مختصر فقه الأسماء الحسنى  44

مختصر فقه الأسماء الحسنى 44

الدرس في مختصر فقه الأسماء الحسنى 44، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة

شرح اسمي الله الكفيل والوكيل وقصة رجل بني إسرائيل

يستهل الدرس بشرح اسمي الله الكفيل والوكيل مستدلاً بآيات قرآنية، مبيناً أن الكفيل هو المتكفل بأرزاق الخلائق، ويسرد قصة الرجل من بني إسرائيل الذي استدان ألف دينار وجعل الله كفيلاً وشهيداً، وكيف وفى الله به حين عجز عن الوصول لصاحبه، مظهراً أثر الإيمان باسم الله الكفيل في تيسير الأمور والوفاء بالعهود.

قصة الوفاء بالدين بتوكل العبد على الله الكفيل الوكيل

يسرد المقطع قصة رجل استلف ألف دينار ولم يجد مركباً ليردها، فوضعها في خشبة وألقاها في البحر بتوكل على الله، فوجدها الدائن عندما أخذ الخشبة حطباً، ثم جاء المدين بمال آخر فبشره الله بأداء الدين عن طريقه، مستدلاً بحديث النبي ﷺ: «من أخذ أموال الناس يريد أداءها أدى الله عنه»، ومفسراً معاني الاسمين الدالين على الكفاية وحسن التوكل مع الأخذ بالأسباب.

معنى الوكيل العام والخاص ومكانة التوكل في الدين

يشرح المقطع معنى اسم الله 'الوكيل' بنوعيه: العام المتعلق برزق جميع المخلوقات وتدبير شؤونهم، والخاص المختص بأهل الإيمان من توفيق ونصر وكفاية، ويؤكد أن التوكل على الله هو أصل جميع مقامات الدين وعمادها، لا تصح عبادة ولا عمل إلا به، مستدلاً بآيات قرآنية وأقوال السلف والعلماء كابن القيم والشنقيطي.

التوكل ركيزة أساسية للعبادات والإيمان

يؤكد المقطع أن التوكل على الله يعد أساساً لكل عبادة، فكما لا يقوم الرأس إلا على الجسد، لا يتم الإيمان وأعماله إلا بالتوكل، معتبراً إياه ركيزة لا غنى عنها في حياة المسلم وعماداً لأعماله الصالحة.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد، قال الشيخ عبد الرزاق بن عبد المحسن العباد حفظه الله تعالى في كتابه "مختصر فقه الأسماء الحسنى": أسماء الله الكفيل والوكيل، وجمع بينهما لوجود اتفاق أو بعض الاتفاق في معناهما، كما سيأتي إن شاء الله. وكما ذكرنا أن من أسلوب المؤلف حفظه الله أنه يذكر الاسم ويذكر دليله من القرآن، وكما نبهنا أن ذكره للدليل من القرآن إنما هو من باب الاختصار، وليس معناه أنه لا يرى الاستدلال بالسنة، فكما هو معلوم لدى أهل السنة أن أسماء الله وصفاته لا تثبت إلا بأدلة الكتاب والسنة. فذكر عند هذين الاسمين على كل اسم دليل من القرآن، قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا﴾، فقوله هنا: "كفيلاً" إثبات اسم الله الكفيل. وقال تعالى: ﴿فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾، فالوكيل هنا، فالآية هذه فيها دليل اسم الله الوكيل. وقال: والكفيل معناه القائم بأمور الخلائق، المتكفل بأقواتهم وأرزاقهم، فهو الذي تكفل بشؤونهم سبحانه وتعالى. واسم الله الكفيل هو قريب من معنى اسم الله الكافي الذي مر معنا في الدرس الماضي، في الدرس الماضي فمعنى الكفيل: القائم بأمور الخلائق، المتكفل بأقواتهم وأرزاقهم. فتجد أي مخلوق لا يموت من الجوع أو من العطش أو من عدم الهواء أو التنفس أبداً، فالله عز وجل تكفل بذلك، كما قال الله سبحانه وتعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾، فهذا هو معنى الكفيل. وقال: ﴿وَمَنْ صَدَقَ مَعَ اللَّهِ بِذَلِكَ وَرَضِيَ بِهِ سُبْحَانَهُ كَفِيلًا أَعَانَهُ عَلَى الْوَفَاءِ وَيَسَّرَ لَهُ الْأَمْرَ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾، ومعنى هذا أن هذا الاسم له أثر لمن آمن به، فمن أثر هذا الاسم على القلب أن من صدق مع الله وآمن وأيقن باسم الله الكفيل ورضي به سبحانه وتعالى كفيلاً، أعانه على الوفاء، أعانه على الوفاء بما رد كفالته إلى الله سبحانه وتعالى، ويسر له الأمر من حيث لا يحتسب، ليسر له ذلك الأمر. وأوضح وأجل مثال يبين قول المؤلف هذا ما رواه الإمام البخاري في صحيحه، ما رواه الإمام البخاري في صحيحه من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ذكر رجلاً من بني إسرائيل، ذكر رجلاً من بني إسرائيل سأل بعض بني إسرائيل أن يسلفه ألف دينار، قال: لا، أريد ألف دينار، دين، أن يسلفه ألف دينار. فقال هذا الرجل الذي يريد أن يسلفه: ائتني بالشهداء أشهدهم، كيف أعطيك مال ولا أحد بيني وبينك؟ هات لي شهيد، يعني شاهد يشهد على أنك أخذت مني هذا المال ألف دينار. فقال هذا الرجل الذي أراد المال: كفى بالله شهيداً. فقال الرجل الذي سيعطيه المال: فأتني بالكفيل، من يكفلك، من يضمنك؟ فقال هذا الرجل: كفى بالله كفيلاً، كفى بالله كفيلاً. فقال هذا الرجل: صدقت، رضي بالله، لا أحد بين هذين الرجلين، لا الدائن ولا المدين، إلا الله سبحانه وتعالى، وقد رضي الجميع بالله عز وجل كفيلاً، فأعطاه، دفع له هذا المال ألف دينار إلى أجل مسمى، يعني حدد له وقتاً يوفي بالسداد، فاتفق على هذا الأجل. قال: فخرج في البحر، يعني كان بين الدائن والمدين بحر يفصل بين بلديهما، هذا في بلد وذاك في بلد آخر يفصل بين البلدين بحر. قال: فخرج في البحر فقضى حاجته، يعني صرف هذا المال فيما يحتاجه لأنه ما استدان إلا لحاجة، ثم أراد أن يرد المال في حينه، فخرج على ساحل البحر يلتمس مركباً، يريد ما ينقله من البلد إلى البلد الآخر عن طريق البحر، وقد جاء وحان وقت السداد، قد جاء وحان وقت ماذا؟ وقت السداد، فالتمس مركباً يركبها يقدم عليه للأجل الذي أجل، فلم يجد، ما وجد مركباً، وخشي أن ينتهي الأجل، خشي أن ينتهي الأجل. فماذا فعل هذا الرجل؟ أخذ خشبة، وجد خشبة فأخذها، نقرها، نقرها يعني جعل فيها خرقاً ونقراً لتدخل، يدخل فيه هذا المال، فنقرها فأدخل فيها الألف دينار، أدخل فيها الألف دينار، وأدخل فيها صحيفة، يعني كتاباً منه إلى صاحبه، ثم زج موضعها، ومعنى زج: يعني حاول أن يغلق هذا الخرق، ثم أتى بها إلى البحر فقال: اللهم إنك تعلم أني تسلفت فلاناً ألف دينار، فسألني كفيلاً، فقلت: كفى بالله كفيلاً، فرضي بك، وسألني شهيداً، فقلت: كفى بالله شهيداً، فرضي بك، وإني جهدت، يعني بذلت ما بوسعي من أجل أن أوصل إليه هذا المال، وإني جهدت أن أجد مركباً أبعث إليه الذي له فلم أقدر، ما أستطيع، وإني أستودع، وإني أستودع كهي، وإني أستودع، وإني أستودع كهي، يعني أجعلها وديعة، نعم. قال: فرمى بها في البحر، رمى بهذه الخشبة في البحر، وفيها هذا المال، وفيها تلك الصحيفة، وفيها تلك الصحيفة، قال: حتى ولجت فيه، يعني دخلت فيه، ثم انصرف، خلاص، ذهب، ما وجد مركباً يأتي فيه. قال: وهو في ذلك يلتمس مركباً، لم يهنأ له بال، ما زال يبحث عن مركب، ولا زال يريد أن يوصل هذا المال إلى صاحبه، لعل هذه الخشبة تذهب هنا أو هناك ولا تصل إلى صاحبه، فهو لا يزال يلتمس مركباً يخرج به إلى تلك البلد. فخرج الرجل الذي كان أسلفه ينظر، جاء الموعد والرجل ما جاء، فخرج على ساحل البحر لعل صاحبه يأتي بالمال ويعطيه إياه، فخرج هذا الرجل ينظر لعل مركباً قد جاء بماله، فإذا بالخشبة، ما وجد إلا هذه الخشبة التي فيها ماذا؟ فيها المال. انتظر يريد مركباً، ما وجد، فأخذ هذه الخشبة، أخذ هذه الخشبة وقال: سأجعلها حطباً لأهلي، سأجعلها حطباً لأهلي، فأخذها لأهله حطباً، فلما نشرها، يعني فلسها وجعلها قطعاً صغيرة، وجد المال والصحيفة، وجد بداخلها هذا المال، ووجد هذه الصحيفة، ثم والمال نفس المال الذي أخذه منه ذاك الرجل الذي هو ألف دينار. قال: ثم قدم الذي كان أسلفه، ذاك ما هدأ له بال، ما زال يبحث على مركب حتى وجد، فجاء ومعه مال آخر، معه ماذا؟ مال آخر، ألف دينار. قال: ثم قدم الذي كان أسلفه، فأتى بالألف دينار، فقال: والله، يقول هذا لصاحبه الذي أخذ منه المال، يقول: والله ما زلت جاهداً، يعني كالمعتذر له، قل لعلك تقول أن الموعد جاء وما جئت، جئت متأخر عن الموعد، فأنا سأبين لك سبب هذا التأخير، سأبين لك ماذا سبب هذا التأخير. فقال له: ما زلت جاهداً في طلب مركب لآتيك بمالك، فما وجدت، ما وجدت مركباً قبل الذي أتيت فيه. قال: هل كنت بعثت إلي بشيء؟ كيف المال وصل إلي؟ هل بعثت إلي بشيء؟ فهذا الرجل قال له: أخبرك أني لم أجد مركباً، ور له ما قال له: أرسلت في خشب وكذا، قال له: ما وجدت مركباً. فقال له الرجل: فإن الله قد أدى عنك الذي بعث في الخشبة، فانصرف بالألف دينار راشداً، فذهب هذا الرجل. إذن هذا الدين جاء في وقته أو في غير وقته؟ جاء في وقته. وهذا معنى قول المؤلف حفظه الله: "ومن صدق مع الله في ذلك". ما تقول بعض الناس؟ لما تقول: لا، هات شاهد، يقول لك: يا أخي، كفى بالله شهيداً، كفى بالله وكيلاً، وهو غير صادق في هذا، هذا ما يوفق، ولا يعنى، لا يوفق ولا يعنى. فقد قال النبي عليه الصلاة والسلام: «من أخذ أموال الناس يريد أداءها أدى الله عنه». من صدق في هذا وأخذ المال لا ليتلفه وليطعم أهله، وإنما أخذه ليوفي وهو صادق في ذلك، فإن الله يعينه كما في هذا الحديث. «من أخذ أموال الناس» يعني بدين، يريد أداءها، كان صادق في هذا، أدى الله عنه، كيف أدى الله عنه؟ أعانه، أعانه، أعانه على الوفاء ويسر له الأمر، وهذا معنى قول المؤلف هنا: "هذا، ومن صدق مع الله بذلك ورضي به سبحانه كفيلاً أعانه على الوفاء، أعانه على الوفاء، ويسر له الأمر من حيث لا يحتسب، ويسر له الأمر من حيث لا يحتسب". فلربما تأخذ هذا الدين وتقول: كيف الآن أسدده؟ من أين؟ من أين أسدده؟ لكن إذا صدقت في الوفاء بالسداد فإن الله عز وجل يسر لك ذلك من حيث لا تحتسب، وهذا أمر مجرب، هذا أمر مجرب، كم من أناس عندهم ديون لكن لما كانوا صادقين أعانهم الله ويسر لهم الأمر، فهذا هو معنى الكفيل، وهذا الحديث، والحديث الذي ذكرناه لكم: «من أخذ أموال الناس» فيه تفسير وبيان واضح شاف في معنى اسم الله الكفيل. وقال: والوكيل معناه الكافي، الكفيل، الكافي، الكافي، الكفيل، وهذا كما ذكرنا مقارب مع اسم الله الكافي، وهو عام، لأن قلنا معنى الوكيل هو من التوكل، وهو صدق اعتماد القلب على الله سبحانه وتعالى، فمن توكل في جميع أعماله بأن علق قلبه بالله ثم اتخذ الأسباب الشرعية، فإن الله سبحانه وتعالى يعينه، والله سبحانه وتعالى يحقق له مراده، كما سيأتي. قال: وهو عام وخاص، أما العام فيدل عليه قوله تعالى: ﴿وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾، وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾، أي المتكفل بأرزاق جميع المخلوقات وأقواتها، القائم بتدبير شؤون الكائنات وتصريف أمورها، فهذا هو المعنى العام، فالله عز وجل متكفل بأرزاق جميع المخلوقات، كافرهم أو كافرهم ومؤمنهم، وبرهم وفاجرهم، وكذلك إنسهم وجنهم وبهائمهم ونحو ذلك، فهذا من المعنى العام، من المعنى العام. والخاص يدل عليه قوله تعالى: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾، هذا خطاب لنبيه عليه الصلاة والسلام، فالله عز وجل يتكفل بشؤون عباده المؤمنين من التوفيق والنصر والتأييد ونحو ذلك. وقالوا: ﴿حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾، وهذا مر معنا أن "حسبنا الله ونعم الوكيل" قالها إبراهيم حين ألقي في النار، وقال محمد صلى الله عليه وسلم حين قالوا له: إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم، فزادهم إيماناً وقالوا: حسبنا الله ونعم الوكيل. فهذه الكفاية كفاية خاصة بأهل الإيمان، بأهل الإيمان. قال: أي نعم الكافي لمن التجأ إليه، والحافظ لمن اعتصم به، فهو بمعنى الكفاية والحفظ والنصر والتأييد ونحو ذلك من المعاني التي لا ينالها إلا أهل الإيمان والتقى. وقال: وخاص بعباده المؤمنين به المتوكلين عليه. والشيخ العلامة الشنقيطي عليه رحمة الله له تفسير شامل كامل في معنى الوكيل، باسم الله الوكيل، كما في كتاب "أضواء البيان"، فقال رحمه الله بعدما نقل جملة من أقوال أهل العلم في معنى اسم الله الوكيل: والمعاني متقاربة، يعني في معنى اسم الله الوكيل، والمعاني متقاربة، ومرجعها، ومرجعها إلى شيء واحد، وهو أن الوكيل من يتوكل عليه، فتفوض الأمور إليه ليأتي بالخير ويدفع الشر، وهذا لا يصلح إلا لله وحده. فقوله هنا: "من يتوكل عليه فتفوض الأمور إليه"، أردت نصراً، تفوض أمرك إلى الله، أردت فوزاً، توكل أمرك إلى الله، أردت زوجة، أردت سفراً، أردت علماً، أردت حفظاً، أردت أي عمل من أعمال الدنيا أو من أعمال الآخرة، فتفوض أمرك إلى الله سبحانه وتعالى، سواء كان في الخير في جلب الخير أو في دفع الشر. في جلب الخير كما تقدم: تريد نصراً، تريد عزاً، تريد مالاً، تريد زوجة، تريد علماً، تريد، وأما دفع الشر فمثلا: تريد دفع عدو، تريد شفاء من مرض، تريد كذلك ذرية، تريد عفواً، تريد شفاء من مرض، تريد كذلك استغناء من فقر، تريد نحو ذلك من الشرور، فتفوض أمرك إلى الله سبحانه وتعالى، فالله عز وجل يدفع عنك هذا الشر، وهذا لا يصلح إلا لله، لا يصلح إلا لله وحده سبحانه وتعالى. فهذا هو معنى اسم الله الوكيل، ﴿رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا﴾، اتخذه وكيلاً، توكل عليه، وفوض أمرك إليه، وتعلق به سبحانه وتعالى وحده، وخذ بالأسباب الشرعية، فالله سبحانه وتعالى يحقق سؤلك ومرادك بإذنه سبحانه وتعالى. قال المؤلف: والتوكل على الله وحده هو الأصل لجميع مقامات الدين، ومنزلته منها كمنزلة الجسد من الرأس، فكما لا يقوم الرأس إلا على البدن، فكذلك لا يقوم الإيمان ومقاماته وأعماله إلا على ساق التوكل. ومعنى هذا الكلام جاء عن شيخ الإسلام ابن القيم عليه رحمة الله، فالتوكل على الله عز وجل هو الأصل لجميع مقامات الدين، فالعبادة تحتاج إلى توكل، ولذلك قرنت العبادة في مواضع كثيرة بالتوكل، كما قال الله عز وجل: ﴿فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ﴾، فاعبده وتوكل عليه، لأن التوكل أصل لجميع مقامات الدين، لجميع مقامات الدين، فأي عبادة تحتاج منك إلى توكل واستعانة بالله، لأن التوكل معناه الاستعانة بالله عز وجل. وفي سورة الفاتحة أيضاً قرنت العبادة بالتوكل في قوله تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾، الاستعانة من العبادة، لكن لأنها لا تقوم العبادة إلا بها، فقرنت هنا مع العبادة، فأي عمل تريد أن تقوم به، سواء كان في دين أو في دنيا، لابد فيه من التوكل، فلا تستطيع أن تقدم أو تؤخر إلا بإعانة الله عز وجل لك، حتى في أشياء تظنها يسيرة، لو لم تتوكل على الله لما حققت وأديتها أبداً، لو أردت أن تذهب إلى بيتك، لو لم تتوكل على الله لمنعت عن الوصول إلى البيت، إما بموت، إما بمرض، إما بسجن، أو نحو ذلك، فأنت بحاجة إلى التوكل في أي لحظة، وفي أي عمل، في أي عمل. أردت أن تصوم، لابد من التوكل على الله، أردت أن تصلي ركعتين، لا تستطيع إلا بالتوكل والاستعانة بالله سبحانه وتعالى، فإذا صدق المؤلف حيث قال: "والتوكل على الله وحده هو الأصل لجميع مقامات الدين"، ولذلك قال: "منزلته منها كمنزلة الجسد من الرأس"، لا يمكن أن تكون عبادة بغير استعانة وتوكل على الله، مثل الجسد هذا، لو فصل الرأس منه، هل تبقى له حياة؟ ها، هل تبقى لهذا الجسد حياة؟ ما تبقى له حياة. وهكذا أي عبادة لا تتحقق ولا تتم إلا بالتوكل على الله، فإذا منزلة التوكل على الله في جميع العبادات كمنزلة الجسد من الرأس، فكما لا يقوم الرأس إلا على البدن، فكذلك لا يقوم الإيمان ومقاماته وأعماله إلا على ساق التوكل. طيب، نكتفي بهذا، وإلى هنا، والله تعالى أعلم.