الدرس في الأمثال في القرآن الكريم 12، ألقاها
يبدأ المقطع ببيان بطلان الشرك بالله من خلال مثل قرآني يبين عجز المعبودات من دون الله. هذا يدل على ضعفها وعدم قدرتها، مما يؤكد بطلان اتخاذها آلهة مع الله.
يتناول المقطع ضعف المعبودات التي تعبد من دون الله وعدم قدرتها على النفع أو دفع الضر. يُظهر أن الله جل وعلا هو القوي العزيز القادر على كل شيء، مما يدل على بطلان الشرك وعبادتها.
المشرك بالله هالك وضائع، حيث يصبح كمن سقط من السماء فتخطفه الطير أو تهوي به الريح في مكان سحيق. الشرك يحرم صاحبه من الجنة ومغفرة الله، ويخلد في النار.
المقطع ينتهي بالصلاة على النبي محمد وعلى آله وصحبه، تعبيراً عن التقدير والاحترام للنبي محمد. هذه العبارة الدينية شائعة في نهاية العديد من النصوص الإسلامية.
الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال الله جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿يا أيها الناس ضرب مثل فاستمعوا له إن الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ذبابا ولو اجتمعوا له وإن يسلبهم الذباب شيئا لا يستنقذوه منه ضعف الطالب والمطلوب ما قدر الله حق قدره إن الله لقوي عزيز﴾. في هذا المثل يخاطب الله جل وعلا الناس جميعا، ويبين سبحانه وتعالى ضعف ما يتعلق به المخلوق من غير الله جل وعلا مما يتخذ من الأنداد والآلهة، وبطلان عبادتها واتخاذها شركاء مع الله جل وعلا. وهذا المثل كما قال ابن القيم رحمه الله ينبغي للعبد أن يستمع له وأن يتدبره؛ لأن فيه بيان بطلان الشرك بالله جل وعلا. قال جل وعلا: ﴿يا أيها الناس ضرب مثل فاستمعوا له﴾، الله عز وجل يأمر ويحث لاستماع هذا المثل الذي يبين بطلان عبادة من عبد غير الله جل وعلا. ﴿إن الذين تدعون من دون الله﴾، وهذا يشمل كل ما عبد من دون الله سبحانه وتعالى من الأصنام والأوثان والأنداد والأولياء والصالحين والأشجار والأحجار وغيرها من المخلوقات التي عبدت من دون الله جل وعلا وعبدها من عبدها من الناس. قال جل وعلا: ﴿إن الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ذبابا ولو اجتمعوا له﴾، لو اجتمعت هذه المعبودات كلها لأن تخلق ذبابا، وهو من أصغر المخلوقات، مخلوق صغير ضعيف، لو اجتمعت على أن تخلق هذا الذباب ما استطاعت، ولم تقدر على ذلك. قال جل وعلا: ﴿لن يخلقوا ذبابا ولو اجتمعوا له﴾، يعني لو اجتمعت جميع الآلهة التي تعبد من دون الله جل وعلا على خلق ذبابا ما استطاعوا، وهذا لا شك أنه يدل على عجزهم وعدم قدرتهم. قال جل وعلا: ﴿وإن يسلبهم الذباب شيئا لا يستنقذوه منه﴾، يعني لو يأخذ الذباب منهم شيئا مما هو عليهم من طيب أو نحوه، لما استطاعوا أن يردوه منه، مع ضعف هذا المخلوق الذباب وعجزه، ومع ذلك لا تستطيع هذه الآلهة التي تتخذ آلهة مع الله جل وعلا أن ترد ما أخذ منها الذباب. فكيف تتخذ هذه المعبودات آلهة مع الله جل وعلا؟ والإله لابد أن يكون قادرا، عنده قدرة وعنده قوة وعنده استطاعة على أن ينفع نفسه وينفع غيره، ويدفع الضر عن نفسه وعن غيره. هذا أقل ما يتصف به المعبود، ومن يتخذ إلها أن يكون عنده قدرة على النفع، تحصيل النفع ودفع الضر، أن ينفع نفسه وينفع غيره، ويدفع الضر عن نفسه وعن غيره. فإذا كان عاجزا عن ذلك، دل ذلك على بطلان عبوديته وبطلان ألوهيته، وأنه لا يستحق أن يتخذ إلها مع الله جل وعلا. وإلا فالإله ينبغي أن يكون قادرا على كل شيء، متصفا بالقدرة والقوة والاطلاع على جميع الأشياء. ثم ذكر الله جل وعلا ضعف هذه المعبودات وعابديها: ﴿ضعف الطالب والمطلوب﴾. قيل: الطالب هو الداعي والعابد، والمطلوب هو المعبود، الآلهة التي عبدت من دون الله جل وعلا، فكلاهما ضعيف عاجز قاصر. وقيل: الطالب هو الإله الذي عبد من دون الله، والمطلوب هو الذباب الذي أخذ من هذه الآلهة ما أخذ، فطالبه الإله برده فلم يستطع لضعفه وعجزه، والمطلوب ضعيفا وهو الذباب، مع ضعفه وعدم قوته، ومع ذلك ما استطاع هذا الإله أن يرد منه ما أخذ منه. وقيل: العكس، الطالب هو الذباب الذي يطلب من هذا الإله ما يريد أن يأخذه، والمطلوب هو هذه الآلهة. وكل هذه المعاني صحيحة، وتبين ضعف هذه المعبودات التي عبدت من دون الله جل وعلا، وأن عبادتها باطلة، ولا تستحق أن تتخذ آلهة مع الله جل وعلا. قال جل وعلا: ﴿ما قدر الله حق قدره﴾، أي: لم يقدر الله عز وجل حق قدره. ﴿إن الله لقوي عزيز﴾، الله عز وجل القادر سبحانه وتعالى على كل شيء، الذي إذا أراد شيئا قال له: كن فيكون، المحيط بكل الأشياء وبجميعها، لا يخرج شيء عن قدرته وعن إحاطته وعن خلقه وعلمه. ثم يتخذ معه آلهة عاجزة قاصرة ضعيفة، لا تستطيع أن تنفع نفسها ولا أن تنفع غيرها، ولا أن تدفع الضر عن نفسها ولا عن غيرها، بل لا تستطيع أن ترد ما أخذ منها الذباب مع ضعفه هذا المخلوق وعدم قوته. هذا لا شك أنه يدل على بطلان الشرك بالله جل وعلا واتخاذ الأنداد مع الله سبحانه وتعالى. وهكذا أيضا ضرب الله عز وجل مثلا آخرا في بطلان من أشرك بالله جل وعلا، قال سبحانه في سورة الحج: ﴿حنفاء لله غير مشركين به ومن يشرك بالله فكأنما خر من السماء فتخطفه الطير أو تهوي به الريح في مكان سحيق﴾. هذه الآيات في أوائل سورة الحج، والآية المذكورة سابقا ﴿يا أيها الناس﴾ في أواخرها. قال الله جل وعلا: ﴿ومن يشرك بالله فكأنما خر من السماء فتخطفه الطير أو تهوي به الريح في مكان سحيق﴾، يعني: حال من يشرك بالله جل وعلا، وبيان ما وقع فيه من الهلاك والضلال والشرك والكفر، كحال من سقط من السماء، خر من أعلاها، فتخطفه الطير وتقطعه وتمزقه وتأكل أجزاءه وأشلاءه حتى ينتهي ويهلك، أو تهوي به الريح، تأخذه الريح العاصفة القوية في مكان يهلك به ويموت. وهذا حال من أشرك بالله جل وعلا، فالمشرك بالله جل وعلا هالك، إذ أنه وقع في أعظم الذنوب على جهة الإطلاق الذي يوجب غضب الله وعذاب الله جل وعلا والخلود في النار وحرمان مغفرة الله جل وعلا. فلا شك أن هذا هلاك عظيم أن يتخذ العبد ندا مع الله سبحانه وتعالى وشريكا في ربوبيته أو ألوهيته أو أسماء وصفاته. فحاله كحال ما ذكر الله جل وعلا في هذا المثل من الهلاك. ولهذا الله عز وجل يقول: ﴿إنه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة ومأواه النار وما للظالمين من أنصار﴾. وأي خسران أعظم من هذا؟ وأي حرمان أعظم من هذا؟ أن تحرم دخول الجنة التي هي دار المتقين ودار المؤمنين ودار الفائزين، فيكون مصيره إلى النار والعذاب والخلود فيها. فلا شك أن هذا من أعظم الهلاك والخسران. قال الله جل وعلا: ﴿قل إن الخاسرين الذين خسروا أنفسهم وأهلهم يوم القيامة ألا ذلك هو الخسران المبين﴾. وهكذا أخبر الله جل وعلا أن المشرك لا يغفر له: ﴿إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء﴾. وهذا أيضا من هلاك المشرك؛ لأنه لا مغفرة له إذا مات على الشرك، لا يغفر الله عز وجل له ذنبه، بخلاف لو كان عنده شيء من الذنوب دون الشرك من كبائر الذنوب، فهو تحت مشيئة الله، إن شاء الله عذبه وإن شاء غفر له. أما أن يموت على الشرك واتخاذ الند مع الله سبحانه وتعالى، فإن الله لا يغفر له. وهذا من الهلاك والخسران أن تكون محروما من مغفرة الله وممنوعا من رحمة الله سبحانه وتعالى. فنسأل الله جل وعلا أن يوفقنا وإياكم لطاعته، ويسددنا جل وعلا في أقوالنا وأفعالنا، ويجعلنا سبحانه من الموحدين له المخلصين له في العبادة في الأقوال والأفعال، ويحيينا على ذلك ويميتنا عليه جل وعلا. ونسأله سبحانه أن يجعلنا وإياكم من أهل الجنة، ويبعدنا عن النار. صلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.