه من زعزعة الطمأنينة والسكينة من قلوب المسلمين، بينما أنت غافل في طريقك، فيأتي هذا ويصدر صوتًا قويًا كأنه قنبلة أو رصاصة، كيف سيكون حال هذا الغافل؟ ألا تراعي ذاك المريض أو ذاك الذي عنده تحسس في أعصابه ونحو ذلك، فتؤثر عليه هذه الأصوات؟ هذا لا يجوز أيها المسلمون، فيه أذى، وربك عز وجل يقول في كتابه الكريم: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾. ويقول عليه الصلاة والسلام: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يؤذ جاره». ولمن كان الإيمان في لسانه وفي قلبه وليس على لسانه فحسب، جاء عن ابن عمر عند الترمذي أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «يَا مَعْشَرَ مَنْ أَسْلَمَ بِلِسَانِهِ وَلَمْ يُفْضِ الْإِيمَانُ إِلَى قَلْبِهِ، لَا تُؤْذُوا الْمُسْلِمِينَ، لَا تُؤْذُوا الْمُسْلِمِينَ». وهذا من الأذى، كل واحد يشعر بذلك، ليس الذي في الطريق فحسب، بل حتى الذي في البيت يتأذى من مثل هذه الأصوات. فلا، فلنكن على وعي وعلى فهم وعلى أخلاق الإسلام التي دعا إليها، فالإسلام عباد الله قول وعمل، الإسلام أخلاق ومعاملات، كما أنه عمل واعتقاد، فخذوا الإسلام من جميع جوانبه. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً﴾. أسأل الله بمنه وكرمه أن يغفر لنا، وأن يرحمنا، وأن يتوب علينا. اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الكفر والكافرين والمشركين أعداءك أعداء الدين. اللهم آتِ نفوسنا تقواها، وزكها، أنت خير من زكاها، أنت وليها ومولاها. وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم. الله أكبر، الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمدًا رسول الله.